رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمر النظام التعليمي في العالم بمجموعة من التحوّلات التي يقترحها فلاسفة التربية المعاصرون، تتمثل في الانتقال من الاعتمادية في التعليم إلى استقلالية المتعلّم (التعليم الموجّه ذاتيا)، ومن التعلم لفترة محدودة إلى التعلّم مدى الحياة (التعلّم الدائم)، ومن التعلّم الفردي إلى التعلم الجماعي (التعلم المتفاعل)، ومن التركيز على المعلوم إلى التركيز على المجهول (التعلم الاستكشافي)، وأخيرا، من التعليم التلقيني إلى التعليم القائم على حل المشكلة (التعلم الإبداعي).
إزاء هذه التحوّلات، تفرض علينا قيمة الحريّة المسؤولة أن ندرس هذه النماذج والتحوّلات التربوية، لكي نختار منها ما يصنع الحياة الطيبة، ونتفادى منها ما يصنع الحياة الضنكة، وذلك عبر التعلّم الشمولي الّذي يراعي جميع احتياجات المتعلم، وهو النموذج الّذي نميّز به بين التحولات التربوية المخططة المثمرة والتحولات العشوائية الخاسرة.
فمن بين النظريات التربوية المختلفة، يعمل مفهوم الحياة الطيبة القرآني كبوصلة تساعدنا في تحديد الاتجاه ورسم الرؤية، ومن ثمّ اختيار النظريات التربوية التي تسرّع من تحقيق هذه الرؤية، وهذا يفرض علينا سؤالا هامّا: ما رؤية الحياة الطيبة للإنسان المتعلّم؟
تتمثل النظرة الاقتصادية للجامعات في أنها مؤسسات إنتاجية تحمل رصيدا إستراتيجيا من خلاله ترفد المجتمع بموارد بشرية متطورة تسهم في تقديم الخدمات وتنميتها، والنظرة الثقافية للجامعات تتمثل بكونها مراكز إشعاع ثقافي للمجتمع تكشف من خلاله مشكلات السكّان وتحديّاته، أما مقاربة الحياة الطيبة للتعليم فتتمثل في الجمع بين النظرتين الكليّة والجزئية، وذلك لأنها تنطلق من اكتشاف كمون الإنسان وإطلاق ممكناته الفردية إلى النهوض بالمجتمع وكافّة مؤسساته.
ولا تغفل هذه المقاربة أن الانتقال من الصعيد الفردي المتمثل بالاستثمار في قدرات الإنسان إلى الصعيد المجتمعي المتمثل في النهوض بكافة المجتمع ولَبَناته لا يمكن أن يتم دون بلورة الرابطة الوثيقة بينهما والمتمثلة بالانتماء الاجتماعي الحقيقي لدى المتعلّمين. فلو افترضنا أننا استثمرنا في قدرات المتعلم ومهاراته، وكان هذا المتعلم لا يعيش إلا في إطار ذاته، وإشباع رغباتها النفسية المتمثلة بالظهور الشخصي، والوصول للسلطة، والحصول على مكانة اجتماعية مرموقة، فهذا بالتأكيد الاستثمار في مهاراته لن يسهم في نهضة المجتمع، لأنه سيستخدمها كمجرّد أدوات لنيل حظوظ الدنيا وغنائمها. ومن هنا تبلور لدينا العنصر الوسيط بين تنمية الفرد ونهضة المجتمع، وهو تنمية الشعور بالانتماء الاجتماعي لدى المتعلّمين.
إن إصلاح النظام التعليمي عملية أكثر تعقيدا من إصلاح الأنظمة الأخرى، وذلك لأن التعليم في جوهره هو عملية تحويل الإنسان بشكل غير قابل للملاحظة المباشرة ولكن يستدل منه عبر سلوك المتعلم، ولذا كان من الواجب النظرة الشمولية لجميع عناصر التعليم المادية والمعنوية.
تركز مؤشرات الأداء للدراسات التربوية الحديثة على قياس جودة الأنظمة التعليمية بمقاييس رقمية ملموسة وماديّة تتمثل في: مستوى جودة الخدمات المقدمة، العدالة والمساواة في الخدمات المقدمة، فعالية تحقيق الأهداف المنشودة، كفاية الموارد، والاستخدام الذكي للموارد.
وتتمثل أدوار التعليم وفقا لهذه النماذج في نقل المعرفة عبر التدريس، وإنتاج المعرفة عبر البحث العلمي، وتوظيف المعرفة عبر زجّ الطلبة بسوق العمل، أما التعليم الشمولي فلا يحصر ذاته في عالم المعرفة، بل ينطلق منه إلى فضاء أرحب يتمثّل في تحلية النفس بالفضائل وتخليتها من الرذائل، ليصنع من خلال ذلك الإنسان المحسن المتفوق الذي يجمع بين المعرفة التخصصية والمهارات الناعمة مثل التفكير النقدي والإبداع والعمل الجماعي.
كما ركّزت الجهود الإصلاحية للنظم التعليمية في الوطن العربي على تطوير ثلاثة أبعاد: البعد الاجتماعي المتمثل في إلغاء كافة أشكال التمييز سواء بسبب العرق أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو الجنس، والبعد الكمي عبر توسيع القدرة الاستيعابية للنظام التعليمي كي تستوعب الأعداد المتزايدة من الطلبة، والبعد النوعي الّذي ينطوي على تجديد البنى والمناهج والمضامين بهدف ربط التعليم في كافة أشكاله بحاجات السكّان ومقتضيات التقدّم.
وكذلك ركّزت الجهود الإصلاحية على تجسير الفجوة بين المقررات التدريسية واحتياجات الطلبة، بين التخصصات الجامعية، ومتطلبات سوق العمل، وبين المشاريع البحثية وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وتؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أن سرعة التطورات في سوق العمل أكبر من سرعة التطورات في المناهج التدريسية، ما يجعل المناهج التدريسية عاجزة عن تخريج طلبة يملكون المعارف والمهارات المطلوبة في سوق العمل، فالتحدي الأول الّذي تواجهه المؤسسات التعليمية اليوم هو تحدي المواكبة.
واحد من التحديات الكمية التي تواجه التعليم أيضا هو تزايد نسب الالتحاق من الطلبة مع نقص القدرة الاستيعابية للجامعات لاحتضان العدد المتزايد من الطلبة، بمعنى أن توسيع القدرة الاستيعابية لا يواكب العدد المتزايد من الطلبة، وكذلك التفاوت بين عدد الملتحقين والمتخرجين، وذلك بسبب عدم استمرار الملتحقين في تعليمهم الجامعي حتى التخرج.
كما تعاني الجامعات من عشوائية النمو بالشكل الّذي لا يضمن انسجام برامج التطوير مع احتياجات المجتمع. ويجدر بالذكر أن عشوائية النمو تعني تنفيذ برامج التطوير والتنمية في المناهج والمقررات وطرائق التدريس من دون دراسة احتياجات المجتمع ومشكلاته قبل ذلك، وتنتج عن ذلك برامج لا تستجيب لاحتياجات المجتمع ولا تعالج مشكلاته، وذلك كالجرّاح الّذي يعالج الأنف والمشكلة في الفم.
تحدٍ آخر يتمثل في عدم تناسب نوعية المخرجات مع حجم الإنفاق على التعليم الجامعي والعالي ولا يكون التعليم العالي استثمارا ناجحا إلا بقدر عوائده الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية قياسا على ما ينفق عليه من جهد ومال، فتقارير البنك الدولي تشير إلى أن الزيادة في الإنفاق على التعليم لا تترجم بشكل تلقائي إلى تطور في مخرجات التعلم، وذلك بسبب احتمال التوزيع الخاطئ للموارد على التعليم. فهناك عوامل أولية تؤثر بشكل مباشر في التعليم أبرزها: تدريب المعلمين، تطوير المناهج، وعوامل ثانوية تؤثر بشكل غير مباشر على جودة التعليم كجودة المرافق التعليمية وتوسيع المباني. بلا شك، فإن هذا التمييز يجب أن ينعكس على توزيع الموارد، إذ من عدم الحكمة تخصيص حجم أكبر من الموارد للعوامل الثانوية على حساب الأوليّة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
4881
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1563
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1026
| 29 يوليو 2026