رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كتابه الموسوم ( مبادئ الكتابة الإبداعية للقصة القصيرة والرواية) يوضّح الصديق الروائي الكويتي ( طالب الرفاعي) أن تدريس مادة ( الكتابة الإبداعية) في الجامعات والمعاهد الأمريكية والأوروبية، انتشر منذ منتصف القرن الماضي وكان بمنزلة تدريس أي مادة علمية، إذ لم يعُد مقبولاً القول المطلق: « الكتابة تعتمد على الموهبة «!؟ ويختتم مقدمة الكتاب بالقول: «لذا نقدّم هذا الكتاب ليكون عوناً لمن أراد أن يسير على درب كتابة القصة القصيرة والرواية، متسلّحاً بمعرفة أدبية علمية لا بُد منها».
وفي حقيقة الأمر، أن الكتابة الإبداعية هي خلقٌ من عدم، لذا يتوجب على الكاتب أن يأتي بجديد في المادة التي يُقدّمها إلى الجمهور، في الوقت الذي يلتزم فيه بالمعرفة الأدبية، أي صنعة الرواية، حتى لا يكون كلامه مُعلّقاً في الهواء كالسراب، بل أن يكون لكلامه قيمة ورؤية ينطلق منها إلى مساحات قد تشغل بالَ القارئ، أو تُضمّد له بعضاً من جروحه، وتلامس أحاسيسه.
ولأنَّ هذا الكتاب فعلاً يُؤسسُ لكاتب مُبدع، بودّي لو اطلع عليه من يريدون تسجيل أسمائهم في قوائم القصة القصيرة والرواية، كون هذا الكتاب، يضع الأسس السليمة للكتابة الإبداعية. ويُعرّف الأستاذ طالب الرفاعي الكتابة الإبداعية كالتالي:
« الكتابة الإبداعية تعبيرٌ كتابي شخصي، يعتمد على الابتكار وليس التقليد، والكاتب إذ يحاولُ محاكاة الواقع، فإنه يستخدم فكرهُ ولغتهُ وخيالهُ، لخلق قطعة حياة فنية تضجُّ بحيوية العيش، وتكون عامرة بشخوصها وأحداثها وأمكنتها، وخصوصية بيئتها». (37)
وفي رأيي، أن هذا التعريف يُلخّص لنا فلسفة الكتابة الإبداعية. فنحن هنا لا نتحدث عن الكتابة التقليدية ( التقريرية)، أو النقل المباشر من التراث الشفاهي، أو تخيّل واقع غير مُعاش، ونقله إلى الصفحات، تماماً – كما اشترط المؤلف – ألا تكون هذه الكتابة تقليدية - وهو شرط أساسي من شروط الكتابة الإبداعية. ولقد لخّص هذا التعريف الكتابة الإبداعية، بأنه استخدام ( الفكر، اللغة، الخيال)، وهنا الشرط الثاني من شروط الكتابة الإبداعية. ذلك أن وجود فكرٍ معين، يقوم على الإبداع، عبر لغةٍ سليمة نقية من الأخطاء النحوية والإملائية والموضوعية، إضافة إلى خيال واسع، يُبهر القارئ ويُحلّق به إلى سماوات بعيدة، حتى وإن تعلّق الأمر بواقع مُعاش؛ ذلك أن سعة خيال الكاتب، تؤدّي إلى إدهاش القارئ ورسم صورٍ جديدة لم يألفها.
أما الكتابة التي تعتمد على الحوادث والعلاقات الاجتماعية، بين شخوص القصة أو الرواية، فإنها بعيدة عن أساسيات الخلق والإبداع.
ويضع المؤلف حجرَ الأساس في هيكل القصة أو الرواية. حيث يدعو إلى التخطيط المُسبّق للعمل، قبل البدء فيه، ويتمثل هذا الحجر في الآتي:
1- الإمساك بلمعة الفكرة العابرة، وتدوين كلمة أو عبارة منها.
2- تدوير الفكرة في الذهن، وتخيّل مشاهدها لفترة قصيرة أو طويلة.
3- تخيّل ملامح الشخصية الأساسية للعمل القصصي أو الروائي.
4- تصوّر بيئة العمل المكانية والزمانية.
5- اختيار أسلوب الكتابة: ضمير المتكلم، أو ضمير المُخاطّب، أو ضمير الغائب.
6- وضع خطة أولية بسيطة للبدء بالكتابة، انطلاقاً من نقطة البداية وصولاً إلى الخاتمة.
7- تخيّر البيئة الملائمة للكتابة.
8- يُفضّل وضعُ جدول زمني لإنجاز العمل المطلوب، دون أن يُشكّل ذلك ضغطاً لكتابة العمل، كيفما أُتُفق.
أعتقد، أن هذه خريطة طريق، أو أساس للكتابة الإبداعية، ولابد للكاتب أن يُسجّل ما حوله، إذ قد توحي له صورة طفل على رصيف، برواية أو قصة. أو أن يقرأ بيتَ شعر، ويكون مدخلاً إلى رواية أو قصة. وأنا أُطلق على ( لمعة الفكرة) كلمة (القادح)، الذي يستوقف الكاتب، ويُثير فيه فضول الكتابة. ولقد وضعتُ هذا الأساس فعلاً في رواية ( غصن أعوج)، حيث قرأتُ سطراً، على الإنترنت، يقول: إن القائد قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي فتح بلاد ما وراء النهر، أمر المسلمين أن يُساكنوا أهل البلاد، حتى لا يرتدوا عن الإسلام». وكانت هذه العبارة هي ( لمعة الفكرة) أو ( القادح) الذي أدّى إلى تخيُّل الرواية.
إن تقليب الفكرة في الذهن، ووزنها من حيث القيمة الإنسانية والإبداعية، أمر مهم!؟ ولا بد للكاتب أن يسأل نفسه: هل هذه فكرة تستحق كل هذا الجهد؟! وهل ستقبلها دارُ النشر؟! وهل يمكنها أن تُدهشَ القارئ؟!. كما أن تخيّل المشاهِد، يأتي سابقاً على الكتابة، وهنا تتداخل أحاسيس الكاتب، ورؤيته إلى الحياة، وفلسفته في الانحياز أو الحياد، من الفكرة والشخوص. ومن ضمن ذلك، أن يُحدد الكاتب طبيعة وسلوكيات وشكل وأفكار الشخصية الأساسية في العمل. وذلك قبل البدء في السرد. وأعني بذلك ( توصيف الشخصيات)، لأن ذلك يوفر عليه الوقت، ويُجنّبه الوقوع في أخطاء ( تناقض الشخصيات).
كثير من الكُتَّاب لا يُعيرون بيئة العمل وعلاقتها بالزمان، الذي تقع فيه أحداث القصة أو الرواية !. ولقد قرأنا العديد من الروايات التي تدور أحداثها في الفضاء المُطلق، لا توجد فيه دلالات المكان والزمان!! وإذا ما اتفقنا على أن العمل القصصي أو الروائي خلقٌ وإبداع، فإن الشخوص لا بد وأن تتحرك وتتطور في مكان وزمان مُحدّدين! وبالتالي، من المهم جداً أن يتعرف القارئ على خصوصية هذين العنصرين ( المكان والزمان)؛ إذ أنهما من عناصر الخصائص السردية لأي عمل.
كما أن أسلوب الكتابة أمر مهم أيضاً، حتى يسهل على القارئ استيعاب الأحداث، ولا يجوز الخلط في الأسلوب بين ضمير المتكلم وضمير الغائب ( الراوي المشارك والراوي العليم وضمير المُخاطب).
ويأتي المؤلف بنماذج لهذه الأساليب من الأعمال الروائية العالمية.
ولعلنا نضيفُ هنا خاصية سلامة اللغة وتشويقها ورصانتها، إضافة إلى حُسن استخدام أدوات الترقيم، التي للأسف، تغيب عن بال بعض الكُتَّاب. ( بالمناسبة قرأت رواية فازت بجائزة عربية عالية، وقد تعثّر فيها استخدام أدوات الترقيم، وتداخلت فيها الضمائر، لأن الكاتب لم يضع علامات التشكيل ذات الدلالة. فمثلاً يقول: « وعندما أثرت انتباهها إلى تعقد قضايا الاختفاء....». هنا يتطلب الأمر وضع (ضمة) على كلمة ( أثرتُ)، حتى لا تُقرأ ( أثَّرت)، وكذلك وضع التشديد على كلمة ( تعقُّد) حتى لا تُقرأ (تَعْقد).. وهكذا. ولنا وقفة مع هذا الكتاب. ولا بد لكاتب القصة أو الرواية من اللجوء إلى (هندسة العمل)، ماهي الخطة ؟ ماهي العلاقات بين الشخوص؟ أين الأمكنة؟ أين الأزمنة؟. كما أن إعطاء العمل الوقتَ الكافي، وعدم التسرع في إنجازه، من المسائل المهمة في الكتابة الإبداعية، لتحقيق عمل إبداعي. كما أن التسرع وسباق الزمن وإصرار البعض على كتابة رواية كل عام أو روايتين كل عام، يُضعف المضمون، ولا يترك للكاتب فرصة إثراء معلوماته، أو التخلّص من آثار العمل السابق.
أتمنى على الزملاء المبدعين قراءة هذا الكتاب القيّم، ولسوف يلاحظون كيف أنه سوف يساهم في تطوير قدراتهم ومداركهم.
التَنَمُّر المرفوض
تداولَ متعاملون مع أدوات التواصل، خلال الأسبوعين الماضيين، شريطَ فيديو مُصوّراً من هاتفٍ نقَّال، لطالبٍ يعتدي بالضرب على... اقرأ المزيد
3813
| 23 أكتوبر 2019
رُبَّ ضارةٍ نافعة
من المؤسف أن يحدث هذا الاختراق الواضح في قناة (بي إن سبورت)، ويقوم موظفون لهم مواقعُ مهمّة بالتآمر... اقرأ المزيد
5853
| 02 أكتوبر 2019
ترجمة الرواية.. فن وثقافة
انتهيت من قراءة رواية (الرجل الذي كان ينظرُ إلى الليل) للروائي المصري/ الفرنسي (جِلبر سِينُوِيه) الصادرة عن المجلس... اقرأ المزيد
3193
| 21 سبتمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12108
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8265
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3405
| 22 أكتوبر 2026