رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك من اختار الحياة والعمران فيها لأن اختياره يوافق طموحه المتألق وطبيعة الخير فيه
وهناك من اختار الهدم والقتل والتجويع وتجارة الموت، لأنه يوافق جنوح الشر في نفسه الخبيثة وطبيعة الوحش فيها.
هناك من اختار العدل والكرامة والحرية لأنها دعائم الخير، والمحبة، والاستقرار، والأمان.
وهناك من اختار الظلم والغدر والخديعة، واحتلال الأرض واغتصاب الحقوق، لأنها أسباب للسيطرة والابتزاز وإشباع غرور القوة وجنون العظمة والبحث في التاريخ عن دور ولو كان دور القاتل المجرم، المهم أن يذكره التاريخ ولو في صفحات الخزي والعار.
هناك من اختار السلام ليحمي إنجازاته، وثروات بلاده، وسلامة أرضه، وشرفه.
وهناك من اختار الحرب والتدمير ليداري فشله وخيبته وليهرب بالفوضى من محاكمات مخلة بالأمانة والشرف.
هناك من يساند الحق ويطفئ حرائق الكراهية ويساعد في وجود مناخ آمن للبشر أفرادا ودولا.
وهناك أيضا من يشعل الحرائق ويثير الكراهية ويستفز البشر والشجر والحجر.
هناك من يحترم سيادة الدول ويحرص على حقوق الشعوب
وهناك من هو مهووس بسرقة أرض الأغيار والعدوان عليهم ويعمل ليلا ونهارا على إثارة الفتن وابتزاز الآخرين. وينتسب بهتانا وزورا إلى عقيدة دينية سماوية محترمة، بعث بها نبي محترم هو نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام فيأتي هذا ويسيء بأوهامه وخرافاته إلى تلك العقيدة فيرى في كل الأغيار في العالم شعوبا وزعماء عبيدا وخدما له، بل حميرا ودوابا خلقوا ليخدموه ويركبهم، وكلما نفق حمار أو دابة خلق الإله لهم غيره.
هناك من يحترم شعبه ويعيش واقعه، ويقود شعبه وأهله إلى الخير والتقدم والنماء والنهضة ويسعى دوما لنفسه ولشعبه وأمته والإنسانية كلها أن تعيش بعيدا عن الصراع وفي أمان ورخاء ورفاهية، وأن يسود بينها السلام والمحبة وأن تتأسس العلاقات على تبادل المصالح والخبرات والاحترام.
وهناك المهووس بالعظمة، والمخدوع بالقوة، والمسكون بالسيطرة على الدنيا كلها، والمخادع الغادر الذي يصنع الأكاذيب دوما ولا يفي بعهد ولا يوفي بوعد ولا يصدق في حديث ولا يؤتمن على بشر ويسعى دائما لإشعال الحروب وتهديد الجيران واصطناع الأزمات وادعاء كل الأباطيل فيمارس الإبادة والتجويع والتهجير القسري ويجعل من قتل المدنيين -نساء وأطفالا- وقودا لأطماعه فيورد قومه المهالك ويعرضهم لسخط الدنيا وغضب الوجود والكون كله.
هناك دولة تحظى بمكانة واحترام بين الجميع، عرف عنها النزاهة والحرص والحيادية، واختارت في رقي إنساني عظيم أن تضع كل إمكانياتها لحل الكثير من الأزمات الدولية، فبذلت وتبذل من مالها وجهدها لاستضافة وفود وإنجاح مبادرات في ظروف أزمات معقدة غابت فيها الوساطات النظيفة، وكان منها وفود من دولة الاحتلال تفاوضت من قبل حول هدنة بين أحرار من أهل فلسطين في سعي ممدوح ومحمود ومشكور لحقن الدماء ووقف الحروب وإطعام المجوعين في غزة، وإعادة الأسرى لعائلاتهم وإطلاق سراحهم، ورأت الدنيا كلها فرحة الناس في دولة الاحتلال بعودة بعض أسراهم ومع ذلك حاولت القيادة السياسية وبخاصة «العصابة المتطرفة» في دولة الاحتلال الانتقاص من دور قطر، والضغط عليها خلال المفاوضات حتى تفشل، لكن القطريين صبروا وتحملوا على أنفسهم حتى يبقى للمجتمع الدولي شيء من المروءة والمرونة، والحرص على استقرار المنطقة ونزع أسباب الحروب والتوترات حرصا على السلام العالمي وتجنبا لتوريط قوى كثيرة يمكن بدخولها حلبة الصراع أن تشتعل الدنيا كلها وينتقل الحريق لكل مناطق العالم.
وهناك أيضا من سيطر عليه عشق الذات وجنون العظمة وتورم الأطماع وهوس الزعامة ومرض السادية والنازية الجديدة، فشده الحنين وجذبته مسة من إجرام العصابات القديمة في تاريخ كيانه المحتل فأراد أن يحيي دور عصابات هاجاناه «الهاجانا والبلماح والإرجون وبيتار وليحي وشتيرن»، ولكن بطريقة جديدة أكثر عنفا وتدميرا، وبمبررات دينية هذه المرة، فقدم نفسه كمبعوث للعناية الإلهية لتأديب ومطاردة المارقين - في خياله الديني المريض- وتعديل خرائط كل دول الشرق الأوسط، ومن ثم فهو فوق كل القوانين والمواثيق الدولية، ومن حقه أن يعلن الحرب على من يشاء فيهاجم من يشاء في أي وقت يشاء وينتهك سيادة قطر على مرأى ومسمع من العالم كله، ويرسل طيرانه الحربي ليغتال الوفد المفاوض.
الهجوم على دولة قطر الشقيقة وانتهاك سيادتها، كان رسالة واضحة من هذا القاتل السادي ورئيس برلمانه بأن العواصم العربية لم تعد لها حصانة أمنية أو سياسية ولن تكون سماؤها أو مجالها الجوي بمنأى عن قاذفات المحتل.
فهل يعي ذلك المطبعون والمنتظرون دورهم في التطبيع، والمتعاونون ومن يربطون أنفسهم ومصالحهم بهذا الكيان، ومن يتمنى ويشتهي.... لكن الحياء يمنعه؟
لقد اختار الشعب القطري بوعيه العالي وبصيرته المدركة، وفوض قيادته.
وقد أثبتت الدوحة برجالها في أكثر من أزمة ومعضلة أنهم أهل للاختيار والثقة بقدرتهم ومصداقيتهم وكفاءتهم وحسهم السياسي العالي في تقدير المواقف، والتصرف أمام الأزمات الكبرى والمعقدة.
والحق أن هذه القيادة والريادة مارست دورها المتألق بتواضع الكبار وحرفية المقتدر الناجح واختارت أن تكون:
في موكب الحق.... لا في موكب الزور
وفي ركاب العلا.... لا مربط العير
وسؤال الأزمة والمرحلة هو:
أي موكب. وأي موقع.. ستختار العواصم العربية والإسلامية يا ترى...؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3576
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1062
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
735
| 27 أبريل 2026