رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

483

د. عبدالله بندر العتيبي

ما بعد الضجيج.. من يحدد شكل الشرق الأوسط القادم؟

07 أبريل 2026 , 05:48ص

لم تعد التطورات الجارية في المنطقة تُقرأ بمنطق التصعيد التقليدي، حيث تتدرج الأزمات من توتر إلى مواجهة ثم إلى تهدئة. ما نشهده اليوم أقرب إلى نقطة تحول استراتيجية تعيد تشكيل قواعد الاشتباك نفسها، وتفرض على الدول أن تعيد تعريف أدواتها ومقارباتها في التعامل مع الصراع. فالسؤال لم يعد: من الأقوى عسكرياً؟ بل: من الأقدر على إدارة مسار الصراع والتحكم في نتائجه.

لعقود، كان النموذج السائد في الشرق الأوسط قائماً على الردع المباشر، واستعراض القوة، والرهان على التفوق العسكري كأداة حاسمة. لكن هذا النموذج بدأ يفقد فاعليته في بيئة أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً. فالحروب لم تعد تُحسم في الميدان فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وحتى إلى الفضاء الإعلامي حيث تتشكل السرديات وتُعاد صياغة التصورات.

في هذا السياق، تحولت طبيعة الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى شبكة متعددة الأبعاد. فالتأثير في أسواق الطاقة قد يكون بوزن الضربات العسكرية، وإدارة التحالفات السياسية قد تعادل في أهميتها التفوق الميداني، أما القدرة على تشكيل الرأي العام فهي اليوم جزء لا يتجزأ من معادلة القوة. بمعنى آخر، لم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من قدرات عسكرية، بل بمدى قدرتها على توظيف مختلف أدواتها بشكل متكامل.

هنا تظهر مفارقة مهمة: الدول التي تراهن على التصعيد كخيار رئيسي قد تبدو قوية على المدى القصير، لكنها غالباً ما تدخل في دوامة استنزاف طويلة، تفقد فيها القدرة على التحكم بمآلات الصراع. فكل تصعيد يفتح الباب أمام ردود فعل غير متوقعة، ويزيد من تعقيد المشهد، ويجعل كلفة القرار أعلى مع مرور الوقت. فالتصعيد لا يبقى محصوراً في لحظته الأولى، بل يفرض منطقاً تصاعدياً على جميع الأطراف، حيث يصبح كل طرف مضطراً للرد حفاظاً على توازنه وصدقيته. ومع تكرار هذه الدورات، تتراكم الضغوط السياسية والاقتصادية، وتتقلص مساحة الخيارات، لتتحول القرارات من كونها مبادرات محسوبة إلى ردود أفعال مقيدة بسقف التصعيد ذاته. 

في المقابل، هناك نماذج مختلفة بدأت تبرز في إدارة الصراع، تقوم على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتوسيع هامش المناورة الخارجية، واستخدام أدوات متعددة تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والإعلام. هذه المقاربة لا تعني الانسحاب من المشهد، بل تعني إعادة تعريف الصراع بطريقة تمنح الدولة قدرة أكبر على التأثير دون الانزلاق إلى مسارات استنزافية. ضمن هذا الإطار، يصبح الحفاظ على الاستقرار ليس موقفاً سلبياً، بل خياراً استراتيجياً بحد ذاته. فالدول التي تنجح في حماية تماسكها الداخلي، وتدير علاقاتها بمرونة، وتُبقي قنواتها مفتوحة، تكون أكثر قدرة على التكيف مع التحولات، وأكثر استعداداً للاستفادة من أي إعادة تشكيل للنظام الإقليمي. 

إن ما يحدث اليوم يشير إلى انتقال المنطقة من مرحلة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «إعادة صياغة قواعد اللعبة». وفي هذه المرحلة، لن يكون الحسم لمن يرفع سقف التصعيد، بل لمن يمتلك القدرة على قراءة التحولات بدقة، وتوظيف أدواته بذكاء، والحفاظ على موقعه في قلب التفاعلات دون أن يُستنزف بها. فإدارة المرحلة لم تعد تقوم على ردود الفعل اللحظية، بل على بناء موقع استراتيجي يسمح بالتأثير في مسار الأحداث على المدى الأطول. ومن ينجح في ذلك هو من يحافظ على مرونته، ويُبقي خياراته مفتوحة، ويحول التحولات الجارية من مصدر تهديد إلى فرصة لإعادة التموضع وتعزيز النفوذ.

في النهاية، القوة في الشرق الأوسط لم تعد في إطلاق الضربة الأولى، بل في القدرة على التحكم في مسار الصراع وما ينتج عنه. ومن ينجح في ذلك، هو من سيحدد شكل المرحلة القادمة، ويرسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.

مساحة إعلانية