رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد التطورات الجارية في المنطقة تُقرأ بمنطق التصعيد التقليدي، حيث تتدرج الأزمات من توتر إلى مواجهة ثم إلى تهدئة. ما نشهده اليوم أقرب إلى نقطة تحول استراتيجية تعيد تشكيل قواعد الاشتباك نفسها، وتفرض على الدول أن تعيد تعريف أدواتها ومقارباتها في التعامل مع الصراع. فالسؤال لم يعد: من الأقوى عسكرياً؟ بل: من الأقدر على إدارة مسار الصراع والتحكم في نتائجه.
لعقود، كان النموذج السائد في الشرق الأوسط قائماً على الردع المباشر، واستعراض القوة، والرهان على التفوق العسكري كأداة حاسمة. لكن هذا النموذج بدأ يفقد فاعليته في بيئة أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً. فالحروب لم تعد تُحسم في الميدان فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وحتى إلى الفضاء الإعلامي حيث تتشكل السرديات وتُعاد صياغة التصورات.
في هذا السياق، تحولت طبيعة الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى شبكة متعددة الأبعاد. فالتأثير في أسواق الطاقة قد يكون بوزن الضربات العسكرية، وإدارة التحالفات السياسية قد تعادل في أهميتها التفوق الميداني، أما القدرة على تشكيل الرأي العام فهي اليوم جزء لا يتجزأ من معادلة القوة. بمعنى آخر، لم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من قدرات عسكرية، بل بمدى قدرتها على توظيف مختلف أدواتها بشكل متكامل.
هنا تظهر مفارقة مهمة: الدول التي تراهن على التصعيد كخيار رئيسي قد تبدو قوية على المدى القصير، لكنها غالباً ما تدخل في دوامة استنزاف طويلة، تفقد فيها القدرة على التحكم بمآلات الصراع. فكل تصعيد يفتح الباب أمام ردود فعل غير متوقعة، ويزيد من تعقيد المشهد، ويجعل كلفة القرار أعلى مع مرور الوقت. فالتصعيد لا يبقى محصوراً في لحظته الأولى، بل يفرض منطقاً تصاعدياً على جميع الأطراف، حيث يصبح كل طرف مضطراً للرد حفاظاً على توازنه وصدقيته. ومع تكرار هذه الدورات، تتراكم الضغوط السياسية والاقتصادية، وتتقلص مساحة الخيارات، لتتحول القرارات من كونها مبادرات محسوبة إلى ردود أفعال مقيدة بسقف التصعيد ذاته.
في المقابل، هناك نماذج مختلفة بدأت تبرز في إدارة الصراع، تقوم على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتوسيع هامش المناورة الخارجية، واستخدام أدوات متعددة تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والإعلام. هذه المقاربة لا تعني الانسحاب من المشهد، بل تعني إعادة تعريف الصراع بطريقة تمنح الدولة قدرة أكبر على التأثير دون الانزلاق إلى مسارات استنزافية. ضمن هذا الإطار، يصبح الحفاظ على الاستقرار ليس موقفاً سلبياً، بل خياراً استراتيجياً بحد ذاته. فالدول التي تنجح في حماية تماسكها الداخلي، وتدير علاقاتها بمرونة، وتُبقي قنواتها مفتوحة، تكون أكثر قدرة على التكيف مع التحولات، وأكثر استعداداً للاستفادة من أي إعادة تشكيل للنظام الإقليمي.
إن ما يحدث اليوم يشير إلى انتقال المنطقة من مرحلة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «إعادة صياغة قواعد اللعبة». وفي هذه المرحلة، لن يكون الحسم لمن يرفع سقف التصعيد، بل لمن يمتلك القدرة على قراءة التحولات بدقة، وتوظيف أدواته بذكاء، والحفاظ على موقعه في قلب التفاعلات دون أن يُستنزف بها. فإدارة المرحلة لم تعد تقوم على ردود الفعل اللحظية، بل على بناء موقع استراتيجي يسمح بالتأثير في مسار الأحداث على المدى الأطول. ومن ينجح في ذلك هو من يحافظ على مرونته، ويُبقي خياراته مفتوحة، ويحول التحولات الجارية من مصدر تهديد إلى فرصة لإعادة التموضع وتعزيز النفوذ.
في النهاية، القوة في الشرق الأوسط لم تعد في إطلاق الضربة الأولى، بل في القدرة على التحكم في مسار الصراع وما ينتج عنه. ومن ينجح في ذلك، هو من سيحدد شكل المرحلة القادمة، ويرسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر
[email protected]
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3750
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
816
| 30 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
774
| 27 أبريل 2026