رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعود بن مبارك النصر

• باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية 

مساحة إعلانية

مقالات

69

سعود بن مبارك النصر

الأمير الوالد صفحة من التاريخ لا تنطوي

15 يوليو 2026 , 02:57ص

برحيل المغفور له بإذن الله تعالى، فقيد الوطن، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، لا تودع دولة قطر قائداً فحسب، بل تودع مرحلة تاريخية شكّلت نقطة تحول في مسيرتها الحديثة، ورسخت مكانتها بين الأمم، وأعادت تعريف دور الدولة الصغيرة في عالم يموج بالتحديات والصراعات.

لقد كان سموه رجل رؤية بعيدة، وقائداً استثنائياً آمن بأن حجم الدول لا يُقاس بمساحتها الجغرافية أو عدد سكانها، وإنما بما تمتلكه من إرادة، ورؤية، وقدرة على صناعة التأثير. ومن هذا المنطلق انطلقت نهضة قطر الحديثة، لتصبح نموذجاً تنموياً وسياسياً واقتصادياً يحظى بالاحترام والتقدير على المستويات الإقليمية والدولية.

غير أن الإنجاز الأبرز الذي سيبقى محفوراً في تاريخ العلاقات الدولية، يتمثل في السياسة الخارجية القطرية التي أرساها الأمير الوالد، والتي قامت على الحكمة والاستقلالية والانفتاح، وجعلت من الدبلوماسية أداة رئيسية لتحقيق الأمن والاستقرار.

لقد آمن سموه بأن الحوار أكثر فاعلية من الصراع، وأن التفاوض أكثر استدامة من المواجهة، وأن بناء الجسور بين الخصوم يحقق ما لا تحققه القوة العسكرية وحدها. ومن هذا الفكر السياسي وُلدت المدرسة القطرية الحديثة في الوساطة وصناعة السلام، التي رسخت مفهوم أن تكون دولة عربية وإسلامية مركزاً دائماً للحوار وتسوية النزاعات. ولم تعد الوساطة مبادرات عابرة، بل أصبحت نهجاً استراتيجياً ثابتاً، وفلسفة راسخة في السياسة الخارجية القطرية، حتى غدت إحدى أبرز سمات هوية الدولة ودبلوماسيتها.

فأصبحت الدوحة عاصمة للحوار، ومقصداً للأطراف المتنازعة، ومنصةً للمفاوضات الإقليمية والدولية، واستضافت عشرات جولات الحوار التي تناولت نزاعات معقدة في المنطقة وخارجها، وأسهمت في تقريب وجهات النظر وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة، حتى غدت الوساطة القطرية نموذجاً يحظى باحترام الأمم المتحدة وكبرى العواصم العالمية.

لقد نجحت قطر في تحويل الدبلوماسية الوقائية إلى أداة عملية لمنع النزاعات واحتواء الأزمات قبل تفاقمها، معتمدة على الحياد الإيجابي، والانفتاح على الجميع، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، مهما تباينت مواقفها السياسية أو الفكرية.

ولم يكن هذا النهج مجرد سياسة خارجية، بل أصبح فلسفة دولة، ما زالت قطر تسير عليها حتى يومنا هذا، وأسهمت في ترسيخ سمعتها كوسيط موثوق وشريك في جهود إحلال السلام وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.

كما أدرك الأمير الوالد مبكراً أهمية القوة الناعمة باعتبارها إحدى أهم أدوات التأثير في القرن الحادي والعشرين.

ففي المجال الإعلامي، شهد العالم انطلاق شبكة الجزيرة، التي أحدثت تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي العربي والدولي، وأصبحت من أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية، وأسهمت في ترسيخ حضور قطر على الساحة الدولية.

وفي المجال الرياضي، لم يكن الاستثمار في الرياضة مجرد استضافة للبطولات، بل كان مشروعاً وطنياً واستراتيجياً يهدف إلى بناء جسور التواصل بين الشعوب، وتعزيز الحوار الثقافي، وإبراز صورة قطر الحديثة. ومن هذه الرؤية بدأت رحلة طويلة توجت باستضافة كأس العالم FIFA قطر 2022، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد بطولة رياضية، بل رسالة حضارية قدمت نموذجاً عربياً وإسلامياً مشرّفاً للعالم.

وامتدت القوة الناعمة القطرية إلى الثقافة والتعليم والعمل الإنساني والتنمية الدولية، حيث أصبحت قطر شريكاً رئيسياً في دعم برامج الأمم المتحدة، والإغاثة الإنسانية، والتنمية المستدامة، والتعليم في مناطق النزاعات والكوارث، وهو ما عزز مكانتها كدولة مسؤولة تؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ بالتنمية والكرامة الإنسانية.

وعلى المستوى العربي والإسلامي، حرص الأمير الوالد على أن تكون قطر داعمة لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأن تسهم في رأب الصدع العربي، وتعزيز العمل الإسلامي المشترك، مع المحافظة على سياسة مستقلة تقوم على الحوار واحترام سيادة الدول وعدم الانحياز إلى سياسة المحاور.

أما على المستوى الدولي، فقد نجحت قطر في بناء شبكة واسعة من الشراكات والعلاقات المتوازنة مع مختلف دول العالم، وأصبحت شريكاً موثوقاً في القضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية، وحاضرة في أهم المحافل الدولية بصوت مسموع ورؤية تحظى بالاحترام.

ولعل أعظم ما يميز القادة التاريخيين أن آثارهم تبقى بعد رحيلهم، وهذا ما نراه اليوم بوضوح. فما وصلت إليه دولة قطر من مكانة سياسية، وقوة اقتصادية، وحضور دولي، وثقة عالمية، لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وضع أسسها الأمير الوالد، واستمرت في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي واصل البناء على تلك القواعد الراسخة، محافظاً على نهج الدولة في التنمية، والوساطة، والسلام، وتعزيز مكانة قطر على الساحة الدولية.

إن التاريخ سينصف هذا القائد، وسيذكره باعتباره أحد أبرز القادة العرب في العصر الحديث، ليس لأنه بنى اقتصاداً قوياً فحسب، بل لأنه أعاد رسم صورة دولة عربية استطاعت أن تكون مؤثرة في صناعة القرار الدولي، وأن تقدم نموذجاً يقوم على الحوار، والانفتاح، واحترام القانون الدولي، والإيمان بأن السلام يصنعه العقل قبل القوة.

أما على الصعيد الشخصي، فقد كان لي شرف السلام على سموه في أكثر من مناسبة، وهي لحظات أعتز بها كثيراً. ورغم أنني لم أوفق في التقاط صورة تذكارية معه، فإن صورته الإنسانية وهيبته وابتسامته ستبقى راسخة في ذاكرتي، لا تغيب مع مرور الأيام.

وإذا كانت الصور تحفظها العدسات، فإن بعض المواقف تحفظها القلوب، وتبقى خالدة في الوجدان.

رحم الله فقيد الوطن، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمة واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها والأمتين العربية والإسلامية خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من خير وتنمية وإصلاح وسلام في ميزان حسناته.

وستبقى سيرته، بإذن الله، صفحةً من تاريخ الوطن لا تنطوي، وإرثاً وطنياً وسياسياً وإنسانياً سيظل ملهماً للأجيال، وشاهداً على أن القادة العظام لا يقاس أثرهم بسنوات حكمهم بل بإنجازاتهم العظيمة.

اقرأ المزيد

قصيدة رثاء قصيدة رثاء

ماذا يخطُ يراعي اليومَ من كمدٍ إنّ المُصابَ جليلٌ أثقلَ الكَمِدا كيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًاكيف السبيلُ لنظمٍ... اقرأ المزيد

15

| 15 يوليو 2026

وصايا لا تشيخ... وصايا لا تشيخ...

«الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن». — من كلمات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه... اقرأ المزيد

27

| 15 يوليو 2026

الغروب الذي أبقى الضوء.. رحل مؤسس نهج الوساطة وبقي أثر سموه رحمه الله الغروب الذي أبقى الضوء.. رحل مؤسس نهج الوساطة وبقي أثر سموه رحمه الله

في سيرة القادة، يسهل إحصاء ما شيدوه، ويصعب تقدير ما غيروه في موقع الدولة ومعناها. ومن هنا يبدو... اقرأ المزيد

27

| 15 يوليو 2026

مساحة إعلانية