رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القراءة السياسية لنتائج الانتخابات حتى الآن تشير إلى أن بقايا النظام السابق بألوانها المختلفة، تحاول تأكيد وجودها وإكساب هذا الوجود شرعية الصناديق. حركة خداع عميقة للالتفاف على الثورة ونتائجها بعد أن أثبتت المواجهات المباشرة مع التجمعات الشعبية "عجز القوة" في مواجهتها، فلم يعد أمام الحركة المضادة للثورة غير إلباس المواجهة مسوح الديمقراطية الصناديق الكاذبة، وإلباس الصناديق عباءة الدين.
والإجابة على سؤال ما العمل؟ الذي يواجه عناصر الثورة في مصر الآن يستحيل الوصول إليه دون تحليل سياسي لمدلول النظام السياسي السابق وحالة المجتمع الراهنة.
وأيضا دون القبول بأن التغيير الاجتماعي هو علاقة مع بشر وقوى اجتماعية يصبح الحديث عن التغيير حرث في الماء. يهدر الحلم والطاقة ويفتح الأفق لنظام أشد سوءا من سابقه.
وبدون القناعة بأن هناك فارقا بين التنظيم للقوى صاحبة المصلحة في التغيير وبين تركها في حالة سيولة دون جامع هيكلي لها. فإن الحركة من أجل التغيير تصبح نداء بوادي الطرشان ومجرد إبراء للذمة دون تأثير في الواقع الذي تحياه.
إن الشعوب لا تسترد إرادتها لتضعها في متاحف التاريخ.
إن نداء التغيير في المجتمعات ليس ترفا. ولكنه ضرورة حياة فالشعوب لا تطالب بالتغيير لتحيل الوطن والمجتمع إلى مجرد حزب أو تيار سياسي. والتغيير يعني في مضمونه إلغاء واقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وإقامة واقع آخر يحقق للمجتمع غاياته ومقاصده العليا. وهي لا تعني على الإطلاق تمكين إحدى القوى السياسية والاجتماعية من فرض سيطرتها. ولكن توازن القوى داخل المجتمع يجب أن يعتمد أساسا على قدرة كافة مكوناته في التعبير عن نفسها تحت ذات الظروف وبفرص متكافئة وبحركة نمو طبيعي.
ما الفارق بين مقولة ديكتاتورية البروليتاريا ووحدانية التنظيمات الدينية داخل المجتمع.
كلاهما ديكتاتورية الأولى طبقية وكانت لها رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية والثانية تفجر المجتمع وقيمه وبناءه الحضاري لتنفرد بالسلطة وفق الحق الإلهي دينيا.
وليس عجبا أن يمر أحدهم بطوابير الناخبين أمام مقار لجان الانتخاب ليقول لهم لا تنتخبوا هذه القائمة فهي قائمة المسيحيين لتنفجر في وجهه "زوجتي" - وهي خريجة الأزهر قسم لغة عبرية – في طابور الانتخاب قائلة "هل أهدرتم الثورة ودم الشهداء لتقسموا الشعب إلى مسلم ومسيحي"، ورمقها الرجل بعين غاضبة إلا أنه ذهب ولم يعد.. فهل اعتقد كل من كان بطابور الانتخاب أنها ليست مسلمة وأنها تتخفى في حجابها؟
المشهد الآن ينتقل من نظام فساد وقتل وتوريث بذات مكوناته إلى نظام ديكتاتورية دينية وإرهاب بالتكفير والمليونيات الملتحية. وكلا النظامين باركتهما المؤسسة العسكرية المصرية. بل هي أقامت النظام الجديد بخيارات لجنة البشري وعلى حد قول د. يحيى الجمل في لقاء مع أقربائه "إنهم ضحكوا علينا"، ونقل عن البشري أنه حركته عقدة قديمة أن يبقى العسكر في الحكم، فأهدر معنى الثورة واستراتيجيتها وتنازل عن قناعاته وما كتبه نتيجة عقده، هكذا تعاملوا مع الشعب والثورة، وهكذا فتحوا الباب على مصراعيه للقادمين من الظلام، وفرضوا على الشعب أن يعود للشارع ولكن بطريقة مغايرة ليسترد الثورة من سارقيها.
أطلق العنان لعودة التنظيمات الدينية في مصر منذ عام 1971 واستخدمها السادات في مواجهة كافة القوى الوطنية.
وبعد أن كان الشعار الوطني في مصر " يد تبني ويد تحمل السلاح " أصبح النداء والإلحاح في الطرقات تبرعوا لبناء مسجد. وكأن مدينة الألف مئذنة تحتاج إلى نتوءات لا تحمل وجها حضاريا كمساجد القاهرة ولكنها تفتح مراكز الخدمة والاستقطاب والتجمع والحشد تحت ستار الدين.
ومنذ انقلاب مايو 1971 وكافة التنظيمات السياسية والنقابية وأصحاب الرأي ونخبة الرجال في زمن التحرير والعدل الاجتماعي محل مطاردة أمنية كانت تتم بانتقاء وتوحشت بعد انتفاضة يناير 1977.
الغريب في الأمر أن تنظيم الإخوان عندما عاد بين السادات بعد 1973 وأعاد السادات بعض جنرالات الجيش الذين أقصوا من أماكنهم بعد 1967 وكان البعض منهم من ذات الاتجاهات والبعض الآخر أقصي لعدم جدواه بعد 1967 فإن هذا التنظيم انقلب على السادات أيضاً وعاشت فترة السادات ميلاد تنظيمات دينية متعددة ووفق نظريات تنظيمية مختلفة لينتهي الأمر باغتيال السادات في عام 1981 بعد أن انقلب على المجتمع كله ووضع كل تياراته واتجاهاته داخل المعتقل.
واغتيل السادات من داخل المؤسسة العسكرية واغتيل أمام كافة القادة وإلى جواره وزير الدفاع.
واتسعت المطاردة الأمنية زمن مبارك لتشمل التنظيمات الدينية التي أصبحت تهدد النظام الذي نجا من حادثة المنصة. وفي الوقت ذاته كانت الأحزاب والتنظيمات غير الدينية ما زالت تحت وطأة الحصار منذ 1977.
ومع تصاعد سيطرة النظام فقدت سياسته عمق الاتصال بالجماهير واحتياجاتها وصار الإحسان بديلا للعدل الاجتماعي واتخذت سياسة السوق المفتوح بديلا لسياسة التخطيط والتنمية ليغيب دور الدولة عن مسؤولية التنمية ويبدأ التوجه إلى تصفية كافة النقابات المهنية بعد أن جرى حصار الفلاحين وإلغاء ما ترتب على قوانين الإصلاح الزراعي والقضاء على الجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني للفلاحين.
وتزامنت سياسة الخصصة التي أفرغت الاقتصاد المصري من خط دفاعه الرئيس للإنتاج والتجارة والذي كان دعامة زمن الإعداد للتحرير بين عامي1967 و1973 تزامنت مع تجمد اتحاد العمال المصري الأمر الذي استدعى اللجوء إلى إنشاء النقابات خارج إطار الاتحاد واكتمل عقد الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في مصر ولازم ذلك سياسيا ما أطلق عليه " التصحر السياسي " والذي نتج عن غياب رؤية وطنية تربط بين الشعب والدولة وجرى الانفصال وصار جهاز الأمن هو أداة الدولة وتحولت الدولة إلى أسرة حاكمة وطبقة مالكة ليكتمل الانقلاب على عائد حرب أكتوبر والتي ظل الشعب فيها تحت السلاح عقدا من الزمن وعلى مدار 40 عاما منذ بدأ السادات السير في هذا الطريق.
هنا تكمن قيمة ما جرى منذ 25 يناير 2011 وهنا تكمن قيمة الشباب الذي نجح في أن يشكل وجدانه وعقيدته الوطنية وسط هذا الهجوم الضاري الداخلي وانهيار المحيط العربي بعيدا عن قيمة المجتمع الواحد. وتجلت قيمة الشعب الصابر عندما خرج منه عشرون مليونا ليرفضوا النظام وما وصلت إليه الحال ولكنهم جميعا عادوا إلى بيوتهم لأن الهدف لم يكن مكتملا في الرؤى المتعددة الأفراد والجماعات ولأن القيادة كانت غائبة ولأن الجماهير كانت في حالة سيولة وليس هناك هيكل يجمعها.
قد تصلح المواجهات الفئوية لتحقيق بعض المكاسب الضيقة، وقد تصلح مظاهرات الشباب واعتصامه لتعديل هنا أو هناك، وقد يزيد دم الشهداء والشباب قابل بهذا، ولكن الأمر محل البحث هو ما الجدوى دون رؤية كاملة وقوى من خلف هذه الرؤية.
المجلس النيابي القادم من المجهول لا يعبر عن الشعب، ولكنه يعبر عن صناديق ارتدت عباءة الدين.
وفي ذات الوقت يجب الابتعاد عن الصدام غير المشروع بين الدين بسبب الأدعياء الذين يتخذون منه ستارا للسيطرة دون مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي يعبر عن العمق الحضاري لمصر، والدين والله هو محوره الرئيس عبر كافة العصور، وليس مطلوبا القبول بإرهاب التكفير والحلال والحرام لأنه يغلق باب السياسة ويفتح باب الدكتاتورية.
إن الدور التائه في مصر والذي يبحث عن بطله هو ترجمة شعار الثورة وعدم الانحراف عنها إلى قضايا فرعية، ودراسة القوى المكونة للمجتمع، وقدرتها على الحفاظ على زخم الثورة.
البطل ليس فردا ستنتجه لنا شاشات التلفزيون، والبرامج الحوارية أو المجتمع الافتراضي، ولكن البطل مؤسسة تنظيمية وجب الأخذ بها وسيلة لإعداد القوى الشعبية وتنظيمها وراء أهدافها، وتخرج من الواقع.
إن أهمية الانتقال من حالة السيولة إلى حالة التنظيم لا تقل عنها أهمية الحفاظ على جذوة التظاهر والاعتصام حتى لا يستقر لنظام الفساد المعدل والذي تجمل ليتوحش بدكتاتورية دينية، تحميها المؤسسة العسكرية.
بدون رؤية استراتيجية ليس هناك تنظيم.
وبدون تنظيم ليس هناك حركة منتجة.
وبدون التظاهر والاعتصام ستنطفئ الجذوة.
وبدون تحديد القوى صاحبة المصلحة الحقيقية سيكون التنظيم خواء جديدا يضاف إلى ما ينتشر في ربوع مصر من تشكيلات دون مضمون.
هذه هي المعادلة الصعبة التي تواجهها الثورة في مصر بعد أحد عشر شهرا، ولكنها حركة الحياة، والتغيير ليس ترفا ولكنه مسيرة صراع وهو من الأهمية والجدية بحيث يجب أن يتولاه القادرون علية، والسيولة الشعبية هي العدو الأول لحركة التغيير.
إن تجربة العمل مع الشباب تؤكد أنهم يملكون القدرة عقلا، وجهدا، ويرفضون صور الخداع أيا كان مصدرها، ولكن رسوخ فكرة التنظيم لم تكتمل عناصرها في اليقين الجمعي لهم، والثورة قضت على أي من الحركات الفردية، وأصبح لا سبيل إلا جماعية العمل وآلية لاتخاذ القرار، وبناء مؤسسي للحشد والحركة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
543
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3174
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026