رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثرثرة على النيل عنوان لواحدة من روايات نجيب محفوظ، ويكاد هذا العنوان أن يكون وصفا لحال الساسة والسياسة في مصر، فالكلام إلى حد الثرثرة هو ما يملأ الفضاء من حولنا.
وأولاد حارتنا هي أيضاً من أشهر قصص نجيب محفوظ وأكثرها إثارة للجدل، وهي محاولة لتجسيد العملية الإيمانية في شكل روائي، قد يقبل بهذا الشكل البعض أو لا يقبل به، ولكن أجمع الجميع أن من حق الكاتب أن يبدع في بحثه الفلسفي عن الإيمان وهو ما تنتهي به الرواية أيضا.
والحارة في مصر لها طبائعها الخاصة، والبيوت في الحارة تطبق على عابري السبيل من ضيق عرض الحارة، وأبواب البيوت في الحارة تكاد ألا تغلق وليس فيها أسرار، وتمتد العلاقات والسلوكيات بين شهامة أولاد البلد وبين سلوكيات الكيد بين النسوة، اللاتي يحلن أرض الحارة صباح أيام الجمعة إلى بركة مياه بالتنافس فيما بينهن على إلقاء مياه الاستحمام إلى عرض الطريق، في محاولة للإعلان عن "استحمام العافية" بين الأحباب داخل هذه البيوت، الأمر الذي لا يحول دون أن ينتهي التحاب هذا إلى اشتباك داخل البيت الواحد في نفس اليوم،
هكذا حال الإعلانات السياسية في مصر كما حالة مياه حمام العافية، تلقي إلى الحارة معلنة أن داخل البيت وفاق في أعلى درجات الانسجام والتحاب والمعاشرة.
وبين حمامات العافية والثرثرة يجري تشكيل المشهد في مصر، وإعادة ترتيب الأوضاع بين الأطراف التي تحددت إلى الآن وبشكل حصري في جماعة الإخوان والمجلس العسكري، بينما خفت حضور الشعب أو حتى النخب التي تملأ الفضاء بثرثرة صاخبة صارت أقرب إلى الكومبارس منهم إلى الشركاء في اللعبة، وانزوت الثورة وتصدر المشهد صراع السلطة، وكررت الألسن في وصف مجموعة القرارات الأخيرة للرئيس المنتخب، تعبير الانقلاب العسكري الناعم لإعادة توفيق الأوضاع، أو الانقلاب المدني ضد المجلس العسكري لإطلاق تمكين الرئيس المنتخب من السلطة.
ومما يزيد الأمر التباسا أن ما يطلق عليه الشرعية الدستورية لرئيس منتخب في حال الصراع على السلطة لا تمثل قوة مادية في الواقع إلا إذا استقطبت من داخل الجيش ذاته بعض الأطراف فيه، أو هي وصلت إلى توافق إرادي بتسوية ما بين الأطراف توصلت إليها لتحول دون صدام محتمل الحدوث.
هكذا معادلة القوة، ليس للنصوص فوق الورق قيمة دون أن يعبر عنها وجود مادي في الواقع. وهذا ما استدعى الاحتمال الثاني بأنه انقلاب عسكري صامت أعيد فيه توفيق الأوضاع بما يكفل للمؤسسة العسكرية البقاء كرقم فاعل في معادلة السلطة.
ولم يتوقف الأمر عند حد إقالة ــ وهذا هو التعبير الرسمي ــ طنطاوي وعنان رغم منحهما أعلى وسام في مصر، ولكن جرى تجاوز الأمر إلى إلغاء الإعلان الدستوري المكمل والذي كان يمنح حصانة كاملة لأعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، ويتضمن موقفا من التشريع ومراقبة الميزانية وإعلان الحرب.
تتابع المشهد منذ الهجوم على إحدى النقاط العسكرية في رفح واستشهاد 16 ضابطا وجنديا يبدو في نتائجه معاكسا لمعادلة القوة وأيضا الإعلام الصاخب الذي رافق الحدث.
فقد تم إقالة قائد الشرطة العسكرية، وقائد الحرس الجمهوري، ومدير الأمن المركزي، على خلفية عدم تأمين حضور الرئيس المنتخب لجنازة الشهداء.
وتم إقالة مدير المخابرات العامة على خلفية تصريحات له حول الحادث سواء من ناحية توافر المعلومات وعدم التعامل معها، أو من ناحية حسن النية المفرط بأنه لم يكن يتوقع أن يقتل المسلم أخاه المسلم ساعة الإفطار! ولعل هذا الرجل كانت تطارده لعنة أهل سيناء عندما تحدث عنهم وسبهم واتهمهم بالعمالة وأن إسرائيل تضربهم بالأحذية، أثناء تولية منصب محافظ شمال، ورغم هذا أتى به الرئيس السابق ليخلف عمر سليمان في قمة أهم جهاز سيادي في مصر.
ثم كانت الجولات التي أنهك فيها الرئيس المنتخب المشير ورئيس الأركان.
وأخيرا القرارات التي صدرت بالإقالة وتعيين مدير المخابرات الحربية وزيرا للدفاع.
وفي ذات الوقت كانت هناك القرارات الصادرة عن مجلس الشورى بتعيين رؤساء تحرير الإصدارات القومية، والتي واجهة موجة احتجاج واستقالات من لجنة القرار بالمجلس.
ثم موجة من المصادرة لإعلام اتهم بالتحريض على قتل الرئيس المنتخب، أو سبه والتعريض به، وأغلقت قناة فضائية تنتمي بالأساس إلى بقايا النظام السابق، وتم تقديم مذيع ورئيس تحرير صحيفة إلى النيابة بتلك التهم.
بناء ينهار في تتابع سريع وكأن هناك من قرر أن ينتحر بالسم، أو هي جملة تراكمات ما بدأته لجنة البشري والتي صنعها المجلس العسكري وحالة التخبط التشريعي التي ترتبت على استفتاء مارس 2011، وقد تحولت إلى انفجار مدمر للمجلس العسكري. وإن لم يتحول في مجمله إلى شظايا، ولكن جرى التفكيك والإحلال داخل مؤسسات محورية للدولة ومن داخل المجلس ذاته وزير للدفاع كان يتولي مسؤولية المخابرات الحربية، وهي تشارك كافة الأجهزة مسؤولية القصور في المعلومات عن الهجمات التي جرت في سيناء.
صمتت جماعة الإخوان على عمليات القتل والسحل والمحاكم العسكرية التي تعرض لها شباب المتظاهرين، واليوم ينهي المجلس العسكري مهمته بتسليم كل أوراق السلطة إلى الرئيس المنتخب وبالتبعية إلى جماعة الإخوان دون أن يكون هناك دستور أو حتى جمعية تأسيسية متوافق عليها، فصار الأمر سلطة مطلقة بلا قيد، وهي سلطة بالأساس تفتقد خطابا سياسيا يعبر مضمونه عن احتياج الشعب وفق رؤية واضحة ومعلنة.
يبدو التحول حالة اندماج بين طرفين أدارا الفترة الانتقالية معا، الإخوان والمجلس العسكري، وليس هناك أي شاهد على غير ذلك على الإطلاق.
والغريب أن من بقي من المجلس العسكري هم من تولوا الحوار السياسي لتسكين كل الأطراف وتفريغ الثورة من محتواها، وليتولى اللواء عبدالفتاح السيسي منصب وزير الدفاع وهو من تولى الحوار مع ائتلافات الثورة ونجح في تفكيكها وتحويل أغلبها إلى جماعات مصالح، ولكل ثمن.
وكشفت الوقائع حالة الاهتراء التي وصلت إليها باقي التجمعات السياسية، ويبدو أن التباسا شديدا أصاب رؤيتها لحقيقة ما يجري.
وكأن الأمر يعود إلى نقطة البداية، ولكن مع تعاظم في المخاطر، التي تتجاوز أعمال عنف داخلي إلى عمليات إرهابية تحت ستار ديني، لتتوافق أطراف تحمل سلاح تحت عباءة الدين تعلن سيناء إمارة محررة، مع طموحات وخطط إسرائيلية للتخلص من الكتلة البشرية الفلسطينية الضاغطة على إسرائيل بتنفيس الضغط في اتجاه سيناء، وفق مخطط تبادل الأراضي المقترح والذي نشرناه بالشرق في فبراير 2008 أي منذ أربعة أعوام.
ومن سخريات القدر أن يتواكب خطابان أحدهما للمرشد السابق لجماعة الإخوان، مهدي عاكف والآخر للدكتور محمد البرادعي، والفارق بينهما فارق جذري، فمهدي عاكف يقول إن الإخوان لم يأتوا ببرنامج وطني ولكنهم جاءوا ببرنامج إسلامي، ويتحدث عن ضرورة السيطرة على مفاصل الدولة، ويبدو أن لديه حالة عشق مع الملح، والتي تعني "طز" بالتركي، وكما تهكم على الوطن من قبل عاد يتهكم على كل المحتوى الشعبي والسياسي المصري بكلمة "طز". ولكن البرادعي يدعو إلى حوار وطني ولجنة تأسيسية جديدة لوضع الدستور، واحد يدعو إلى تفكيك الوطن لصالح جماعته، والآخر يدعو إلى لحمة وطنية تسبق الشبق الإخواني إلى إقرار دستور يجري إعداده في الظلام.
هل يمكن للرئيس المنتخب أن يسمع لغير جماعته؟
إلى من سيسمع، إلى البرادعي أم مهدي عاكف؟ خاصة وأنه حتى اللحظة لم يسمع لنداء الإفراج عن المحكومين بالقضاء العسكري.
قد تكون التغييرات في القيادات حان وقتها، ولكن ماذا عن إلغاء رئيس الجمهورية المنتخب للإعلان الدستوري المكمل؟ هل هذا من حقه؟ أم أنه تجاوز من رئيس على دستور؟ سؤال قد يكون هو مضمون القادم من مواجهة؟
ظل البعض يعتمد على توازن ناشئ من اختلاف بين الإخوان والمجلس العسكري، والآن جرى إعلان كامل بالتوافق بينهما، ويبقى سؤال جوهري، هل هذا التوافق لصالح مصر؟ وهل هذا التوافق لحساب أمنها القومي؟ وهل الترتيبات الأخيرة هي النهائية أم أن هناك جديدا قد يرد بشأن مؤسسات أخرى في الدولة، تهدف إلى إسقاط الدولة، لصالح رؤية جماعة الإخوان.
ما مدى نجاح نداءات الحشد والحشد المضاد في الأسبوع الأخير من أغسطس؟ وما مدى التزام كافة الأطراف بسلمية التظاهر خاصة وأن هناك بعض الوقائع التي جرت خلال الأيام الماضية تعلن عن عنف جديد ليس مصدره البلطجية ولكن المصدر الإخوان والألتراس، وهو أمر حتى اللحظة مازال إنذارا بالخطر المحتمل، ويجب الانتباه ألا يتحول إلى خطر حال لأنه سيفتح أبوابا لا نملك ترف الدخول عبرها إلى حرب أهلية في لحظات يتراكم فيها الخطر الخارجي إلى حد الانفجار.
كل ما يجري يستدعي وجوب التئام لعناصر الثورة مع القوى الاجتماعية في المجتمع، وبدون هذا فإن رحلة الثورة من أجل "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" ستطول أكثر مما نتوقع أو يحتمل الشعب.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
892
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17535
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3924
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3381
| 30 أكتوبر 2026