رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

309

د. عبدالله بندر العتيبي

مضيق هرمز.. حصار الحصار

14 أبريل 2026 , 12:43ص

لم يعد مضيق هرمز اليوم مجرد ممر مائي تعبر منه ناقلات النفط والغاز، بل تحول إلى مركز صراع على الإرادة والشرعية والنفوذ. التطور الكبير مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوجه نحو فرض حصار بحري على المضيق بعد تعثر المفاوضات الأمريكية – الإيرانية، يكشف أننا لم نعد أمام أزمة عبور بحري فقط، بل أمام لحظة استراتيجية جديدة يمكن وصفها بـ»حصار الحصار». فبعد أن حاولت إيران توظيف هرمز كأداة ضغط وابتزاز جيوسياسي، تتحرك واشنطن الآن لتقلب المعادلة، وتحول أداة التعطيل نفسها إلى ساحة مواجهة مباشرة على من يملك حق التحكم، ومن يفرض قواعد المرور، ومن يصوغ معنى الردع في الخليج.

أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في البعد العسكري، بل في رمزيته السياسية. إيران سعت خلال الأسابيع الماضية إلى تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على خنق الاقتصاد العالمي متى شاء، من خلال التحكم بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم. لكن الرد الأمريكي اليوم يبعث برسالة معاكسة: أن استخدام هرمز كسلاح سياسي لن يمر من دون إعادة تعريف شاملة لقواعد الاشتباك. هنا يصبح المضيق أكثر من ممر؛ يصبح اختباراً لمن يملك الهيبة، ومن يستطيع تحويل الجغرافيا إلى نفوذ، ومن يعيد رسم الخطوط الحمراء في الإقليم.

ومن منظور أوسع، ما يجري في هرمز هو انتقال من مرحلة التهديد بالإغلاق إلى مرحلة إدارة الخنق المتبادل. إيران تريد أن تقول إن أمن الطاقة العالمي لا يمكن أن يستقر من دون الاعتراف بدورها وشروطها. والولايات المتحدة تريد أن تقول إن أي محاولة لاحتكار المضيق أو فرض رسوم عبره ستُواجه بعقاب استراتيجي. لذلك، فإن حصار الحصار لا يعني فقط منع إيران من إغلاق المضيق، بل يعني أيضاً منعها من احتكار قيمة التهديد نفسها. إنها معركة على المعنى بقدر ما هي معركة على الممر.

لكن في قلب هذا المشهد، تقف دول الخليج أمام اختبار بالغ الحساسية. فهي الأكثر تضرراً من أي اضطراب في هرمز، ليس فقط لأن جزءاً كبيراً من صادرات الطاقة يمر عبره، بل لأن أي تدويل عسكري أوسع للمضيق يضع أمن الخليج واقتصاده واستقراره في دائرة الخطر المباشر. وقد أظهرت الأيام الماضية بوضوح أن كلفة تعطيل هرمز لا تتوزع بالتساوي؛ فبعض الدول تمتلك بدائل جزئية للتصدير، بينما تبقى دول أخرى، مثل قطر والكويت والعراق، أكثر تعرضاً للضغط بحكم اعتمادها الأكبر على هذا المسار الحيوي.

لهذا، فإن المطلوب خليجياً اليوم ليس الاكتفاء بمراقبة الصراع الأمريكي – الإيراني، بل الدفع نحو تثبيت مبدأ واضح: هرمز ليس ورقة إيرانية، ولا ساحة تصفية حسابات دولية مفتوحة، بل ممر دولي يجب أن يُحمى ضمن قواعد قانونية وأمنية مستقرة. بالتأكيد أن المضيق ليس ملكاً لإيران، وأن العبث به يهدد الأمن العالمي للطاقة والغذاء والرعاية الصحية.

إن ما يحدث في هرمز اليوم ليس أزمة عابرة. نحن أمام لحظة يُعاد فيها تعريف التوازن الإقليمي: من يهدد، ومن يردع، ومن يملك حق إدارة الشريان الأهم في العالم. ولذلك، فإن حصار الحصار ليس مجرد عنوان بل توصيف دقيق لمرحلة جديدة: مرحلة لم يعد فيها الصراع على هرمز صراعاً على المرور فقط، بل على شكل النظام الإقليمي نفسه. ومن يفرض الشروط.

مساحة إعلانية