رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

402

د. سلوى حامد الملا

صخب في حضرة العزاء!

15 أبريل 2026 , 10:36م

• تتشابه المجتمعات في كثير من عاداتها وتقاليدها، وتختلف في تفاصيل ثقافتها التي تميزها عن غيرها؛ في أفراحها كما في أحزانها، في مناسباتها التي تحمل بين طياتها معاني متباينة من الفرح أو الفقد. ولكل مجتمع لغته الخاصة في التعبير، وأسلوبه في التفاعل مع تلك اللحظات.

• وفي الآونة الأخيرة، تزايدت الحوادث والوفيات، نسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون. فالموت حقيقة صامتة يقف عندها الجميع إجلالًا، وتخشع لها القلوب مهما اختلفت الظروف..وتتشابه فيه مشاعر الحزن والفقد والشوق..

• جرت العادة أن تمتد أيام العزاء ثلاثة أيام، وهي من باب العرف الاجتماعي، لا من باب التحديد الشرعي الملزم، إذ لم يرد في السنة ما يحدد التعزية بزمن معين، ولا يرتبط الأجر بعدد أيام. فالتعزية واجبة عند بلوغ الخبر، للقريب والصديق والجار، دون تقيد بزمان أو مكان..

• غير أن ما نشهده اليوم يدعو للتأمل؛ فقد تحولت أيام العزاء – التي يُفترض أن تكون مواساة صادقة ومشاركة وجدانية وروحية وحضوراً – إلى مجالس للقاءات والأحاديث الجانبية، وتبادل الأحاديث بصوت مرتفع، بل أحيانًا إلى صخبٍ يفقد المكان هيبته.

• فبدل أن تحمل عبارة “عظم الله أجركم” معناها الحقيقي.. - بعظم الفقد والحزن - أصبحت تمر مرورًا عابرًا في زحام السوالف واحتساء القهوة والشاي والكرك، وكأننا في مجلس اجتماعي.. أو في استقبال.. لا يختلف كثيرًا عن غيره.

• وتتنوع مظاهر العزاء بين من يحرص على تشغيل القرآن الكريم، أو تخصيص من يلقي كلمات وعظية تذكر بالآخرة، وبين من ينشغل بالحديث أو الفرجة. كما ظهرت عادات لم تكن مألوفة؛ من التوسع في الولائم والإسراف في الضيافة والعشاء، رغم أن السنة جرت بأن يُصنع الطعام لأهل المتوفى وضيوفهم من قدم إليهم من دول بعيدة، لانشغالهم بمصابهم.

• ومن المشاهد المؤلمة أيضًا، حضور بعض النساء بكامل الزينة والمكياج دون مراعاة لمشاعر أهل الفقيد، أو حضور آخرين بدوافع لا تمت للعزاء بصلة، كالبحث عن علاقات.. وعروس لابنها.. أو مجرد التسلية وكسر الروتين. بل وصل الأمر إلى توثيق هذه اللحظات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في غياب واضح لحرمة الموقف وقدسيته!

• وفي المجالس، تنكشف أحيانًا ضحالة بعض الحوارات، وافتقاد ثقافة الاستماع والإنصات، وحضور الفضول المزعج في الأسئلة، أو الانزلاق إلى الغيبة والنميمة، وكأن الموقف لم يعد يستدعي سكونًا ولا تأملًا.

• حتى ما يُقدَّم من صدقات جارية عن روح المتوفى، كالمصاحف وكتب الأذكار، أصبح يُقدَّم بصورة مكررة قد تفوق الحاجة.. لكثرة توفرها وكان الأولى توجيهها إلى أماكن أكثر احتياجًا، كالدول الفقيرة ومراكز التحفيظ.

• كما أن البعض لا يزال يلتزم بتنظيم أوقات العزاء أو الاكتفاء بالتعزية عبر الهاتف، إما مراعاة للظروف أو بدافع التيسير، بينما يختار آخرون ذلك بدافع التوفير، لا مراعاة للمشاعر..ولا لفقد عزيز!

• آخر جرة قلم:

تختلف طرق التعبير عن الحزن، لكن تبقى لغة الفقد واحدة، لا تحتاج إلى ضجيج ولا إلى مظاهر. فالموت لا يستأذن، ولا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين غني وفقير. لحظة الفقد تختصر كل التفاصيل، وتبقى فيها الدموع أصدق تعبير، والدعاء أبلغ مواساة.

فلنحفظ للعزاء هيبته، وللمشاعر صدقها، وللكلمات معناها…في زحمة العزاء وصخبه..ولحظة الفقد قد ينسى اهل الفقيد حزنهم..إلا انهم يعودون لارواحهم وحزنهم ووجعهم لفقد من فقدوه.. ويتذكروا الوجوه التي قدمت واجب العزاء بصدق وتلك التي حضرت تأدية واجب وحضور.. وتلك التي لم تحضر ولم تواسِ.. عظم الأجر بعظم الفقد..

مساحة إعلانية