رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مكسور الوجدان، صرت منزوع الرغبة في الكتابة والتأمل والتدبر أصبحت، مستهلكا أبدو، قابضا على الجمر أتحرك، مفتت الأواصر والروابط أسير، الحرائق تشتعل بداخلي، وخارجي وفي القلب وفي الروح.
غادرتني البهجة، سافرت إلى مناطق نائية لم تعد تسكنني وأنا الذي بدأت في غزل خيوط عشقها بعد ثورة المحروسة في الخامس والعشرين من يناير.
صارت تتمنع عني الثورة. أتساءل من أجهضها؟ من أنزلها إلى حدائق الصبار عوضا عن حدائق الياسمين والعنب والرمان والنخيل المتشابه وغير المتشابه؟ من دفع بها إلى مناطق الظل وأسكنها خياما من شوك.
لمن أبوح بوجعي؟
لمن يتساقط رطبها بعد أن سرق العسس والبصاصون طلعها الذي أوشك على النضج.
داهمتني حروف الكتابة، لكنها توقفت عند جروح وشقوق وعذابات تركتها الثورة فينا، بعد أن التهمها العائدون من قبو الماضي القريب والقابضون على مفاصل الوطن، والذين تركناهم جميعا يرتعون في المؤسسات والهيئات بعضهم ارتدى ثوب الثورة فخدعنا، بينما الآخرون كانوا ينفذون أوامر السلطان القديم ورجاله وحريمه في هدوء بعيدا عن العيون وخدعونا أيضا.
ترك الثوار منذ البداية كل الخيوط في أيدي غيرهم وتفرغوا للصراخ سواء في الميادين العامة أو في الفضائيات، دون أن يكون ثمة زعيم أو قيادة حقيقية تقرأ وتدبر وتفكر وتدرس وتخطط وتعطي الأمر ثم تصارعوا على" كعكة " وهمية. فانقسموا وتشظوا وراح كل منهم يدير ظهره للآخر.
التهم الثوار الطعم فدخلوا في معارك جانبية تناسوا مشروعهم لإعادة بناء الوطن وفق أسس العدالة والحرية والعيش والكرامة بينما انهمك خصوم الثورة في إعادة حشد طاقاتهم الحية. فاستعادوا قدرتهم على الحركة، غيروا أسماء تنظيماتهم وعناوينهم، وباتوا يطلعون في كل برنامج ويصرحون لكل صحيفة ويقدمون أنفسهم بحسبانهم الحريصين على الفعل الثوري ومصلحة الوطن، وليس ثمة ما يمنع من الدعوة إلى المصالحة الوطنية والتوافق الوطني ويصرخون من أجل إعادة بناء مصر وإعادة الثورة لأصحابها، وثمة من صدقهم منا فمنح ما يقرب من ستة ملايين مصري صوتهم لمرشح الثورة المضادة في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة، فخرج متمرسا خلف جيش جرار من المنتمين للماضي القريب رافعا شعارات تخلب الألباب فجذب بعضا من أفراد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وللأسف قرأوا المسألة من منظور خلاف قديم في الرؤية بين ثورة الزعيم وجماعة الإخوان المسلمين انتهت صلاحيته، في تقديري دون أن يمتد بصرهم إلى مخاطر وصول رجل النظام القديم القوي إلى المنصب الرفيع المقام في المحروسة.
لم تكن الثورة خاوية على عروشها، وإنما تمكنت من إفراز برلمان منتخب في عملية اقتراع شهد لها الجميع بالنزاهة والشفافية خاصة من المراقبين الأجانب والعرب، ولأنه برلمان ضم القوى التي كانت محرومة من السلطة والتعبير عن الرأي وكابدت القهر الأمني والسياسي فمارست حيويتها البرلمانية انطلقت تتحرك في كل اتجاه في محاولة لإثبات جدارتها وتجسيد مطالب الناس، لكنها ارتكبت بعضا من الأخطاء بفعل محدودية التجربة وربما بفعل الحماس المفرط غير أن العقاب والذي تم التهديد به قبل أشهر لا يستوجب الإزاحة التامة والإلغاء الكامل والإقصاء الشامل، فيتم إجهاض أول تجربة برلمانية منتخبة بصورة صحيحة في المحروسة لحسابات ضيقة الأفق.
هل هي الرغبة في تصفية الحسابات لأن البرلمان لم يتناغم مع القابضين على مفاصل البلاد والعباد؟ فيشرع في وجهه سيف الحل من خلال اللجوء إلى نصوص قانونية يبدو أنها وضعت لتكون الخنجر الذي يوجه إلى جسده في اللحظة التي يعتقد فيها أنه تجاوز المسموح له، ربما، لكن المسألة لا تخرج عن تدبير شديد الإحكام استغل أخطاء من هذا الطرف أو ذاك.
هل هي الرغبة في رد صفعة التعديلات التي أدخلت على قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية التي أدخلها النواب بسرعة وسميت إعلاميا بقانون العزل السياسي، والذي كان مقصودا به إغلاق الباب أمام رموز وقيادات نظام مبارك وحزبه الحاكم من الترشح للمواقع القيادية، فهل أخطأ النواب؟ ألم تتفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير من أجل إقصاء النظام ورموزه وتلك خطيئة أخرى ارتكبها الثوار وربما النواب، فهم لم يسارعوا بسن قانون يحول دون عودة هذه الرموز إلى المشهد السياسي وتباطأوا في هذه الخطوة فدفع البرلمان الثمن، لأنه اقترب من عش الدبابير من القيادات التي كانت تصنع سياسة النظام السابق وتنفذ توجهاته وتذلل له كل الصعاب أمام مشروع التوريث الذي انشغل به رأسه على مدى السنوات العشر الماضية، وترك مشكلات الوطن تتفاقم جوعا وقهرا وانتشارا متوحشا للفساد.
كان يتعين إزهاق روح البرلمان الذي أنتجته الثورة لأنه تجاوز الخطوط الحمراء. وهو ما يعكس أن العقل المدبر لكل هذه التداعيات هو عقل انتقامي مازال ولاؤه للزمن القديم ولسنوات مبارك وهو يدبر كل ألوان الإجهاض للثورة وفق المحددات القانونية والدستورية، حتى لا يلومه أحد ولا يوقفه أحد، إنه ذكاء لكنه مصطنع لا يمتلك القدرة على الصيرورة والبقاء.
إن جماعة "الإخوان المسلمين" ارتكبت أخطاء. لكنها لم تكن خطايا من قبيل تحالفها الضمني مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثم رفضها لما يسمى بشرعية الميدان بعد وصولها إلى البرلمان، مما أحدث ثغرة في صفوف قوى الثورة وباعد بينها وبينهم إلى حد قيام بعض من شبابها بحماية مجلس الشعب من احتجاجات شباب الثورة بحجة حماية الشرعية الدستورية. وهو أمر كان يجب أن تنتبه إليه بعمق قيادات الجماعة وتدرك أنه من دون ثورة يناير ما كان بمقدورها الوصول إلى أغلبية البرلمان.
وأظن أن هذه الثغرة كانت واحدة من أهم الاختراقات التي استغلها رموز النظام البائد القابضين على مؤسسات الدولة، ثم جاءت محاولتهم للاستحواذ على اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور الدائم ثم إعلانهم الترشح لرئاسة الجمهورية في التفاف على قرار سابق بعدم التقدم لهذا المنصب لتعمق من التناقضات بين الجماعة وقوى الثورة.
ورغم ذلك أقول إن كل هذه المعطيات لا تشكل مبررا للانقضاض على الثورة وإعادة الأمور إلى المربع رقم واحد والمتمثل في الحالة التي كانت عليها المحروسة عقب سقوط مبارك في الحادي عشر من فبراير 2011. فهي الآن بلا برلمان والمجلس العسكري استعاد صلاحياته التشريعية بالكامل بما في ذلك صلاحيات تشكيل لجنة تأسيسية جديدة للدستور والأخطر أن الرئيس الجديد سوف يتولى سلطاته في الثلاثين من يونيو الحالي دون سياق دستوري يحدد صلاحياته. وهو ما يجعل البعض يتخوف من اختراقات يقوم بها فور توليه السلطة وتحديدا مع وصول مرشح النظام البائد للموقع الرفيع المقام والذي – عكس كل ما رفعه من شعارات ودبلجة من طروحات بعضها يبدو شديد الثورية – قد يمارس سياسة تصفية الحسابات مع خصومه وهم كل قوى الثورة وهنا تكون ثورة الخامس والعشرين من يناير قد خبت جذوتها وفقدت سطوتها وداهمتها رياح الماضي العنيفة والمكشرة عن أنيابها بقوة
السطر الأخير:
ربيعك يطل
زمانك لا تخبو جذوته
نخيلك ممتد في السنوات وفي العمر
رحيقك يرويني
تمددي داخلي
دثريني دثريني
آه من غيابك القسري
ووجع يرفل في سنيني
عودي أيابهجتي القديمة
وأيقونتي وسر تكويني
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3159
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026