رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أطرح هذا التساؤل في ضوء ملاحظة شديدة الوضوح وتتمثل في أن بعضا من أطراف عربية وجهت قوتها العسكرية بشرا وعتادا نحو شعوبها التي انتهجت التظاهر السلمي طريقا للمطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بينما لم تحرك هذه القوة أبداً باتجاه العدو الحقيقي والذي أعرفه أنا وتعرفه أنت وهو الكيان الصهيوني الذي ما زال مستوطنا الأرض وغاصبا للحقوق ومتعسفا في النظر إلينا مدعوما بالولايات المتحدة وبعض أطراف في الغرب وبوسعي أن أزعم أن العتاد الذي خسره العقيد معمر القذافي في قتل شعبه ومطاردة الثوار على نحو عشوائي في كل موقع في ليبيا كان بمقدوره أن يشكل رقما مهما في أي مواجهة قادمة مع العدو الحقيقي والتي أتوقع حدوثها رغم كل اتفاقيات السلام معه خاصة أنه ظل منذ قيامه بثورة الفاتح من سبتمبر 1969 والتي تفاءلت بها الشعوب العربية بحسبانها قيمة مضافة لحركة التحرر الوطني العربية ودعم لخيارات الشعوب يعقد صفقات التسليح بمئات المليارات من الدولارات وظلت مخزنة في مستودعاتها حتى حانت لحظة استخدامها في المواجهة مع الشعب الذي سانده وحلم معه بالحرية وبالسيادة ولكنه حول هذه الأحلام إلى كوابيس مزعجة جعلت ليبيا والليبيين في مؤخرة الشعوب العربية على صعيد التنمية والتقدم والحراك السياسي وجعل من الوطن مملكة خاصة له ولأفراد أسرته الذين وزعهم قادة لكتائبه الأمنية وبوسعي أن أزعم أيضاً أن الجهد الذي بذله الجيش السوري أفرادا ودبابات ومدرعات على نحو بدا أنه يخوض معارك حربية حقيقية كان يمكن أن يشكل قوة ضاربة في حرب تحرير أو حتى حرب عصابات يمكن أن يشنها ضد العدو الذي ما زال يحتل الجولان منذ أكثر من 43 عاما لم يطلق خلالها رصاصة واحدة باتجاه موقع لهذا العدو وحتى أكون منصفا فيما أطرحه فإن سوريا ظلت رقما مهما على مدى هذه السنوات في المواجهة مع العدو وإن كان على نحو غير مباشر عبر تقديم الدعم اللوجستي لأطراف وحركات مقاومة عربية وقادت بجدارة ما يسمى بمحور الممانعة العربية لكن ذلك لا ينبغي- تحت أي عنوان أو مبرر- أن يدفع قيادتها إلى توجيه القوات المسلحة لقتل ومطاردة المواطنين الذين أعلنوا أنهم يطالبون بحقوقهم في الحرية والعدالة والإصلاح عبر المنهج السلمي وقد حاولت عبثا أن أقنع نفسي بقصة العناصر المندسة والفئات الإرهابية والمسلحة وهي حجة مكررة تلجأ إليها النظم العربية الحاكمة وآخرها نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي سعت آلته الإعلامية الضخمة إلى تلطيخ سمعة الثوار وأنهم مجرد أداة لأطراف خارجية بينما كان النظام ذاته هو الأداة الأكبر لهذه الأطراف عبر ثلاثين عاما ظل فيها جاثما على أنفاس الشعب والوطن ويبدو أن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أراد أن يوظف النجاحات التي حققها كل من الرئيس بشار الأسد والعقيد معمر القذافي فزج بالمؤسسة العسكرية كعنصر في حسم المواجهة مع الجماهير الثائرة ضده دون إدراك لمخاطر ذلك وهو من قبل استخدم هذه المؤسسة بل وأنهكها في حرب عصابات مع الحوثيين رغم أنه كان بإمكانه اللجوء إلى خيار الحوار السياسي وهي الآلية التي يتعين الاستناد إليها في التعامل مع القوى الداخلية لا أن يتم حشد طاقة المؤسسة العسكرية في المواجهة الأمر الذي ينهك قدرتها على التعامل مع الأخطار الخارجية وهنا تكمن المعضلة خاصة بالنسبة للحالة السورية فهي واقعيا في حالة حرب مع العدو الحقيقي الكيان الصهيوني والذي يتربص لها أي فرصة للوقوع في براثنه ومن ثم كان من الأجدر ألا يتم إهدار قوتها وطاقتها ومعنوياتها في قتل نفر من أفراد الشعب بل السعي بقوة إلى توفير كل الظروف للاستعداد
ليوم آت - ليس بعيدا- لاستعادة الجولان لأن كل خيارات السلام التي لجأت
إليها القيادة السورية الحالية أو السابقة لم تفلح في تحقيق هذا الهدف الوطني وثمة بعد آخر في المسألة فإن أي جيش في مواجهة مع العدو هو في أشد الحاجة إلى الإسناد الشعبي فكيف يكون بمقدور الشعب السوري أن يقدم هذا الإسناد بعد أن قتل الجيش الكثير من أبنائه صحيح أن عددا من ضباط هذا الجيش قد قتلوا أيضا ولكن ذلك يستوجب تعقب القتلة وليس توجيه كل هذا الحجم من الأفراد والعتاد لمحاصرة المدن والبلدات السورية على نحو يشبه في بعض الأحيان الأساليب الصهيونية مع الفلسطينيين وهنا ألفت إلى التصريح الذي أدلى به ابن خالة الرئيس بشار - رامي مخلوف- قبل أيام والذي تعادل حالته حالة رجل الأعمال الشهير في مصر أحمد عز من حيث النفوذ المالي والاقتصادي والسياسي والذي ربط فيه بين أمن سوريا وأمن الكيان الصهيوني والذي اعتبره وزير الإعلام في الحكومة السورية عاكسا لرؤيته الشخصية والمرء يتساءل: متى يكون لهذه النوعية من النافذين والقابضين على معادلة الثروة والسلطة رأي خاص الأمر في تقديري لا يعدو كونه مغازلة للكيان وبضوء أخضر من أعلى المستويات حتى لا يسقط النظام وهي محاولة لم تفلح في إنقاذ نظام العقيد القذافي عندما لجأ إليها مع بداية انبثاق ثورة السابع من فبراير وما يبعث على الدهشة هو أن الرئيس بشار الأسد أصدر منذ الأيام الأولى لتفجر الأحداث تعليمات صارمة بمنع إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين وكرر هذه التعليمات قبل ثلاثة أيام ومع ذلك فإن الرصاص الحي يحصد كل يوم أفرادا من الشعب بل إن بعض الإحصاءات التي تنسب لمنظمات حقوقية سورية ترتفع بأعداد القتلى إلى أكثر من ألف شخص وهو ما يعني أن ثمة أطرافا داخل الدائرة الضيفة في الحكم لا تنفذ تعليمات الرئيس وهو ما ينطبق على الإصلاحات السياسية التي أعلنها قبل أكثر من شهر ما زالت تراوح مكانها رغم إلغاء حالة الطوارئ لقد قدمت المؤسسة العسكرية المصرية الأنموذج الأمثل في التعامل مع الحالة الثورية للشعب والتي لم يصل إليها الأبعد أن تفاقمت الأوضاع الداخلية فقرر الانحياز إليها لا إلى النظام الذي كان يدرك من خلال مقارباته مع معطياته الداخلية أنه بلغ مرحلة النهاية والترهل التي يتعين معها أن يغادر مقاليد الأمور فأعلن منذ اليوم الأول لنزوله إلى الشارع انحيازه لمطالب الشعب في التظاهر السلمي ثم حسم الأمر لصالح الوطن بعد خروج الملايين التي احتشدت في ميدان التحرير وغيرها من الميادين بمحافظات مصر رافضا الاستجابة لأوامر تلقاها من مبارك باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة بتفرقة المتظاهرين بالقوة وهو بذلك يرد الجميل للشعب وفق تعبير المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي وقف إلى جانب مؤسسته العسكرية في كل مراحلها سواء في ثورة يوليو 1952 أو خلال إعداد القوات المسلحة للحرب بعد هزيمة يونيو 1967 أو خلال حرب أكتوبر المجيدة إن هذا الدرس يتعين استيعابه بعمق من قبل كل من القيادة السورية والليبية واليمنية بحيث توقف على الفور استخدام المؤسسة العسكرية في المواجهة مع الشعب والأهم من ذلك أن توقف هذا التداخل غير المفهوم بين الوطن والزعيم بالبقاء يتعين أن يكون للوطن وليس للزعيم على جماجم الشعوب
السطر الأخير:
إن غادرت
وسديني بمقام العشق
فأنا طفلك الذي عاش مسكونا بقصائدك
مختبئا بضفائرك
مطاردا بين حدائق الياقوت والمرجان
في المسافة بين العينين
«ومن طلب العلا رقد الليالي.. !»
مثل كثيرين غيري، كنت أعتقد أن تقليل ساعات النوم قدر الإمكان علامة على الإنتاجية والطموح، وطريق مختصر للتميّز... اقرأ المزيد
75
| 06 فبراير 2026
تبسّم ...!
التبسم بلسم للهموم والأحزان، وله طاقة مذهلة في بثّ الفرح في القلوب والأفئدة، كان الرسول صلى الله عليه... اقرأ المزيد
39
| 06 فبراير 2026
دور الشرطة المجتمعية في المدارس
دور الشرطة المجتمعية هام في تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً إلى بعض الحالات الاجتماعية المتعددة،... اقرأ المزيد
45
| 06 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2028
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
822
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
690
| 04 فبراير 2026