رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مر المسلمون في عهد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالكثير من الابتلاءات والاختبارات، لكن ما حدث في سقيفة بني ساعدة، يوم اجتماع الأنصار لبحث مسألة قيادة الدولة، فيما المهاجرون مشغولون بالأمر ذاته بالإضافة إلى تجهيز النبي الكريم للدفن، كان من أشد الاختبارات التي مر بها المسلمون.
الابتلاءات والاختبارات السابقة للمسلمين حدثت والنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - معهم والوحي ينزل من السماء يبين ما استشكل عليهم. لكن يوم سقيفة بني ساعدة - إن صح التعبير - يمر المسلمون باختبار جدي غير عادي هذه المرة. لماذا؟ لأنهم لأول مرة بدون الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبدون دعم السماء.
كان اجتماع السقيفة غير عادي، واختبار حقيقي لخريجي المدرسة المحمدية من المهاجرين والأنصار.. لأول مرة يجدون أنفسهم أمام أمر لابد من الاجتهاد فيه بأنفسهم دون الرجوع للنبي الأكرم – صلى الله عليه وسلم – ويعني ذلك أنهم عرضة للخطأ والصواب، فلا مرجعية سماوية فورية عبر الوحي كما كان قبل أيام مضت، بل هكذا الأمر لابد أن يسير من ساعته إلى يوم الدين.. اجتهاد وقياس وإجماع مبني على فهم صحيح للقرآن والسنّة. وهكذا سارت الأمور من يوم السقيفة إلى يوم الناس هذا.
اجتهد الأنصار بعد وفاة النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم – وتسارعوا لملء الفراغ الذي تركه في قيادة الدولة وقبل أن تنفلت الأمور، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين منهم، باعتبار موقفهم من الدعوة وحمايتهم ونصرتهم لها منذ البداية، بالإضافة إلى أن دولة الإسلام نشأت وظهرت في مدينتهم وهم أهلها، وبالتالي هم أحق بهذا الأمر من إخوانهم المهاجرين، الذين كانوا بمثابة لاجئين سياسيين، بحسب مصطلحات علم السياسة اليوم، وبالتالي ليس مستساغاً أن يتولى لاجئ سياسي زعامة وقيادة الدولة في وجود أهلها، أو هكذا كان التفكير الأولي لدى الأنصار الكرام.
وبينما بعض كبار المهاجرين منشغلون بالأمر نفسه، وتجهيز النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – لدفنه، وصل خبر اجتماع الأنصار لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما وأرضاهما – فقاما من فورهما متجهين إلى مؤتمر الأنصار السياسي. وفي الطريق وجدوا أمين الأمة، أبي عبيدة بن الجراح، فطلبوا منه مرافقتهما، فاتجه العظماء الثلاثة إلى المؤتمر الأنصاري.
فتنة بعدها ردة
دون كثير تفاصيل، يمكن إدراك أمر ذهاب عظماء الإسلام الثلاثة لمؤتمر الأنصار السياسي، كان هدفه التباحث مع الأنصار في مسألة القيادة أو الخلافة، وليس لفرض أو إجبار أمر ما على الآخرين، بدليل أن ثلاثة من المهاجرين فقط يذهب إلى حشد من الأنصار فيهم السادة والأشراف، وهم من هم في الإسلام. حتى إذا ما وصل الثلاثة إلى الاجتماع، ودارت نقاشات بشأن مسألة الخلافة، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.. هذه خطوة أنصارية إيجابية أولى.
الخطوة التالية الإيجابية للأنصار تتضح حين قام الصديق - رضي الله عنه – بالثناء على الأنصار ودورهم في بناء الدولة ونشر الإسلام والدفاع عنه، وأنهم كما كانوا أول البشر نصرة لدين الله، لا يجب أن يكونوا أول البشر في تفكيك وتصدع الدولة الوليدة. ثم تحدث بعدها إلى مرشح الأنصار للخلافة، سعد بن عبادة – رضي الله عنه - قائلاً له:» لقد علمت يا سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال وأنت قاعد: « قريش ولاة هذا الأمر، فبرُّ الناس تبع لبرّهم، وفاجرُهم تبع لفاجرهم. فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء «. هكذا في فقه واضح للأنصار، انتهى الأمر بصدر رحب، لا كما صوره بعض المؤرخين وافتراءاتهم على خير جيل ظهر في الإسلام. وانتهى الأمر في زمن قياسي، اتفق الحاضرون يومها على مبايعة الصديق – رضي الله عنه – خليفة للمسلمين.
لقد حمى الله بفطنة وسياسة وحكمة عظماء الإسلام الثلاثة، أبي وعمر وأبي عبيدة، وفهم عميق لفقه الواقع لدى الأنصار، من شر وفتنة عظيمة كان من الممكن أن تؤدي بالدولة إلى شر وخلاف عظيم. ونحمد الله أن اليهود كان قد انقطع شرهم عن المدينة بعد غزوة الأحزاب، وبالمثل اندثرت أوكار المنافقين بعد هلاك زعيمهم عبدالله بن أبي. ولك أن تتخيل يوم السقيفة، في وجود يهود بني قريظة والمنافقين.
ذكر أحد الصحابة ويدعى ربيعة أن قال للصديق رضي الله عنه: ما حملك أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بُداً، خشيت على أمة محمد الفرقة «. وفي رواية أخرى:» تخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة.»
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله
بعد أن بايع المسلمون أبا بكر الصديق – رضي الله عنه وأرضاه - خليفة لهم، معلنين بذلك نجاحهم في التصدي لأكبر فتنة كانت ستعصف بهم، والرسول الكريم لم يدفن بعد، قام فخطب في الناس الخطبة الرئاسية أو البيان الرئاسي الأول الذي يوضح فيه الخطوط العريضة لحكمه، بعد حمد الله والثناء عليه قائلاً:» أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم «.
اطمأن المسلمون،» مهاجريهم وأنصاريهم»، لسلامة اختيارهم وأن الصديق هو الشخص المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. كان هو الأصلح لقيادة الدولة في تلك الفترة. وتلك هي النقطة الجوهرية في مسألة القيادة، التي يجب أن تكون للأصلح أولاً، ثم بقية معايير أخرى. يكفي الصديق فخراً أن كان ثاني اثنين في الغار، والوزير الأول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومات وهو راض عنه. ويكفيه أنه لم يسع للأمر بل دفعه الفاروق بحكمته وسياسته دفعاً لتولي هذا الأمر، فكان نعم الخليفة، وكان الأنصار نعم القوم في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وبعد مماته. ويكفيهم فخراً إلى يوم الدين حين وصفهم النبي بقوله:» لولا الهجرةُ لكنت امْرَءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشِعبا لسلكت وَاديَ الأنصَارِ وشِعْبَها «. رضي الله عنهم وأرضاهم وحشرنا وإياهم في زمرة النبي الكريم مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.
بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين
ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في... اقرأ المزيد
315
| 01 أكتوبر 2026
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
267
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
408
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12207
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11052
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026