رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحدث كثيرون عن دولة المواطنة عبر التاريخ، بدءاً من الإغريق ثم الرومان، ومروراً بالقبائل العربية في الجاهلية وبعد الإسلام، وصولاً إلى العصور الوسطى في أوروبا وما آلت الأمور إليه بعد الثورة الأمريكية والفرنسية حتى أيامنا هذه..
وقد تعددت الاجتهادات والتعريفات لمعنى المواطنة. كل أمة فسرتها وفق ثقافتها وظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى وصلت البشرية إلى ما عليها الآن من تفسيرات نتجت عنها مواثيق واتفاقيات تدعمها دول ومؤسسات. يأخذ بها البعض حرفياً، فيما يأخذ آخرون ما يناسبهم منها، وفريق ثالث يتجاهلها بصورة وأخرى.
الأصل في البشر أن الله خلقهم لعمارة هذه الأرض بصورة لا يظلمون أحداً ولا يُظلمون من أحد. بمعنى أن الكل يعيش سواسية، لا فرق بين الناس. لا يتمايزون، بل الأصل ألا يحدث ذلك التمايز بينهم على ما لا دخل لهم فيها، كاختيار الأبوين، أو العرق والجنس، ومكان الميلاد. لكن لا شيء في التمايز بينهم، إن كان في العمل الصالح، ولا شيء في التنافس بينهم لما فيه خير الجميع، وهكذا.
من هنا يتبين لنا أن الإنسان خلقه الله تعالى ليعيش حراً مع الآخرين في أي مجتمع بشري، بحيث تسود قيم العدالة والمساواة والكرامة بين الجميع، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. لكن حين بدأت الطبائع الشريرة للبعض بالتغلب على الخيرية فيها، خرجت من ذلك البعض، فئات تريد أن تسود وتملك وتقود وفق هواها وتفسيراتها للحياة، كي تستأثر بالخيرات دون غيرها، وهذا أدى بالتالي إلى حدوث ما يُعرف بالتدافع والصراع بين الأقلية والأغلبية، ليس لشيء سوى المحافظة على ما كان يسود بينهم من قيم العدالة والمساواة، والرغبة في عدم طغيان فئة على أخرى. وبسبب تلك التطلعات غير السوية، بدأت رحلة البحث عما يسمى بالمواطنة عبر التاريخ وإلى يوم الناس هذا. وقعت أثناء هذه الرحلة الطويلة المستمرة، ثورات وحروب وصراعات، سالت فيها دماء، وأزهقت خلالها أرواح وأرواح.
مفهوم المواطنة
جاء في الموسوعة السياسية أن مفهوم المواطنة فكرة اجتماعية وقانونية وسياسية، ساهمت في تطور المجتمع الإنساني بشكل كبير، والرقي بالدّولة عن طريق تعزيزها للديمقراطية والشفافية في بنائها وتطورها، من خلال إشراك المواطنين بالحكم وضمان حقوقهم وواجباتهم. أما لغة، فالمواطنة مصطلح مشتق من كلمة الوطن، وهو المكان الذي يُقيم فيه الإنسان، سواء وُلد فيه أم لم يولد. والفعل منه (وَطَنَ) بمعنى أقام أو اتخذ المكان الذي يعيش فيه وطناً.
من التعريفات الدقيقة الأخرى للمواطنة، ما كتبه الدكتور محمد عثمان الخشت في كتابه، فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة: ".. والمواطنة في شكلها الأكثر اكتمالاً في الفلسفة السياسية المعاصرة هي الانتماء إلى الوطن، انتماء يتمتع المواطن فيه بالعضوية كاملة العضوية على نحو يتساوى فيه مع الآخرين الذين يعيشون في الوطن نفسه مساواةً كاملة في الحقوق والواجبات وأمام القانون، دون تمييز بينهم على أساس اللون، أو العرق، أو الدين، أو الفكر، أو الموقف المالي، أو الانتماء السياسي، ويحترم كل مواطن المواطن الآخر، كما يتسامح الجميع تجاه بعضهم البعض رغم التنوع والاختلاف بينهم".
بشكل عام يمكن القول بأن المواطنة هي المساواة والعدالة. بمعنى أنه لا معنى للمواطنة دون أن يتساوى الجميع في الوطن في الحقوق والواجبات، دون أي تمييز على أساس العرق، أو اللّون، أو الجنس، أو القبيلة، أو المذهب الديني، أو حتى المعتقدات الفكريّة والسياسية.
المواطنة هي الولاء والانتماء. بمعنى أن الجميع يعمل للوطن، سواء كان المواطن يعيش بالداخل أو الخارج. وهذا العمل يكون عبر مجموعة من المسؤوليات والالتزامات التي تفرضها المواطنة، واعتبار المصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار.
ثم أخيراً المواطنة هي استشعار روح المسؤولية وروح المشاركة في جميع مجالات الحياة بالمجتمع، السياسية والاجتماعية والفكرية وغيرها، وإتاحة المجال واسعاً للتنافس بين الجميع دون أي عوائق للمشاركة في إدارة الشأن العام، السياسي منه والثقافي، وكذلك الاجتماعي، والاقتصادي، وغيره. إنها باختصار شديد، بذل وعطاء، قولاً وفعلاً، وليست عبارات وأهازيج في حب الوطن، دون مساهمة فعلية في البناء والتنمية، وليست أخذاً دون عطاء..
النموذج القدوة
لا يمكننا ونحن في سياق الحديث عن دولة المواطنة، أن نستمر دون التوقف والتأمل طويلاً في النموذج القدوة، دولة الإسلام الأولى التي أقامها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – في المدينة. فما إن وطأت قدماه الشريفتان أرض المدينة، حتى بدأ في تأسيس قواعد الدولة المنتظرة، التي سيكون لها شأن عظيم بعد حين من الدهر قصير. حيث بدأ - صلى الله عليه وسلم - بما يُعرف في التاريخ بقصة الوثيقة أو الصحيفة، التي اعتبرها المؤرخون أول دستور في الإسلام.
في ذلك الدستور، تم بيان الحقوق والواجبات وكذلك الالتزامات لكل سكان المدينة. وبمعنى آخر، وضع الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – قواعد ما نسميها اليوم بالمواطنة، وذلك من خلال تحديد هوية الانتماء للدولة لجميع رعيتها عبر الحقوق والواجبات والالتزامات، دون النظر إلى الانتماء الديني أو القبلي. فالمدينة كانت عبارة عن مجموعات أو مكونات اجتماعية عديدة، لكن بينها ما بينها من خلافات وأزمات، قامت بسببها حروب، وسالت دماء، وأُزهقت أرواح.
الآن بعد مجيء الرسول الكريم إليها، تنوعت المجموعات تارة أخرى. هناك مسلمون من مهاجري قريش، ومسلمو الأوس والخزرج، وقبائل أخرى مشركة، بالإضافة إلى قبائل يهودية عديدة. ولأول مرة يتجمع المسلمون تحت مسمى أمّة، حيث نصت الوثيقة في مقدمتها أن هذا (كتاب من محمد رسول الله، بين المؤمنين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس). والمقصودون في عبارة (من تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم)، هم الذين ما زالوا خارجين عن الإسلام لم يؤمنوا به بعد. وأما من لحق بهم، هم اليهود.. وبموجب تلك الوثيقة التي قبلها الجميع، صاروا مواطنين في الدولة، بغض النظر عن الدين والقبيلة والعرق. الآن الكل سواسية في الحقوق والواجبات والالتزامات.
المواطنة نقلة حضارية
لقد أحدث فيهم الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – نقلة نوعية غير مسبوقة بالجزيرة العربية. نقلهم من فكر الانتماء والولاء للقبيلة إلى فكر الانتماء والولاء للدولة. صار الجميع أمة واحدة، وكلمة الأمة هي التعبير القانوني والدستوري لمفهوم المواطنة - كما جاء في موقع قصة الإسلام - وأنها كانت خطوة حضارية متقدمة تجاوزت في بُعدها القانوني والاجتماعي الزمن والتاريخ بما فيه زماننا الحالي، الذي ما زالت فيه بعض الأمم ترى الانتماء القبلي والأسري والمذهبي والعرقي هو الهويَّة والمواطنة.
المواطنة إذن وفق المفهوم النبوي هي الإطار الواسع الذي يستوعب الجميع، ويحافظ على حقوق الأقلية والأكثرية، عبر قيمة المساواة بين المواطنين، بغض النّظر عن الانتماء الديني، أو المذهبي، أو القبلي، أو العرقي، أو الجنسي، طالما الجميع يعرف حدوده ويعي تماماً واجباته والتزاماته تجاه الدولة ومكوناتها، مثلما يعرف أيضاً حقوقه.
لقد كان من بين خسائر المسلمين في معركة أحد، مواطن من المدينة يهودي، ومواطن آخر مشرك، وقد خرجا مع الجيش المسلم دفاعاً عن دولتهم. لم يقل ذاك إنه يهودي ولا علاقة لي بدولة المسلمين، ولم يقل المشرك مثل ذلك، بل إن اليهودي وكان يُدعى مُخَيريق اليهودي، خرج رغم محاولة منعه من قبل البعض من قومه بالادعاء أنه يوم سبت، فقال لهم: لا سبت. وحمل سيفه وعُدَّته، وقال: "إن قُتلت فمالي لمحمد، يصنع به ما يشاء". ثم غدا إلى الحرب، فقاتل حتى قُتل. فقال رسول الله عنه: "مُخيريق خير يهود". هكذا فهم المواطنة، وهكذا كان الفهم عند الجميع. وبذلك الفهم، ساد المسلمون حيناً من الدهر.. لكن التراجع بدأ حين تغير الفهم، وعاد المسلمون إلى أفهامهم التي كانوا عليها قبل الإسلام.. فهل من مدّكر؟
بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين
ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في... اقرأ المزيد
312
| 01 أكتوبر 2026
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
267
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
402
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8670
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3429
| 22 أكتوبر 2026