رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قلما ينجح أي زعيم في التأسيس لنهج في السياسة الخارجية يتسم بدرجة عالية من التيقن والثبات والتوازن في إقليم ملتهب ومتقلب كما هو الحال في إقليمنا العربي. والحق أن تسارع الأحداث وكثرتها خلق حالة من الضبابية والغموض الإستراتيجي صعّبت من عملية صناعة القرار في السياسة الخارجية لكثير من دول هذا الإقليم، ولعل قطر هي الدولة التي شكلت الاستثناء إذ تمكنت القيادة القطرية التي تميزت بما يسمى بفن القيادة (statecraft) وبالقدرة على مواءمة الأهداف مع الوسائل المتاحة من قيادة السفينة إلى بر الأمان، فالاشتباك الإيجابي للسياسة الخارجية القطرية وتوظيفها للأدوات التي تمتلكها بحنكة عز نظيرها مكّنها من تعظيم مكانة وهيبة الدولة بما يخدم القضايا العربية المركزية.
في كتابه المعنون "خطاب أمة.. قراءة في سياسة قطر الخارجية خلال مواقف سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر في الأمم المتحدة ومجلس الأمن"، والصادر للتو، رصد مؤلف الكتاب الأستاذ جابر الحرمي رئيس تحرير صحيفة الشرق القطرية ملامح السياسة الخارجية القطرية من خلال تسليط الضوء على خطابين لأمير قطر ألقاهما في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من العام الماضي وفي مجلس الأمن.
وفي الخطابين أكد أمير قطر على ثوابت السياسة القطرية وعلى مواقف قطر الثابتة إزاء مختلف القضايا الإقليمية وهي مواقف أقل ما يمكن القول عنها إنها تستند إلى فهم دور قطر وإمكاناتها ورؤيتها لما يجب أن يكون عليه الإقليم، وربما قطر في ذلك تكون قد تجاوزت السمة التقليدية في السياسة الخارجية للدول العربية والتي تتمحور حول ردات الفعل لما يجري، فقطر بقيادة الأمير تميم امتلكت زمام المبادرة دائما ولا تتردد في انتهاج خط سياسي واضح يعبر عن مصالح قطر ومصالح الإقليم بعيدا عن رغبات وتمنيات دول أخرى تعبث في الإقليم أو لنقل تحاول إطالة الصراعات لتعزيز مصالحها.
كتاب الأستاذ جابر الحرمي يرصد مواقف قطر في السنوات الأخيرة ويبرهن على أن هناك حالة من الثبات في خضم الضبابية السائدة وأن السبب الرئيسي في نجاح السياسة الخارجية هو وضوح رؤية القيادة القطرية في وقت افتقد فيه الكثيرون لمثل هذا الوضوح وفي وقت أصبح فيه غياب الوضوح مكلفا على الدولة وعلى الإقليم بشكل عام. وبهذا المعنى، يمكن القول إن السياسة الخارجية القطرية قائمة على رصد دقيق للتحولات الكبيرة في البيئة الإستراتيجية في المنطقة ولأفول ما أسماه ريتشادر هاس بـ "اللحظة الأمريكية في الشرق الأوسط" وما رافق ذلك من بروز لاعبين إقليميين يبحثون عن التأثير والنفوذ والدور، فنمط العلاقات الدولية في الشرق الأوسط لم يعد كما كان وهذا ما دفع القيادة القطرية على اجتراح نهج وطني وقومي يتناسب مع إمكاناتها بغية التأثير.
الراهن أن الوضع لم يعد مقتصرا على التحولات الإستراتيجية فقط، فهناك تحول في الوعي لدى الشعوب، وفي هذا السياق نشير إلى أنه قبل سبع سنوات تقريبا صدر كتاب للإستراتيجي الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأسبق زبغينيو برجنسكي تحدث فيه عن الصحوة السياسية العالمية، وفي كتابه نبوءة تحققت جزئيا تتعلق بحتمية تمكين الشعوب وبخاصة في ظل ثورة الاتصالات المتسارعة، وفي الكتاب وجه برجنسكي نصيحة للإدارة الأمريكية للانحياز لخيارات الشعوب لأن الشعوب ستبحث عن الكرامة الإنسانية والتي أصبحت متأصلة في المطالب الشعبية في الأقاليم المختلفة. وبعد نشر الكتاب بسنوات قليلة هبت الشعوب العربية بحثا عن الحرية والعدالة والكرامة.
ويؤكد جابر الحرمي في كتابه أن قطر انحازت منذ البداية لهذه الصحوة السياسية التي أخذت شكل الربيع العربي، ففي كل دول الربيع العربي وقفت القيادة القطرية بكل وضوح ومن دون مواربة مع خيارات الشعوب، فالقيادة القطرية تكون بذلك الوحيدة التي خلقت حالة من التماهي بين مصالحها ومصالح الشعوب، واستمرت قطر بهذه السياسة الجريئة والواضحة رغم انطلاق قوى الثورة المضادة لإحداث انتكاسة ستكون لها نتائج لا يحمد عقباها في قادم الأيام.
صحيح أن قطر ليست دولة مترامية الأطراف، وهي بهذا المعنى دولة صغيرة، لكنها كسرت الصورة النمطية عن الدول الصغيرة التي عادة ما تتبع دولة أكبر، فالقيادة القطرية انتهجت خطا تم صوغه بانسجام مع رؤية القيادة وبمعزل عن اللاعبين الإقليميين والدوليين الرئيسيين واشتبكت مع الجميع على قاعدة واضحة مثلت علامة فارقة في السياسة الخارجية. وأصبح هذا الخط بمثابة حجر الأساس في سياسة قطر الخارجية الأمر الذي أكد عليه الكتاب.
طبعا لا يمكن الإحاطة بكل الجوانب المهمة التي عالجها الكتاب، فالأستاذ جابر الحرمي قدم بأسلوب سلس ومشوق كل القضايا التي عالجتها السياسة الخارجية القطرية والحلول المطروحة، فالخارجية القطرية خرجت من إطار البكائية الذي ميّز الدبلوماسية العربية لعقود وانتقلت من خلال اشتباكها مع العالم إلى مرحلة اقتراح الحلول المتوازنة، وأحسن جابر الحرمي صنعا عندما ضم إلى كتابه شهادات من كبار الساسة والقادة مثل رئيس وزراء تركيا أحمد داود أوغلو ونائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي وكذلك رئيس الوزراء الفلسطيني السابق إسماعيل هنية ورئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب، وبالفعل ثمّن هؤلاء المساهمة الإيجابية لقطر في الإقليم.
الفكرة الرئيسية التي يمكن استنتاجها من كتاب الأستاذ جابر الحرمي هي أنه ورغم هيمنة حالة من عدم التيقن والخوف من المجهول، مضت القيادة القطرية في سياسة خارجية عكست رؤية عميقة، ولعل القيادة القطرية وقدرتها على توظيف أدواتها بشكل فعّال هي من صنع الفرق.
وفي الختام نشير إلى عنوان الكتاب "خطاب أمة" إذ يعكس دلالات واضحة تشير إلى أن قطر تبنت مطالب تعكس تطلعات الأمة العربية وليس فقط الشعب القطري.
تغيير مقاربة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); حتى لا يكون الأردن كالمستجير من الرمضاء بالنار، عليه أن ينوع من خياراته... اقرأ المزيد
576
| 18 أغسطس 2017
إنه منهج استعلائي أيها الغبي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بعد أن نجحت حكومة إسرائيل في تأمين خروج المجرم الدبلوماسي الذي قتل أردنيين... اقرأ المزيد
841
| 28 يوليو 2017
وهم الصفقة الكبرى
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); عبثًا، يحاول بعض المراقبين خلق الانطباع بأن الرئيس ترامب قادر على إقناع طرفي... اقرأ المزيد
584
| 26 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10095
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3474
| 22 أكتوبر 2026