رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من المأمول أن تحتفل تونس بالذكرى الثالثة للثورة يوم 14 يناير الجاري، مع إقرار الدستور الجديد للجمهورية الثانية، الذي يليق بالثورة التونسية مفجرة "الربيع العربي"، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بسبب التأخر في بت ثلث الفصول المئة والستة أربعين في مشروع الدستور، بعد 12 يوماً من النقاشات، ورفض بعض البنود الأساسية خلال الأيام الأخيرة في أجواء صاخبة في المجلس التأسيسي، نتاج الخلافات السياسية، وهيمنة الاستقطاب في الساحة السياسية على النقاشات.
غير أن هذا لا يمنع من الإقرار بالتقدم الذي حصل على صعيد التصويت على بنود مشروع الدستور الذي بات يحظى بالتوافق الوطني، بما يعزز المقومات الأساسية لدولة سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات العامة، ويعكس رؤية السلطة والمعارضة لدعم بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الحديثة. فقد أسهمت لجنة التوافقات بالمجلس الوطني التأسيسي في بلورة توافق سياسي واسع في الوقت الذي لاتزال فيه حركة النهضة تسيطر على الحكومة وتمتلك الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، وفي ظل المناخ السياسي العربي الذي يشهد مدّاً إرهابياً وتكفيرياً منقطع النظير، لاسيَّما في بلدان المشرق العربي، للمرحلة القادمة بعيداً عن المصالح الضيقة للأحزاب السياسية، لتحسم، بطريقة أو بأخرى، معارك أيديولوجية عسيرة حول مفاهيم مثل "مدنية الدولة" و"الهوية العربية الإسلامية" و"حرية الضمير" و"حقوق المرأة".
وبالفعل، بدأ المجلس التأسيسي الأسبوع الماضي التصويت على الأجزاء النهائية من الدستور الجديد، إذ إن المسودة لمشروع الدستور لم تنص صراحة على أن "الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع"، بل اكتفت بالفصل الأوّل من الدستور التونسيّ الذي وُضع عام 1959، وهو ما ورد في صياغة مشروع الدستور الجديد، حيث جاء في "الفصل الأول: تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"، كما جاء في الفصل الثاني: "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون". وصادق "التأسيسي" مؤخراً على "تجريم التكفير والتحريض على العنف"، وذلك بعد خلافات حادة بين نواب حركة "النهضة" الإسلامية (أكبر حزب بـ89 مقعداً من أصل 217) ونواب المعارضة،إذ أصبح الفصل السادس في صيغته المعدلة يقول "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يُحجَّرُ التكفير والتحريض على العنف". وصوت على الفصل في صيغته المعدلة 131 نائبا من أصل 182 شاركوا في عملية الاقتراع فيما صوت ضده 23 وتحفظ 28.
ويمثل ما ورد في هذا الفصل من الدستور التونسي من تعبير "حرية الضمير" حالة ثورية في مجمل العالم العربي والإسلامي الذي يعني ليس فقط حرية العبادة بل حرية اعتناق العقيدة التي يريدها الإنسان. وكان تعبير "حرية الضمير" تبناها الفاتيكان في وثائقه. وسبق للبابا السابق في وثيقة سينودس كنائس الشرق الأوسط أن انتقد "العوالم العربية والتركية والإيرانيّة" بأنها رغم تبنّيها لحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل الأديان غير أنها ترفض "حرية الضمير".
في المرجعية الدستورية والقانونية الغربية برز مصطلح: "حرية الضمير" وتطور كمفهوم ديني مع توماس الإكويني في الكنيسة الكاثوليكية، ثم تحوّل إلى أساس في الفكر الديني البروتستانتي منذ تمرد لوثر إلى دعوة كالفن حتى تكرّس كمفهوم سياسي مع الفيلسوف جان لوك من حيث عدم جواز سلطة الدولة على معتقدات الأفراد حتى تبنّيه في الفكر السياسي الأميركي الذي أسّس الدستور الأميركي. وهو في الحصيلة المعاصرة حق الفرد وحده في تقرير معتقده الديني راجع الفصل المتعلّق بتاريخ المصطلح في الصفحات 27-33 من كتاب المفكر السياسي الحقوقي الأمريكي نواه فلدمان Divided By God الطبعة الأولى عام 2005 في نيويورك منشورات Farrar. Straus and Giroux.
ويعتبر إقرار تعبير "حرية الضمير" في الدستور التونسي الجديد، منعطفاً كبيراً في التاريخ الدستوري العربي الذي نشهد بدايته في تونس، حيث يؤكد على ثقة المجتمع التونسي بنفسه، يعكسها مجتمع مسلم حين يقر "مدنية الدولة" و"حرية الضمير" بشكلٍ لا التباس فيه! مجتمع لا ترى نخبته المتنورة أي خطر على الإسلام الراسخ كقوة ثقافية عميقة في كل العالم. هذا فعلُ ثقة جديد بـ"النفس" بما هي الشخصية الاجتماعية للبلد تفتتحه النخبة الليبرالية العلمانية والإسلامية في تونس في مواجهة تيار أصولي مذعور حضاريا ويريد أن ينشر الذعر بين المسلمين عبر قتلهم قبل قتل غيرهم، حسب قول الصحافي اللبناني جهاد الزين.
كما صادق المجلس الوطني التأسيسي، يوم الاثنين الماضي، على الفصل 20 من الدستور الجديد الذي يقر المساواة بين التونسيات والتونسيين في الحقوق والواجبات. وصوت 159 نائباً من أصل 169 شاركوا في عملية الاقتراع على الفصل 20 من الدستور الذي يقول "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم".
ويعتبر أيضاً تضمين حقوق المرأة ومكتسباتها في نص الدستور الجديدة نقطة إيجابية. ففي النص الأول الذي اعتمدته «لجنة الحقوق والحريات»، التي أعدت الفصول المتعلقة بالحريات، تم اعتماد صيغة «التكامل بين المرأة والرجل»، لكن رفض المرأة التونسية الذي عبرت عنه بالاحتجاجات والتظاهرات لدور التكامل حال دون الإبقاء على هذه الصيغة. فقد طالبت الكتلة النسائية البرلمانية، وهي كتلة ضمت نساء من مختلف الأحزاب، أيضاً بدورها بإدراج مبدأ التناصف، أي أن يكون في كل القوائم الانتخابية ذات العدد من المرشحين الذكور ومن المرشحات الإناث، فأصبح الفصل ينص على النحو التالي:45: " تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة، وتتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة". وتعتبر تونس البلد العربي الوحيد منذ العام 1956 الرائد في منح أفضل الحقوق للمرأة، باستثناء ما يتعلق بالميراث نظراً إلى أن الإسلام هو دين الدولة. لكن الإقرار بالمساواة الكاملة على صعيد المواطنة ستكون تداعيات في المستقبل، لجهة رفــع العقـــبة الأخيرة، أي انعدام المساواة في ما يتعلق بالإرث.
ورغم بروز الانقسامات السياسية بين نواب حركة النهضة، ونواب المعارضة، واصل المجلس الوطني التأسيسي في تونس التصديق على مشروع الدستور الجديد، وتحديداً التصويت على مواد الباب الرابع الخاص بالسلطة التنفيذية، وبحسب مواد هذا الباب فإنّ السلطة التنفيذية ستكون موزعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وستكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان ويمكن أن تكون موضع مذكرة حجب ثقة. وفي تفاصيل جلسات التصويت التي جرت، فقد تمّ إسقاط الفصل 73 من الدستور الذي يحدد شروط الترشح لرئاسة الجمهورية بعد نقاشات حامية. وتنص هذه المادة على أنّ الترشح لرئاسة الجمهورية في تونس هو حق لكل ناخبة أو ناخب من أب وأم تونسيين، وأن يكون مسلماً. وتنص أيضاً على ضرورة ألا يحمل المرشح لهذا المنصب في تاريخ تقديم ترشحه جنسية أخرى وألا يقل عمره عن 40 سنة على الأقل ولا يزيد على 75 سنة على الأكثر وأن يحصل على تواقيع عدد من النواب أو رؤساء الجماعات المحلية أو ناخبين مسجلين بناء على القانون الانتخابي. ولم يعرف متى ستتم إعادة النظر في هذا الفصل.
واتفقت الكتل النيابية مبدئياً، على انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، بعدما كان ينتخب من البرلمان. كما أسندت إلى رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسة الخارجية والدفاعية للدولة والتعيينات في الوظائف الدبلوماسية العسكرية والمرتبطة بالأمن الوطني، إضافة إلى استشارته في تعيين وزيري الخارجية والدفاع. ويعتبر مراقبون أن النظام السياسي المحدد في الدستور الجديد، "مختلط" بين الرئاسي والبرلماني، إذ أعطى صلاحيات كبيرة للحكومة مقابل صلاحيات الدفاع والدبلوماسية وحل البرلمان لرئيس الجمهورية.
وشهدت المناقشات حول الباب المتعلق بالسلطة القضائية، انقساماً حاداً بين نواب حركة النهضة وحلفائها ونواب المعارضة، إذ أكد رئيس الكتلة الديمقراطية المعارضة محمد الحامدي أن "كتلة حركة النهضة صوتت لمصلحة فصل ينص على عدم استقلالية القضاء وجعله تحت سطوة السلطة التنفيذية"، بينما ساندت كتلة "النهضة" إضافة تعديل إلى الفصل 103 ينص على أنه "تتم التعيينات في الوظائف القضائية بأمر من رئيس الحكومة باقتراح من وزير العدل".
أثبتت الثورة التونسية أنها الحالة الأنجح في التحول من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة بناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، نظراً إلى يقظة الشعب التونسي، لاسيَّما منظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية المعارضة، والمنظمات النسائية، التي أبدت حرصاً كبيراً على أن يكون الدستور التونسي الجديد يعكس آمال الشعب التونسي في التطلع نحو بناء ديمقراطية جديدة، تسود فيها المساواة أمام القانون. إضافة إلى أن طبيعة الثورة السلمية التونسية ويقظة المجتمع المدني، فرضتا على حركة النهضة أن تكون متمايزة عن الإخوان المسلمين في مصر. وهذا ما قاد إلى تكريس سياسة التوافق الوطني بين سلطة النهضة والمعارضة، تجاه عملية الانتقال الديمقراطي بدلاً من سياسة الغلبة والتفرد بالسلطة. إن التوافق بين الخصوم في العمل السياسي هو جوهر العملية الديمقراطية. وأثبتت التجربة التونسية أيضاً أن التوافق والحوار الوطني المفضي إلى التنازلات السياسية بين السلطة والمعارضة تغليبا لمصلحة الوطن والشعب هو الطريق الأسلم والأنجع للتغلب على الأزمات الكبيرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة. قديمًا كانوا يقولون: "أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة. الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا". المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه. وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته. ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت. وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان. وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي. مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال: لماذا التسويف؟ ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته. وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة. وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت. وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.
3162
| 11 أبريل 2026
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر - الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة المدنية والمنشآت ولا علاقة لها بالقواعد العسكرية - يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات بما فيها قاعدة العديد القطرية - «الجزيرة» أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي ليطرح وجهة نظره - قطر الدولة الوحيدة التي استُهدِفَت بجميع التهديدات الجوية الإيرانية - إيران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان قبل استهداف منشآتها للطاقة -إيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخاً باليستياً و12 طائرة مسيّرة في اليوم الأول فقط! -الهجمات الإجرامية استهدفت مصادر تموّل بها قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الأرض ما عرضته قناة الجزيرة مساء الجمعة ليس مجرد فيلم وثائقي عابر، بل يمثل توثيقا مهما لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر والمنطقة بأسرها، تعرضت خلالها لاعتداءات عسكرية من قبل إيران بصورة أثبتت الشواهد أنه معد لها بصورة مسبقة. * برنامج «ما خفي أعظم» في حلقته «على خط النار» بات يمثل مرجعاً توثيقياً لوقائع استثنائية عرضها بكل شفافية ومهنية، وكشف عن مجموعة من الحقائق التي دحضت المزاعم الإيرانية التي كانت تسوّق أن الاستهداف كان موجها لما تدعيه كذباً «القواعد العسكرية الأمريكية «، بينما الواقع أثبت أن الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة العامة: المدنية والحيوية والمرافق والمنشآت والبنى التحتية للدولة والمجتمع. يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات، بما فيها تناول «قاعدة العديد» القطرية، وتسليط الضوء على كل الاماكن التي تعرضت للهجمات الإيرانية، ويحسب لقناة الجزيرة أيضا أنها لم تنظر فقط بعين قطرية للاعتداءات التي تعرضت لها قطر، حتى لا يقال إنها «جاملت قطر»، بل أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي بطرح وجهة نظره من خلال استضافة متحدث بوزارة الخارجية الإيرانية، وهو أمر قد لا يكون مألوفا كذلك أن تعطي مساحة من الرأي لمعتد بطرح وجهة نظره، التي قابلها سعادة الدكتور ماجد الأنصاري مستشار رئيس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية بسرد الحقائق، بعد أن دحض أكاذيب الجانب الايراني، وفند ادعاءاته الباطلة، وعراه أمام المشاهدين. * أن يكون الاستهداف الإيراني لدولة قطر منذ الوهلة الاولى - وتحديدا بعد 10 دقائق - لهجوم أمريكي اسرائيلي تعرضت له، فهذا يطرح تساؤلات عن نوايا إيران المبيتة تجاه قطر والخليج عموما، فكيف تحققت إيران من المعلومات، وكيف استطاعت تمييز أن هذه الهجمات انطلقت من قطر، على الرغم من كل التأكيدات التي صدرت من دولة قطر قبل أن تبدأ الحرب، بأنها تنأى بنفسها عن هذا الصراع، ولن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها، وليس هذا فقط، بل إن قطر كانت منخرطة في دعم إيجاد حل عبر الحوار للخلاف الإيراني الأمريكي، وحتى اللحظات الأخيرة كانت قطر تدفع نحو منع نشوب حرب بالمنطقة، فإذا بإيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخا باليستيا و12 طائرة مسيّرة في اليوم الاول فقط (بداية عملية الاستهداف) من مجموع 537 هجمة جوية تعرضت لها قطر طوال أيام الحرب، وكانت قطر الدولة الوحيدة التي استهدفت بجميع التهديدات الجوية من صواريخ باليستية إلى طائرات مسيرة إلى صواريخ مجنحة وانتهاء بطائرات مقاتلة سوخوي 24. * ومن تابع حلقة البرنامج شاهد بوضوح أن الهجمات العسكرية الإيرانية تركزت على المناطق العامة في قطر: مرافق مدنية وحيوية، مطار حمد الدولي، منشآت طاقة ومياه، بنى تحتية، فنادق، مناطق سكنية، من ذلك على سبيل المثال منطقة لوسيل السكنية، الحي الأرجنتيني (نسبة لمشجعي منتخب الأرجنتين خلال كأس العالم 2022 بالدوحة الذين سكنوا فيه)، المنطقة الصناعية، شوارع رئيسية، ومناطق حيوية أخرى.. فما علاقة كل هذه المرافق والمنشآت بالمزاعم الإيرانية الجوفاء بأنها تستهدف قواعد عسكرية أمريكية..؟!! فهل هذه أهداف أمريكية أم منشآت قطرية ومن الذي تضرر بالفعل قطر الدولة والشعب أم أمريكا؟! بل إن ايران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان في قطر قبل أن يتم استهداف منشآتها للطاقة من قبل إسرائيل، التي قامت قطر بإدانة استهدافها، وإذا بنا في المساء تقوم إيران بمكافأة قطر باستهداف منشآتها للغاز في حقل الشمال !! * هذه الهجمات الإجرامية نتج عنها إصابات بشظايا وسقوط حطام في مناطق سكنية لمواطنين ومقيمين مدنيين بينهم طفلة قطرية، لكن بفضل من الله ثم الأجهزة الأمنية التي سيطرت على الموقف وحافظت على الأمن والاستقرار، وظلت حياة الناس اليومية تسير دون تغيير أو إرباك، وهو أمر تحرص القيادة الحكيمة لهذا الوطن العزيز أن يظل الإنسان هو الأولوية ويتصدر الاهتمام في كل شيء مواطنا كان أو مقيما. * البرنامج أكد المؤكد وهو استهداف منشآت مدنية واستراتيجية تمس حياة الناس وتضرب الاقتصاد الوطني، الذي يعد أحد مصادر رزق الشعب القطري، وأحد المصادر التي تموّل بها دولة قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الارض خاصة المنكوبين من أبناء أمتنا، الذين لطالما كان لقطر أياد بيضاء بالوقوف معهم في نكباتهم وآلامهم، وسعت إلى تضميد جراحهم، ثم تأتي إيران لتقصف مصادر هذا الخير الذي يفيض ليس فقط على شعب قطر والمقيمين فيها، بل خير ذلك وصل لشعوب أمتنا في بقاع الارض. * لقد حمى الله هذا الوطن بفضل منه أولا، ثم لجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية التي حمت الأرواح والمرافق والمنشآت والمناطق السكنية بالدولة، وتصدت لأكثر من 90% من الهجمات العسكرية، فكان الفخر لنا جميعا بأن لدينا ليس فقط أجهزة ومعدات وتقنيات عسكرية عالية الكفاءة، بل قبل ذلك لدينا الرجال الذين يحمون الوطن، وبكفاءة عالية نفخر بهم أداء وإخلاصا وتفانيا وتضحية.. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي تؤكد عليه القيادة الرشيدة باستمرار، وسخرت من أجله كل الإمكانات، ولله الحمد أثبت قدراته وجدارته في المواقف وعند الأزمات، ليؤكدوا من جديد أن الوطن له رجال يحمونه ويفدونه بكل غال، وأنهم يسيرون على خطى رجالات الوطن على الدوام. * ثم إن يقظة الأجهزة الأمنية التي كشفت خلايا التجسس الإيرانية منذ 2024 دليل على أن هناك أعمالاً مبيتة من قبل إيران ، رغم أن قطر كانت تنظر لإيران على أنها جار ، وعملت على إنقاذه وإخراجه من أزماته السياسية مع المجتمع الدولي أكثر من مرة ، وتمكنت عبر حوارات مضنية من تحقيق اختراق في التوصل لصفقة تبادل لسجناء بين طهران وواشنطن والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة تقدر ب 6 مليارات دولار لدى أمريكا ، لكن بالرغم من ذلك وبدلا من أن تعزز علاقاتها وتثمن هذا الجميل الذي حققته لها قطر ، كان رد الجميل من قبل إيران هو زرع الخلايا التجسسية في قطر ! * كل الهجمات الإيرانية على دولة قطر أثبتت أن المتضرر هي الدولة وسيادتها وأمنها واقتصادها وتنميتها ودورها القيادي والريادي وسكانها مواطنين ومقيمين، وأن ما تدعيه إيران محض افتراء وكذب وعار تماما عن الصحة. سمعنا في إيران على مدار سنوات طوال شعارات ضد أمريكا، لكننا رأينا صواريخها تتساقط على قطر..!! لقد كانت الحرب منذ البداية حرب امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولم تكن قطر أو الخليج طرفا فيها، بل سعت قطر لمنعها عبر مساع ودعم الوساطات لحوار بين إيران وأمريكا، لكن إيران أقحمت قطر والخليج في هذه الحرب دون مبرر. إنها حربكم يا إيران مع أمريكا وإسرائيل، فلماذا يتم استهداف قطر ودول الخليج بهجمات عسكرية على مرافق مدنية ومنشآت حيوية ومناطق سكنية بذرائع واهية وادعاءات باطلة وافتراءات كاذبة أنها «مصالح أمريكية»؟!
3003
| 12 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز اسم «هرمز» كواحد من اساطير الأسماء التي عرفتها الممرات المائية في التاريخ. فمن هو «أهورامزدا» إله الحكمة في بلاد فارس، إلى صدى المعارك الفاصلة بين القادة، لم يكن هرمز مجرد اسم لمضيق أو جزيرة، بل كان عنواناً لحضارة ربطت الشرق بالغرب، وصاغت بعبق بخورها وتجارتها ملامح العالم القديم. يرى بعض المؤرخين مثل «خداداد رضاخاني» أن التسمية تعود لترجمة محلية هي «هُرموز» وتعني «مكان التمور» نظراً لكثرة أشجار النخيل في المنطقة. كما تربطه بعض المصادر بالقائد الساساني الذي واجهه خالد بن الوليد في معركة «ذات السلاسل» وقتله فيها. اليوم، لا يكاد يخلو تحليل سياسي أو اقتصادي من ذكر هذا المضيق، الذي تحول من «مكان للتمور» بحسب تسميته المحلية القديمة، إلى أخطر شريان حيوي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي. جغرافياً، يتخذ المضيق شكلاً منحنياً يشبه رقم ٧، ويمتد بطول يصل إلى ١٦٠ كيلومتراً، بينما يضيق في أضيق نقطة له ليصل عرضه إلى حوالي ٣٤ كيلومتراً فقط. تتقاسم السيادة عليه دولتان رئيسيتان؛ حيث تقع سواحله الشمالية تحت سيادة إيران، بينما تطل سلطنة عمان عليه من جهة الجنوب عبر شبه جزيرة مسندم. وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أرقامه المذهلة؛ إذ يتدفق عبره حوالي ٢١ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠% من استهلاك السوائل البترولية العالمي، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. إلا أن هذا الثقل الاقتصادي يواجه اليوم تحديات جيوسياسية معقدة في ظل «الهدنة الهشة» التي أعقبت التوترات العسكرية الأخيرة. فالمشكلة الكبرى تكمن في كون الهدنة الحالية تكتيكية وليست استراتيجية؛ حيث لا تزال إيران تفرض سيطرة عسكرية مشددة وتُلوح بإغلاق المضيق مجدداً. هذا الواقع فرض « تسييساً « للممر المائي، تمثل في محاولات فرض نظام ملاحي خاص وتفتيش السفن، مما يهدد استقرار السيادة البحرية ويخلق حالة تأهب دائم للقوى الدولية لتأمين حرية الملاحة. اقتصادياً، تسببت هذه الاضطرابات في صدمة عرض تاريخية، أدت لارتفاع تكاليف الشحن بنسبة ٢٥% وطول مدة الرحلات البحرية. ورغم استقرار أسعار النفط مؤقتاً، إلا أن الثقة الاستثمارية في المنطقة لا تزال مهتزة. وهنا برزت الحكمة السياسية والاقتصادية لدول الخليج العربي، التي تبنت استراتيجية «صفر مشاكل» والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، إدراكاً منها بأن الانجرار للحرب سيعني دمار خطط التنمية في المنطقة. ولأن الارتهان لممر مائي واحد يمثل مخاطرة وجودية، بدأت دول الخليج في صياغة مخرج استراتيجي يعتمد على «الاستقلال الدفاعي والبدائل اللوجستية». هذا المخرج لا يعتمد على الدول الكبرى فحسب، بل على تعزيز التحالفات البينية وكسر «حصرية المضيق» عبر التوسع في أنابيب النفط والسكك الحديدية التي تربط حقول الإنتاج بموانئ خارج الخليج، مثل الفجيرة والدقم وصحار، وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر. هذا التحول يُفرغ سلاح «إغلاق المضيق» من قيمته الاستراتيجية والضغط الابتزازي على المدى الطويل. إن إدارة هذه الأزمات تسلط الضوء على طبيعة «مجلس التعاون الخليجي»، الذي أثبت مرونة عالية كتكتل تنسيقي يحترم السيادة الوطنية للدول الأعضاء. ورغم تعثر مشاريع اندماجية كبرى مثل «العملة الموحدة» لأسباب سيادية واقتصادية وتقنية، إلا أن المجلس نجح في تحقيق «تكامل وظيفي» في ملفات الأمن والطاقة والربط الكهربائي، مما منحه القدرة على مواجهة التهديدات الوجودية ككتلة واحدة متماسكة. ختاماً، يظل «هرمز» أكثر من مجرد مضيق جغرافي؛ إنه الاختبار الحقيقي لصراع الإرادات بين القوى العالمية وتطلعات الاستقرار الإقليمي. وبينما تظل الروايات حول تسميته جسراً يربط الماضي بالحاضر، تبقى الحكمة الخليجية في إدارة هذه الأزمات هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذا الممر المائي من شريان للحياة والتجارة إلى ساحة للصراعات الصفرية. إن الحفاظ على تدفق الطاقة عبر هذه البوابة الضيقة ليس مصلحة اقتصادية فحسب، بل هو ضرورة وجودية للأمن والسلم الدوليين في عالم لا يحتمل المزيد من الهزات. حيث يتحتم التفكير الجدي من دول مجلس التعاون الخليجي في التقدم الى الأمام عبر التنفيذ الفعلي لاتحاد دول المجلس في اتحاد فدرالي على مستوى وزراء الدفاع والخارجية على الأقل.
1143
| 12 أبريل 2026