رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في قطر...
أن يجد المواطن المريض نفسه مضطرا للسفر للمشافي الدولية تحت سطوة الألم وشح التخصص والعناية والطاقة الاستيعابية، ليبحث بنفسه عن ملاذ لمرضه العضال على نفقته وتكلفته الخاصة قلنا: "لا بأس"، ولكن أن يقوم بنفسه بعد رحلة العلاج بإحضار تقاريره الحرجة للمتابعة في مستشفاه الوطني الوحيد فلا يجد العناية والمتابعة المفروضة.... فإنها قمة الفوضى والانحدار نحو الهاوية.
في قطر...
تضخم عدد السكان تضخما حلزونيا في غضون سنوات قليلة في ظل عجز بنيوي واضح للمرافق العامة، لم يواكب تطور قطر وسمعتها الدولية حينما تعجز بنية المستشفى وطاقته الاستيعابية وتضعف أنظمة تقنيات المعلومات والمتابعات لعدد يسير من سكان شعب لوطن قيل إنه الأغنى في العالم وشعبه يمثلون فقط اقل من 300 ألف نسمة ولعدد أكبر من سكان ينمو بشكل مفاجئ لنتقاسم نحن والمقيمون جميعا حبة فول نخرها السوس.
في قطر...
تراجعت حقوق المواطنة، بل بتنا — في مفارقة عجيبة — نطلب المساواة على الأقل في الخدمات بيننا وبين غيرنا من الجدد إن لم يكن في مستشفى فعلى الأقل في تأمين شامل محترم، فلم تهيأ بُنى قطر التحتية لهذه المليونية لعددنا وعدد اخوة لنا رغم ان ذوي العيون الزرق منهم — دوننا ودون المقيمين — متنعمون بتأمين صحي يهيئ لهم العلاج في اي مشفى دولي وبأي ثمن!! وانا اشهد على ذلك لأني عاصرت مهنيا من كان تأمينه يصرف مباشرة لشركة في بلده للعلاج في "موطن الاستقدام" أو أي مشفى عندما رفضوا تأمينا للعلاج في مستشفى حمد، وفي الوقت نفسه يُدفِّعون المؤسسة قيمة علاجهم الطارئ ايضا في "المستشفى الأهلي" بالتعويض المباشر.. وهلم جرّا.
في قطر...
شهدنا سقطات تخطيط بنية النظام الصحي الذي تجرعنا مرارته، إذ وعدنا منذ عام 2000 بان مباني"الدوحة 2006" التي بنيت وقتها على قدم وساق وجهزت بسرعة البرق لمناسبة رياضية كالعادة ستكون من نصيب مدينة حمد الطبية، ولا يعلم مصيرها الى اليوم وقد مرّت ست سنوات اخرى لنكتشف انها "عجَافٌ" فهي غير مؤهلة للانتقال والاستخدام الطبي..كما يقال..
في قطر...
يقف مرضى الحالات الحرجة على حافة الموت في طوارئ مهترئة يعتقد من يراها انها تنتمي الى افقر بلدان الدول النامية هذا ونحن في "الوطن المحسود" الذي أُوقِف فيه بئرا نفط على الصحة والتعليم، وهي — في مفارقة — اول مصادر دعم وتمويل كل بلدان العالم المنكوبة من الأزمات والكوارث الطبيعية، البشرية والسياسية.
في قطر...
مريض الطوارئ منكوب.. فحين يصل بالاسعاف يجد اكتظاظا بشريا هائلا لم يسبق له مثيل فيبقى سريره في الممر او على القارعة أو يدار به من جناح الى جناح حتى يزمجر الطبيب لأهل المريض دون ان يرى حالته من بعث بك الى هنا؟ فيطرد سريره لجناح آخر ليكتشف بعد الفحص وبعد ان ركن في جناح الحالات السريعة غير الحرجة انه يعاني مرضا خطيرا على صحته يستدعي الإقامة الجبرية اما في وحدة الاقامة القصيرة او في العناية المركزة ولكن بعد ماذا؟
في قطر...
قيل ان هناك تعاقدات مع أنظمة دولية سواء في خطط الطوارئ او الصحة العامة او الرعاية الأولية، هذا وجُلّ ما رأيناه من مخططات التطوير مجرد ارباح تدرّ على شركات الأجهزة فقط من "التنبية الإلكتروني" "البليب" في غرف الاستراحة، والرسائل النصية او الاتصال للتذكير بالموعد ولكن لأي خدمات أو لأية مواعيد يا اهل قطر؟
لمواعيد لا نحصل عليها الا بعد ستة اشهر يموت فيها الميت ويحيا الحي،هذا وقد كتب طبيب المركز على طلب التحويل لحمد او على الأشعة وما ماثلها "عاجل جدا " فتجد الموظف يقول لك: ما عندنا مواعيد والله، هذا ابكر موعد الكمبيوتر مش راضي يعطينا." فتنقلب قضية الأحقية في موعد مهم الى "حبّ خشوم" و"واسطات" أو حتى "ابتزاز" أو "تذلل" لممرض او ممرضة او طبيب من غير جنسياتنا علّهُ يدخلنا لنتعالج في بيتنا.
وحتى في المركز الصحي نفحص كل مرة عند طبيب مختلف في بلد وعد بتطبيق أنظمة المعلومات الإلكترونية ومفهوم طبيب الأسرة فخاب ظننا.
في قطر...
كمبيوتر مؤسسة حمد يعد من موروثات العصر الحجري، اذ يفتقر النظام الى ادنى درجات الربط الطبي الإلكتروني والأرشفة التقنية لمعلومات المريض وملفه الواحد بين مختلف العيادات، حتى إذا ما ألم به خطب جلل وجد نفسه تحت الأجهزة وحوله عدد غفير من الأطباء ولكنهم لا يعلمون وللأسف تاريخ حالته او مؤثراتها خصوصا اذا كانت الحالة مشتتة بين مستشفى وآخر في الدولة — وعددها يعد على الأصابع — لا يفصلها عن بعضها البعض سوى أمتار جغرافياً ولمح البصر الكترونياً ولكن ينطبق عليها القول: "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى".
في قطر..
ذكرتني سياسة الإحلال والإبدال لأجنحة المستشفى بالرجل المعيل بفتيات في بيت صغير وهو "على قد حاله" ينتظر أن يُطرَق بابه ليزوج إحداهن حتى تخلو الغرف لأخواتها وهذا ما حصل عندما تكّرم علينا المستشفى بعد سنوات عجاف بوحدة الإقامة القصيرة والطوارئ في الدور السادس بعد ان انتقل قسم القلب الى بيت الزوجية الجديد. ولكن ما زالت الفتيات في شجار عنيف على الغرف وربما كان الحل سرير "بو طابقين"..
إنها إدارة الطوارئ حين يفترض ان تكون إدارة تخطيط واولويات؟
في قطر...
لا يفوتنا أن نشيد ونفخر بعدد كبير من الأطباء القطريين والمقيمين لمهنيتهم العالية واهتمامهم الكبير ولكن "لله درّهم" إذ يئنون تحت ضعف بنية المبنى الاستيعابية ليس للمرضى فقط بل للتطبيب ولمناوباتهم فيأكلون وحدهم احتدام غضب الأهالي وحنق المرضى ليحدث ما يحدث كما حصل في المشاجرة والضرب في الطوارئ الصيف الماضي وان كنا لا نقبله ولا نرتضيه من مريض على طبيب لا ذنب له، ولكن قبل ان يُسائِل وزير الصحة — كما ذكر للصحافة — الشخص الذي ضرب الطبيب: لمَ ضربه؟ دعونا نسأل الوزير نفسه لِمَ حدث ذلك؟ علّه يبحث عمّا وراء الحدث؟ عن "مَا ومَنْ" الذي قاد المرضى والأطباء الى حالة من العنف داخل أروقة الطوارئ؟ وعن دوره أولا في الوقاية من ذلك قبل علاجه.
في قطر...
لا يفوتنا بالطبع أن نسلم بالشكر على النعمة العظيمة بأن الخدمات الصحية مجانية للمواطن ورمزية للمقيم ومكفولة مهنيا وتأمين صحي للموظف المستقدم، وان دولة قطر لا تألو جهدا في إرسال المرضى في الحالات الصعبة والمستعصية الى أعرق المستشفيات الدولية طبيا وتحمل كافة تكاليف العلاج والإقامة بمرافق، ونسلم بنعمة الأجهزة الحديثة والدواء المجاني ولكن لا يعني كل ذلك أن توضع الأجهزة في سراديب لا يمكننا التطبب بها، فلا نصل لا اليها ولا الى طبيبها، ولا يعني ان نصل الى هذه الخدمات المهمة بمذلة أو واسطة أو بعد ان نموت امام الطوابير سواء العلاجية او "للجنة العلاج للخارج"، ولا يعني ذلك ان نكون — نحن القطريين — آخر الطابور لأن عددا لا بأس به من جنسيات القائمين على الصحة يحابي جنسيته وأهله.
ولا يعني ذلك ان تظل الخدمات الصحية الرئيسة بدائية خلف الركب، وخلف عدد السكان في قطر وخلف تطور قطر الضوئي وبَعْدَ اهتماماتها الثقافية والرياضية، وخلف الحقوق المدنية للمواطن خصوصا في ظل انعدام التأمين الصحي وعدم جدوى تطبيقه فيها دون تخطيط مسبق، نظرا لشح المراكز الطبية البديلة المؤهلة والمتكاملة تخصصيا وفنيا ومهنيا وأكرر فنيا لا تجاريا.
ولا يجوز قبل كل شيء ان يظل "المتأخّر حمدْ" خلف رؤية القائد الرائد المتقدم "حَمَدْ"... لَعَمْري إنها لمفارقة تكلف الأرواح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5235
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2631
| 08 سبتمبر 2026