رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية يوم 18 ديسمبر الماضي، تقديرًا لمكانة اللغة العربية كلغة حضارة وتاريخ وآداب وعلوم. ولقد صدر قرار الأمم المتحدة في الأول من ديسمبر عام 1973، حيث قررت الجمعية العمومية إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة.
ولقد أثرت اللغة العربية الحضارات التي نقل إليها المسلمون علومهم وآدابهم لقرون طويلة، سواء في آسيا أو أوروبا أو الأندلس أو إفريقيا. بل حدث تداخل لمفردات اللغة العربية مع اللغات العالمية بحكم الجوار أو الانتقال والسكن، وأيضًا دخول تلك الدول في الدين الإسلامي، وتعلمهم القرآن الكريم وعلوم الحديث، إضافة إلى الترجمة التي لعبت دورًا مزدوجًا بين الشعوب العربية والأمم الأخرى التي تفاعلت مع اللغة العربية. وكان من نتاج التلاقح الفكري، في العصور الإسلامية المتعاقبة، أن قام بعض العلماء الأعاجم بوضع أساسيات مهمة للغة العربية مثل النحو والصرف، علم الفلك، علم الطب، والموسيقى.
ولكن مع تطور الحياة، وانتشار التكنولوجيا، وما تحمله من أفكار ومشاهد "مغرية"، تلبي حاجة حب الاستطلاع لدى الجمهور، وسرعة إيقاع الحياة، والاختلاط، والتقليد للآخر، ومع وجود أشكال متنوعة من أدوات التواصل، التي حفلت بالاختصار، والإنجليزية المحرفة، ولغة الكتابة بحروف لاتينية، أو لغة الأرقام، وتقاعس النشء عن القراءة الجادة من متون الكتب، تخوف علماء اللغة العربية من حالة ضمور في هذه اللغة، ما يمكن أن يُدخلها دائرة الخطر، ضمن 600 لغة أخذت طريقها نحو الانقراض، بحكم "أن العالم يفقد واحدة من لغاته الـ (5000) كل 14 يومًا". (الشرق، 27.12.2015).
هذا التخوف له ما يُبرره! فنحن نلاحظ في المرحلة الجامعية أن قدرة استيعاب الطلبة والطالبات للغة العربية قد انخفضت لدرجة واضحة، مقارنة بطلبة الستينيات أو السبعينيات. ونظرًا لسرعة إيقاع الحياة، ووجود "المُلهيات" في متناول اليد، انخفض معدل القراءة أيضًا. والكل يدرك أن القراءة هي الوسيلة الأولى للمحافظة على اللغة.
ورغم تفاؤل البعض بأن اللغة العربية من أكثر لغات العالم التي يتعلمها الأمريكيون في الولايات المتحدة، إلا أننا يجب ألا نتخذ ذلك مبررًا يحول دون حماية اللغة العربية، وذلك عبر سياسات جادة لدعم وقوف اللغة العربية أمام اللغات الأخرى، بل وحمايتها من "تغول" اللهجات المحلية في البلاد العربية. كما أن هنالك من المؤشرات العالمية ما يدلل على تراجع اللغة العربية في "مجالات التعليم والإعلام والإدارة والاقتصاد، وعدم الاهتمام الجاد بتمكينها وتطويرها، مقابل اهتمام متزايد بتعلم لغات أجنبية تحتل مواقعها". (المصدر السابق) .
وإذا ما أضفنا حقيقة أن الطفل الخليجي يقضي أول 6 سنوات من عمره - وهي مرحلة مهمة في التكوين اللغوي والمعرفي لدى الطفل – مع المربية الأجنبية، التي تتحدث – في الأغلب– الإنجليزية أو الهندية، وإذا ما دخل هذا الطفل الروضة وقضى فيها 4 - 5 ساعات يوميًا لا يتعلم إلا ساعة أو نحوها من المواد العربية، ويتحدث مع زملائه بالإنجليزية، فكيف "نرغمهُ" على إجادة اللغة العربية، عندما يكون في الإعدادية أو الثانوية؟ المسؤولية على الأسرة كبيرة، وليس على هيئات التعليم فحسب، مع إقرارنا بأن المناهج التعليمية في منطقة الخليج تعرضت لكثير من الاهتزازات والتجارب التي لم تكن إيجابية! هذا الطفل أو الشاب لم يقرأ كتابًا خلال سنيّ دراسته غير الكتاب المقرر عليه، والذي تكون نسبته بين المناهج أقل من 20%؛ ويعيش في بيئة لا تقرأ، كيف يمكن أن نطلب منه بحثًا في المرحلة الجامعية؟ (من خلال تجربتي اليومية في التدريس الجامعي سألت 3 مجموعات – كل مجموعة 25 طالبة - إن كن يقرأن الجرائد اليومية، لم أجد إجابة واحدة بنعم! ؟ كما سألت مجموعة إن كانت تشاهد التلفزيون المحلي، لم أجد ولا إجابة بنعم؟ هذا مؤشر مهم، يبرر حالة الضعف في التعبير باللغة العربية. كما أن بعض الطالبات يُدخل كلمات عامية في النص المطلوب. وفي أدوات التواصل الاجتماعي، نشهد إدخال كلمات إنجليزية معربة مثل: جيكي الإيميل، رتوتني، طرشوا لي النص، يبيله دراسة عدلة، الدكتور سوى كويز، ياريت ياجله) وغيرها من الكلمات الأجنبية التي يتداولنها الطالبات! فكيف يمكن لطالبه لم تتعلم اللغة العربية أن تكتب ورقة بحثية بلغة سليمة؟ وكيف لا نتفاجأ إن لجأ بعض الطالبات والطلاب إلى المكاتب التي توفر البحوث الجاهرة، لقاء مبلغ مجز؟
وإذا ما جئنا لوسائل الإعلام المسموعة والمرئية، نجد أن أغلب وقت البث، ولربما 95% منه بلهجة محلية؟ وأن الإنتاج التلفزيوني العربي غالبًا ما يكون بلهجة مصرية أو سورية! والبرامج الحوارية، وتلك المباشرة تقدَّم في الإذاعة والتلفزيون بلهجات محلية! وقد يكون القرآن الكريم والحديث الديني وخطبة صلاة الجمعة من المواد الملتزمة باللغة العربية، ونسبة ذلك من بث 24 ساعة قليل جدًا.
نحن حقًا في مأزق! وأعتقد بأننا بحاجة إلى حملة أو مشروع إنقاذ للغة العربية على مستوى العالم العربي، وأن تتدخل مراكز البحوث ومجامعها من أجل وضع خطة عمل جادة، وأن تقدم للمسؤولين العرب في الجامعة العربية نتائج تلك الخطة، على أن يتضمن ذلك ضرورة تسهيل مناهج تدريس اللغة العربية، ومزاوجتها مع الوسائل الإلكترونية، وإلزام شركات الإنتاج الفني باعتماد اللغة العربية في إنتاجها، وتلك التي تقوم بدبلجة المسلسلات التركية والهندية وغيرها باستخدام اللغة العربية في الدبلجة وليس اللهجة المحلية.
وعلى المستوى المحلي، يجب أن تكون هنالك مساحات في مخطط الإذاعة والتلفزيون للغة العربية السهلة غير المُنفرة أو المقعَرة. ويدخل ضمن ذات الإطار دعوة المراكز الشبابية إلى وضع مشاريع لنشر وتحبيب اللغة العربية لدى الشباب! وعمل مسابقات أدبية تعتمد اللغة العربية، ضمن إطار تربوي / ترفيهي جاد.
وختامًا، نحن لا نبالغ في تصوراتنا، لأن هناك خطرًا مقبلًا يُهدد اللغة العربية، تمامًا كما يهدد هويتنا العربية. وإذا ما أضفنا لذلك، الاحتشاد السياسي والمذهبي من حولنا، والتفاخر بمعرفة اللغة الإنجليزية، فإن هويتنا تتعرض للتشوه، وهذا أمر يهدد الكيان العربي بأسره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026