رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد إسماعيل الكبيسي

مساحة إعلانية

مقالات

432

أحمد إسماعيل الكبيسي

نظامنا التعليمي وبوصلة الحياة الطيبة

14 مايو 2026 , 11:02م

يمر النظام التعليمي في العالم بمجموعة من التحوّلات التي يقترحها فلاسفة التربية المعاصرون، تتمثل في الانتقال من الاعتمادية في التعليم إلى استقلالية المتعلّم (التعليم الموجّه ذاتيا)، ومن التعلم لفترة محدودة إلى التعلّم مدى الحياة (التعلّم الدائم)، ومن التعلّم الفردي إلى التعلم الجماعي (التعلم المتفاعل)، ومن التركيز على المعلوم إلى التركيز على المجهول (التعلم الاستكشافي)، وأخيرا، من التعليم التلقيني إلى التعليم القائم على حل المشكلة (التعلم الإبداعي).

إزاء هذه التحوّلات، تفرض علينا قيمة الحريّة المسؤولة أن ندرس هذه النماذج والتحوّلات التربوية، لكي نختار منها ما يصنع الحياة الطيبة، ونتفادى منها ما يصنع الحياة الضنكة، وذلك عبر التعلّم الشمولي الّذي يراعي جميع احتياجات المتعلم، وهو النموذج الّذي نميّز به بين التحولات التربوية المخططة المثمرة والتحولات العشوائية الخاسرة.

فمن بين النظريات التربوية المختلفة، يعمل مفهوم الحياة الطيبة القرآني كبوصلة تساعدنا في تحديد الاتجاه ورسم الرؤية، ومن ثمّ اختيار النظريات التربوية التي تسرّع من تحقيق هذه الرؤية، وهذا يفرض علينا سؤالا هامّا: ما رؤية الحياة الطيبة للإنسان المتعلّم؟

تتمثل النظرة الاقتصادية للجامعات في أنها مؤسسات إنتاجية تحمل رصيدا إستراتيجيا من خلاله ترفد المجتمع بموارد بشرية متطورة تسهم في تقديم الخدمات وتنميتها، والنظرة الثقافية للجامعات تتمثل بكونها مراكز إشعاع ثقافي للمجتمع تكشف من خلاله مشكلات السكّان وتحديّاته، أما مقاربة الحياة الطيبة للتعليم فتتمثل في الجمع بين النظرتين الكليّة والجزئية، وذلك لأنها تنطلق من اكتشاف كمون الإنسان وإطلاق ممكناته الفردية إلى النهوض بالمجتمع وكافّة مؤسساته.

ولا تغفل هذه المقاربة أن الانتقال من الصعيد الفردي المتمثل بالاستثمار في قدرات الإنسان إلى الصعيد المجتمعي المتمثل في النهوض بكافة المجتمع ولَبَناته لا يمكن أن يتم دون بلورة الرابطة الوثيقة بينهما والمتمثلة بالانتماء الاجتماعي الحقيقي لدى المتعلّمين. فلو افترضنا أننا استثمرنا في قدرات المتعلم ومهاراته، وكان هذا المتعلم لا يعيش إلا في إطار ذاته، وإشباع رغباتها النفسية المتمثلة بالظهور الشخصي، والوصول للسلطة، والحصول على مكانة اجتماعية مرموقة، فهذا بالتأكيد الاستثمار في مهاراته لن يسهم في نهضة المجتمع، لأنه سيستخدمها كمجرّد أدوات لنيل حظوظ الدنيا وغنائمها. ومن هنا تبلور لدينا العنصر الوسيط بين تنمية الفرد ونهضة المجتمع، وهو تنمية الشعور بالانتماء الاجتماعي لدى المتعلّمين.

إن إصلاح النظام التعليمي عملية أكثر تعقيدا من إصلاح الأنظمة الأخرى، وذلك لأن التعليم في جوهره هو عملية تحويل الإنسان بشكل غير قابل للملاحظة المباشرة ولكن يستدل منه عبر سلوك المتعلم، ولذا كان من الواجب النظرة الشمولية لجميع عناصر التعليم المادية والمعنوية.

تركز مؤشرات الأداء للدراسات التربوية الحديثة على قياس جودة الأنظمة التعليمية بمقاييس رقمية ملموسة وماديّة تتمثل في: مستوى جودة الخدمات المقدمة، العدالة والمساواة في الخدمات المقدمة، فعالية تحقيق الأهداف المنشودة، كفاية الموارد، والاستخدام الذكي للموارد.

وتتمثل أدوار التعليم وفقا لهذه النماذج في نقل المعرفة عبر التدريس، وإنتاج المعرفة عبر البحث العلمي، وتوظيف المعرفة عبر زجّ الطلبة بسوق العمل، أما التعليم الشمولي فلا يحصر ذاته في عالم المعرفة، بل ينطلق منه إلى فضاء أرحب يتمثّل في تحلية النفس بالفضائل وتخليتها من الرذائل، ليصنع من خلال ذلك الإنسان المحسن المتفوق الذي يجمع بين المعرفة التخصصية والمهارات الناعمة مثل التفكير النقدي والإبداع والعمل الجماعي.

كما ركّزت الجهود الإصلاحية للنظم التعليمية في الوطن العربي على تطوير ثلاثة أبعاد: البعد الاجتماعي المتمثل في إلغاء كافة أشكال التمييز سواء بسبب العرق أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو الجنس، والبعد الكمي عبر توسيع القدرة الاستيعابية للنظام التعليمي كي تستوعب الأعداد المتزايدة من الطلبة، والبعد النوعي الّذي ينطوي على تجديد البنى والمناهج والمضامين بهدف ربط التعليم في كافة أشكاله بحاجات السكّان ومقتضيات التقدّم.

وكذلك ركّزت الجهود الإصلاحية على تجسير الفجوة بين المقررات التدريسية واحتياجات الطلبة، بين التخصصات الجامعية، ومتطلبات سوق العمل، وبين المشاريع البحثية وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

وتؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أن سرعة التطورات في سوق العمل أكبر من سرعة التطورات في المناهج التدريسية، ما يجعل المناهج التدريسية عاجزة عن تخريج طلبة يملكون المعارف والمهارات المطلوبة في سوق العمل، فالتحدي الأول الّذي تواجهه المؤسسات التعليمية اليوم هو تحدي المواكبة.

واحد من التحديات الكمية التي تواجه التعليم أيضا هو تزايد نسب الالتحاق من الطلبة مع نقص القدرة الاستيعابية للجامعات لاحتضان العدد المتزايد من الطلبة، بمعنى أن توسيع القدرة الاستيعابية لا يواكب العدد المتزايد من الطلبة، وكذلك التفاوت بين عدد الملتحقين والمتخرجين، وذلك بسبب عدم استمرار الملتحقين في تعليمهم الجامعي حتى التخرج.

كما تعاني الجامعات من عشوائية النمو بالشكل الّذي لا يضمن انسجام برامج التطوير مع احتياجات المجتمع. ويجدر بالذكر أن عشوائية النمو تعني تنفيذ برامج التطوير والتنمية في المناهج والمقررات وطرائق التدريس من دون دراسة احتياجات المجتمع ومشكلاته قبل ذلك، وتنتج عن ذلك برامج لا تستجيب لاحتياجات المجتمع ولا تعالج مشكلاته، وذلك كالجرّاح الّذي يعالج الأنف والمشكلة في الفم.

تحدٍ آخر يتمثل في عدم تناسب نوعية المخرجات مع حجم الإنفاق على التعليم الجامعي والعالي ولا يكون التعليم العالي استثمارا ناجحا إلا بقدر عوائده الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية قياسا على ما ينفق عليه من جهد ومال، فتقارير البنك الدولي تشير إلى أن الزيادة في الإنفاق على التعليم لا تترجم بشكل تلقائي إلى تطور في مخرجات التعلم، وذلك بسبب احتمال التوزيع الخاطئ للموارد على التعليم. فهناك عوامل أولية تؤثر بشكل مباشر في التعليم أبرزها: تدريب المعلمين، تطوير المناهج، وعوامل ثانوية تؤثر بشكل غير مباشر على جودة التعليم كجودة المرافق التعليمية وتوسيع المباني. بلا شك، فإن هذا التمييز يجب أن ينعكس على توزيع الموارد، إذ من عدم الحكمة تخصيص حجم أكبر من الموارد للعوامل الثانوية على حساب الأوليّة.

مساحة إعلانية