رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يجد "الجرّاح" نفسه مضطراً لأن يقوم أحياناً بتخدير موضعي في أماكن تحيط بالموضع الذي يريد أن يجري فيه العملية الجراحية فيقوم بتخدير أكثر من مكان في جلد المريض حول منطقة الجراحة حتى لا يتأثّر المريض ولا يشعر بمشرط الجراحة ولا بغيره من الأدوات التي تقطع جلده ولحمه وعضلاته وأعصابه أو قد تصل إلى عظمه! وكلّما زادت مساحة الجراحة ازدادت حاجة الطبيب الجرّاح إلى تقطيع المزيد من الجلد واللحم وغيره أو كلّما اضطر إلى فتح صدر أو بطن أو رأس أو قلب المريض.. كلّما زادت الحاجة إلى "التخدير الكامل" للجسم بأكمله حتى لا يشعر المريض بمِشرَط أو بمقص أو بإبرة الخياطة فالتخدير الموضعي لا يجدي في هذه الحالة أبداً.
هل وصلت حالة الأمة الإسلامية اليوم إلى حالة التخدير الكامل التي نجح العدو الصهيوني معها في الوصول إلى كامل جسد الأمة الإسلامية بعد أن نجحوا في عملية "البنج" أو التخدير الموضعي لدول الجوار المحيطة بقلب جسد الأمة في فلسطين التي اغتصبوا أرضها بعد وعد بلفور البريطاني لهم الذي وعدهم "وعد من لا يملك لمن لا يستحق" حيث وعد اليهود بتعويضهم بأرض فلسطين كوطن قومي لهم تعويضاً لهم عمّا لحق بهم من جرّاء المحرقة المزعومة أو الاضطهاد الذي لاقوه في عموم أوروبا ؟!
إن الخيانات المتلاحقة التي ارتكبها بعض الحكّام العرب من الخونة الذين تعاونوا مع البريطانيين لتحقيق ذلك الوعد وتنفيذه على أرض الواقع هي التي أدّت إلى احتلال فلسطين، حيث مهّدوا الطريق أمام البريطانيين والصهاينة وقاموا بتخدير موضعي للفلسطينيين وسحب السلاح منهم ومنع أي مقاومة - واللفظ الشرعي الصحيح هو الجهاد - تعارض وتقاوم هجرة اليهود إلى فلسطين شيئاً فشيئاً حتى أصبح اليهود أكثرية في بعض المناطق ولازالوا يبنون المستوطنات تلو المستوطنات بعد أن خرج البريطانيون الخبثاء من اللعبة وأتى الأمريكان ليقوموا بدور الوسيط "الأخبث" الذين ضحكوا ومسحوا على ذقون العرب "أيام أن كانت لهم لحى" بل ومسحوا بكرامة الوفود الفلسطينية والعربية وهي تتفاوض على بقايا كرامتهم وشرفهم بعد أن داس عليها من جعل الله منهم القردة والخنازيز مهما اعترض على تلك الأوصاف أدعياء "تقارب الأديان" الذين لازالوا يجدون السلام أو الاستسلام طريقاً لاسترداد الحقوق وما تبقّى من ماء وجوههم.
فَهِمَ اليهود اللعبة مبكّراً جداً وفَهِمَ معهم البريطانيون والأمريكان اللعبة كذلك وعلموا أنهم لن يستطيعوا إجراء جراحة دقيقة وخطيرة في وسط جسد الأمة الإسلامية إلا بعد أن يهيئوا الظروف المناسبة لتلك العملية الجراحية الخطيرة في قلب العالم الإسلامي "فلسطين" وما حولها، فبدأت عملية التخدير الموضعي بزرع العملاء وشراء الخونة وتنصيب الحكّام العملاء الذين يرضخون لمطالب أعدائهم ويركعون عند أقدام أسيادهم، فالعملية لن تتم وتكتمل إذا ما وُجِدَ في الأمة رجال مؤمنون صادقون يسعون لتطبيق حكم الله في بلادهم وإقامة شرع الله بينهم ونصرة دين الله في الأرض، ولهذا بدأ مسلسل التخدير مبكّراً جداً بإفساد العقول والأخلاق وشراء الذمم والضمائر شيئاً فشيئاً، فقامت إسرائيل بمماطلة الجانب الفلسطيني وإلهائه بعملية سلام واستسلام طويلة الأجل، بينما قامت في الوقت نفسه بمعاهدات استسلام أخرى لضمان حدودها مع سوريا والأردن ولبنان ومصر فدخلت الأردن ومصر في تلك المعاهدة المهينة ولم تكتف إسرائيل بذلك فقد كانت تعمل ليل نهار بينما العرب والمسلمون نائمون في "الوحل" لا العسل كما يقولون، فقد قامت بعملية طويلة الأجل كذلك تهدف إلى إلهاء الشعوب في الفن والرياضة ومن خلالهما قامت بعملية غسيل دماغ فأصبح المسلمون الذين أُمِرُوا بغض النظر! أصبحوا يلهثون وراء الجنس المحرّم والزنا في السينمات والقنوات الفضائية وفي مجال السياحة بعد أن روّجت لهم الخمور والمخدرات وأقنعتهم بمعاونة الغرب بأن في ذلك تقدما وحضارة! وأصبح المسلمون الذين أُمِرُوا بترك الجدل والاستفادة من الوقت! أصبحوا يلهثون وراء ضياع الأوقات في المباريات والبطولات والمسابقات التافهة وبرامج الجدل العقيم والثرثرة والسخافات ونجحت بأن صرفتهم عن العلم إلى الجهل في كافة المجالات وتركوا التأليف والقراءة والترجمة بل واستوردوا مناهج الغرب بسلبياتها وعيوبها واستوردوا معها الاختلاط والانحطاط فأصبحوا بلا عقل وبلا أخلاق! فأصبحوا جاهزين للخطوات التي تلت بعدها من تشجيع المؤامرات التي يقوم بها الحكّام العرب والمسلمين من الطواغيت ضد شعوبهم بعد أن رسّخوا مبدأ بقاء الحاكم حتى آخر قطرة دم من أبناء شعبه، وبعد أن شجّعوا الطغاة على الظلم وسرقة أموال الشعوب وأعانوهم على ذلك بأن سخّروا لهم القواعد العسكرية والمعاهدات الدولية التي تحميهم وترسّخ حكمهم، بل والأدهى من ذلك أنهم أخضعوا كل الحكّام العرب والمسلمين بل وحكّام العالم تحت سيطرتهم وعرفوا نقطة ضعف كل حاكم وكل دولة فتجسّسوا ووثّقوا خيانة كل عميل لهم بأدلّة ووثائق تفضح اختلاسات اللصوص منهم وتفضخ خيانات أهل الدعارة والرذيلة والفسق منهم!
لقد وصلنا إلى مرحلة من "التخدير الكامل" الذي يقوم فيه الجرّاح بتقطيع الجسد وتمزيقه دون أن يحرّك المريض ساكناً، فإذا صحّ القول بأن إسرائيل هي ذلك "الجرّاح" غير أن الطبيب الجرّاح يخدّر المريض ليعالجه بينما إسرائيل تخدّر جسد الأمة لتمزّقه وتنكّل به وتسحل بجثته في النهاية! بل إن الأمر تعدّى ذلك فلقد أصبح ذلك الجرّاح "كبير الجرّاحين" خبيراً لا يلوّث يديه ولا يحط من قدره بعمليات سهلة وبسيطة يستطيع أي طبيب مبتدئ أن يقوم بها بدلاً عنه، ناهيك عن أنها كلّفت "مساعد الطبيب" الذي يحمل المقص والمشرط بتلك العملية استهزاءً وغروراً! فإسرائيل لا تقوم بشيء يذكر لأنها كلّفت خدمها وعبيدها في العالم العربي والإسلامي بالمهمة فأصبحوا يمزّقون جسد الأمة ويحاربون دينها ويقتلون شعوبهم ويسرقون أموالهم وينهبون خيرات وثروات أوطانهم ناهيك عن أنهم يوفّرون الحماية والدعم لأمن إسرائيل كما كان يفعل حافظ الأسد وجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك وغيرهم وكما يفعل اليوم بشار الأسد وحزب الشيطان ونوري المالكي وأذناب إيران وكما يفعل الآن عميلها الجديد وخادمها المطيع عبدالفتاح السيسي الذي أوقف ما كان ينوي الرئيس محمد مرسي فعله من مقاومة لإسرائيل، فقتل شعبه وخذل أهل غزّة ووفّر الأمان للصهاينة حتى أعلنت فرحتها بترشّحه للرئاسة كما فرحت سابقاً بترؤس غيره من حكّام العرب والمسلمين.. حتى أصبح المسلمون على أخبار الصهاينة اليوم وهم يقتحمون المسجد الأقصى ويدّنسونه بأقدامهم.. ولا يبالون من ردة فعل العرب ولا المسلمين ولا أي حاكم عربي أو مسلم.. لأن جسد الأمة أصبح في حالة.. "تخدير كامل".
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
117
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
153
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
168
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2055
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026