رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول المثل العربي: «ما حكَّ جلدك مثل ظفرك»، وهو مثل يعكس حقيقةً سياسية أثبتتها تجارب التاريخ مراراً، وهي أن الدول التي تعتمد في حماية أمنها وسيادتها على قوى خارجية قد تكتشف في لحظات الأزمات أن تلك القوى تتحرك وفق مصالحها الخاصة قبل أي التزامات أخرى. وقد جاءت الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لتضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار حقيقي لطبيعة التوازنات الأمنية في المنطقة.
فمنذ اندلاع هذه المواجهة، حرصت دول المجلس على تبني سياسة الحياد وعدم الانجرار إلى الصراع، إدراكاً منها لخطورة تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة بين قوى كبرى. ولهذا اتخذت بعض الدول إجراءات احترازية كان من أبرزها إخلاء القواعد الأمريكية من بعض المعدات والأفراد حتى لا تتحول هذه القواعد إلى أهداف عسكرية مباشرة أو إلى ذريعة تستخدمها الأطراف المتحاربة لتوسيع رقعة الحرب.
لكن المفاجأة التي كشفتها تطورات الأحداث أن هذه الخطوات الاحترازية لم تمنع امتداد خطر الحرب إلى المنطقة، فقد تعرضت بعض المواقع وهي خالية من القوات، لضربات إيرانية في رسالة سياسية وعسكرية واضحة. وبدلاً من أن تتجه واشنطن إلى تعزيز مظلة الحماية الأمنية لدول الخليج في هذه المرحلة الحساسة، بدا أن الأولوية العسكرية الأمريكية اتجهت بشكل واضح إلى دعم إسرائيل في حربها، سواء من خلال نقل بعض الإمكانات العسكرية من المنطقة، أو عبر تزويدها بالسلاح والذخائر والتقنيات العسكرية المتطورة، إضافة إلى الدعم اللوجستي والاستخباراتي.
هذا الواقع أوجد مفارقة لافتة، إذ بدت دول مجلس التعاون وكأنها تحافظ على الاستقرار الإقليمي الذي يخدم المصالح الأمريكية، بينما تتركز القوة العسكرية الأمريكية في جبهة أخرى. وبذلك تحولت المعادلة، ولو مؤقتاً، إلى وضع تبدو فيه دول الخليج وكأنها هي التي تحمي المصالح الأمريكية في المنطقة عبر الحفاظ على الاستقرار ومنع توسع الحرب، في حين تُوجَّه الإمكانات العسكرية الأمريكية إلى مسار الصراع الرئيسي.
إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان حقيقة طالما تكررت في العلاقات الدولية، وهي أن الدول الكبرى لا تمتلك حلفاء دائمين بقدر ما تمتلك مصالح دائمة. وقد عبّر عن هذه الحقيقة أكثر من مسؤول أمريكي في مناسبات مختلفة عندما أشار إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم أساساً على حماية المصالح الاستراتيجية قبل أي اعتبارات أخرى.
ومن هنا يمكن القول إن ما حدث خلال هذه الأزمة يمثل درساً استراتيجياً مهماً لدول مجلس التعاون الخليجي. فالاتفاقيات الدفاعية والتحالفات الدولية قد توفر قدراً من الدعم أو الردع، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن امتلاك القدرة الذاتية على حماية السيادة الوطنية.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدول التي نجحت في حماية أمنها واستقرارها هي تلك التي بنت قوتها الدفاعية بنفسها، وامتلكت القدرة على الردع المستقل، حتى وهي تحافظ في الوقت نفسه على علاقات وتحالفات دولية متوازنة.
ودول مجلس التعاون الخليجي تمتلك اليوم من المقومات ما يجعلها قادرة على تحقيق ذلك. فهي تمتلك اقتصادات قوية وموارد مالية ضخمة وموقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في قلب العالم، إضافة إلى بنية تحتية عسكرية متطورة وخبرات متراكمة في مجالات الدفاع والأمن.
لكن هذه المقومات تحتاج إلى أن تتحول إلى مشروع استراتيجي خليجي مشترك، يقوم على تعزيز التكامل العسكري والأمني بين دول المجلس.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطوات عملية قد يكون من أهمها تطوير منظومة الدفاع الخليجي المشترك، بحيث لا تظل فكرة التعاون الدفاعي مجرد إطار نظري، بل تتحول إلى قوة ردع حقيقية قادرة على حماية المنطقة.
ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء قيادة عسكرية خليجية موحدة قادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرار الدفاعي المشترك، إضافة إلى بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي خليجية متكاملة تغطي كامل المجال الجوي لدول المجلس وتعمل بتنسيق كامل بين الجيوش الخليجية.
كما أن تطوير الصناعات العسكرية الخليجية قد يشكل خطوة مهمة لتقليل الاعتماد الكامل على استيراد السلاح من الخارج، خصوصاً في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا العسكرية عاملاً حاسماً في ميزان القوة.
إن الهدف من بناء هذه القوة المشتركة لا يعني السعي إلى التصعيد أو الدخول في سباقات تسلح، بل يهدف أساساً إلى تحقيق الردع وحماية السيادة الوطنية ومنع أي طرف من التفكير في تهديد أمن المنطقة.
كما أن وجود قوة خليجية متماسكة قد يسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار الإقليمي، لأن التوازن في القوة غالباً ما يكون عاملاً رئيسياً في منع الحروب وليس إشعالها.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، سواء على مستوى النظام الدولي أو موازين القوى في الشرق الأوسط، فإن المرحلة المقبلة قد تفرض على دول مجلس التعاون أن تنتقل من دور المتأثر بالتحولات الدولية إلى دور الفاعل في صياغتها.
فدول الخليج ليست مجرد منطقة غنية بالطاقة أو موقعاً جغرافياً مهماً فحسب، بل هي أيضاً كتلة اقتصادية وسياسية قادرة على التأثير في معادلات المنطقة إذا ما توحدت رؤيتها الاستراتيجية.
ولهذا فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الأزمة هو أن الأمن الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر وحدة الصف وتكامل القدرات.
وإذا استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي أن تتجاوز خلافاتها الثانوية وتعمل بروح الشراكة الاستراتيجية، فإنها ستكون قادرة ليس فقط على حماية سيادتها، بل أيضاً على فرض حضورها كقوة إقليمية مؤثرة في مستقبل الشرق الأوسط.
ففي عالم تحكمه المصالح والتوازنات، تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول التي تمتلك القدرة على حماية نفسها هي وحدها التي تستطيع حماية مصالحها ومستقبلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1437
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026