رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا سلمنا بفرضية المؤامرة على تركيا فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو لماذا المؤامرة على تركيا؟ لا شك أن ثمة مجموعة من العوامل المتضافرة تجمعت لتحرض بعض الدول على التآمر ضد تركيا ولعل أهمها ما أرساه حزب العدالة والتنمية من استقرار وما انتهجه من سياسات رشيدة أخرجت تركيا من عزلتها وقربتها من محيطها العربي والإسلامي فأصبح لها دور فاعل في قضايا أمتها الإسلامية وفي طليعتها قضية فلسطين، فإسرائيل لم تنس لأردوغان مواقفه في منتدى دافوس، ولا محاولاته فك الحصار عن غزة، ولا احتضانه المظلومين، ولا الشروط الصعبة التي وضعتها الحكومة التركية لعودة العلاقات التركية، ولا إلغاءها الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين، ولا وقف تعاونها الأمني والعسكري، ولا يزال المسؤولون الإسرائيليون غير قادرين على السفر خارج إسرائيل بسبب الدعاوى القانونية التي رفعتها تركيا ضدهم، والتي من المتوقع أن تنظر فيها المحاكم حال خروجهم. ومهما قيل عن التغيرات الإقليمية والدولية التي جرت خلال السنوات التي تلت موقعة أسطول الحرية البحرية فإن الرئيس أردوغان ظل ثابتا على اشتراطاته حتى بعد أن ساءت علاقات بلاده مع روسيا على إثر إسقاط الطائرة الروسية السوخوي في نوفمبر الماضي ودخول إسرائيل في تحالفات سرية وعلنية مع روسيا وإيران وتعثر العلاقات التركية مع كل من إيران والعراق، فأبقى التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل مجمدا، كما لم يتنازل عن حق تركيا في ملاحقة المسؤولين العسكريين الإسرائيليين عن الاعتداء على أسطول الحرية الذين أصبحوا محصورين داخل إسرائيل بسبب الدعاوى القانونية المرفوعة ضدهم في المحاكم ولا فرط في حقوق الشعب الفلسطيني.
مواقف تركيا المناهضة للحصار والعدوان على غزة تعد واحدة من أهم أسباب التآمر على الجمهورية التركية، وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية تنفذان خطة لصالح أمن واستقرار إسرائيل، وثمة قاعدة تقول بأنه كلما ازدهرت علاقات تركيا مع محيطها العربي والإسلامي ساءت علاقتها بإسرائيل، فالغرب والأخيرة لا يريدان لتركيا علاقات تجارية وثقافية ودينية مع محيطها العربي والإسلامي، بينما عملت تركيا قبل الأزمة السورية وبعدها على تفعيل هذه العلاقات لتنتقل من كونها اقتصادية إلى كونها علاقات ثقافية ودينية وشعبية، وبالمثل فإن أوروبا تريد لتركيا أن تظل في حاجتها رغم أنها حتى الآن لم تضمها إلى الاتحاد الأوروبي رغم استيفاء تركيا لكل الشروط المطلوبة -رغم أنها قبلتها في حلف الناتو- وهو ما حمل كثيرا من الأتراك على الاعتقاد بأن الاتحاد اﻷوروبي منظمة مسيحية ﻻ مكان لبلادهم فيها، وقد صرحت بذلك فعلا تانسو تشيلر رئيسة حكومة تركيا قبل نحو عقدين من الزمان مستندة إلى تصريحات بعض الساسة اﻷوروبيين، وبالتأكيد فإن تركيا علمانية منطوية على نفسها تعادي الإسلام وتصنع ثقافة وطنية للشعب التركي المسلم يعادي فيها دينه وحضارته وتاريخه وتغتال الانقلابات نموها وازدهارها، هي الأفضل بالنسبة إلى إسرائيل والغرب، وتمزيق تركيا وعزلها عن محيطها وشغلها واستنزافها في حروب داخلية كتلك التي مع حزب العمال الكردستاني أو خارجية كتلك التي مع الحزب الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب ينزع عن تركيا استقرارها ويحرمها النمو والازدهار المتحقق خلال خمسة عشر عاما التي حكم فيها وخلالها حزب العدالة والتنمية، ومهما حاول الغرب إخفاء وجهه الحقيقي فإن الشعب التركي العظيم لم ينس محاولة اليونان -بدعم من الغرب وخاصة بريطانيا- احتلال بلاده بعد الحرب العالمية الأولى مستغلا هزيمة تركيا في هذه الحرب، فيما عرف تاريخيا بالحرب التركية اليونانية من 1919 وحتى 1922 في محاولة لتقسيم تركيا بين اليونان وأرمينيا وتجزيء ما تبقى منها، ولا يزال إضعاف تركيا وإفشال مشروعها الحضاري النهضوي حلما يراود أعداء تركيا التاريخيين وكذلك إسرائيل التي لا ترى في أردوغان رجلا يمكن أن يحقق لها طموحاتها في المنطقة، فالغاز المكتشف فيها لا يمكن تصديره بسهولة إلا عن طريق تركيا كما أن وقوف أردوغان مع الفلسطينيين كان أيضا من بين أهم الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى محاولة تقويض استقرار بلاده، ومن ناحية أخرى فإن إضعاف تركيا مطلب روسي باعتبارها دولة داخلية مهيمنة على المضائق وطريقها إلى المياه الدافئة. ولقد كان هذا ضمن ما اتفق عليه في اللقاء الذي جمع كلا من بوتين ونتنياهو في موسكو العام الماضي، وهو ما يفسر لنا كيف ألغت روسيا شراكتها الاقتصادية مع تركيا ولم تدخر وسيلة إلا واستخدمتها ضدها ومن بينها قصف التركمان ودعم حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردي السوري.
تركيا ذات الموقع الجيوسياسي المهم وربما الأهم في العالم، ونقول هذا لأنها ملتقى القارتين أوروبا وآسيا ومجمع البحرين الأبيض والأسود والمهيمنة على المضيقين البوسفور والدردنيل والجسر الشرقي الذي عبرت عليه الحضارة الإسلامية إلى أوروبا في أوج ازدهارها، حاولت انتهاج سياسة صفر مشاكل، واتخذت من التعاون الاقتصادي وسيلة للتقارب مع دول المنطقة ووقعت اتفاقية مودة وسلام مع المكون الكردي التركي الذي نقضها حزب العمال الكردستاني فيما بعد، وكان من نتيجة ذلك أن نما الاقتصاد التركي بمعدل سنوي قدره 4.7 بالمائة في الفترة مابين 2002 إلى 2014 وقد نجح حزب العدالة والتنمية في إعادة هيكلة الاقتصاد التركي في عام 2003 فازدهرت تركيا جديدة بناتج محلي يصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار ليصبح اقتصادها السادس عشر عالميا وأكبر سادس اقتصاد في أوروبا ولتصبح عضوا فاعلا ومهما في مجموعة العشرين، واحتلت تركيا المركز الثاني كأكبر مُنتِج للصلب بين بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27 والمركز الثامن عالميًا، كما تتوقع أن يتيح لها موقعها الإستراتيجي سوقا محتملة يبلغ تعداد سكانها 1.5 مليار نسمة بناتج محلي إجمالي كلي قدره 25 تريليون دولار أمريكي وبحجم تجارة خارجية قدره 8 تريليونات دولار أمريكي، وهي الآن بعد أن أكدت هويتها الإسلامية تتطلع من خلال برنامج تنموي شامل لتصبح مع حلول عام 2023 في المركز العاشر عالميا وقادرة على إنتاج كل ما تحتاجه من سلاح وعتاد من البندقية حتى الطائرة، وهذا ما قاله أردوغان "هدفنا هو تخليص صناعات الدفاع بالكامل من الاعتماد على الخارج بحلول عام 2023"، لذلك كله فإن الغرب لا يريد لتركيا أن تبقى مستقرة حتى لا تتمكن من إنجاز ما تريد ولا ما تحلم به لنفسها ولفلسطين ولعالمها الإسلامي لذلك فهم يتآمرون عليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5496
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4923
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3048
| 24 سبتمبر 2026