رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرت في مقالي السابق (لحوم العلماء مسمومة) بأن هناك أهمية كبرى لدور العلماء في إيصال العلم والحق للناس، ولكن الكثيرين من علماء الأمة الإسلامية اليوم للأسف أصبحوا موصّلين جيدين للعلم ولكنهم غير موصّلين للحق الذي أظهره الله على أيديهم وبيّنه واضحاً أمام أعينهم نظراً لاشتغالهم وانشغالهم بالعلم الذي أكسبهم القدرة على تمييز الحلال من الحرام والحق من الضلال، فأصبحوا بذلك أكثر الناس معرفة لله تعالى (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء) وأصبحوا كذلك أكثر الناس معرفة بالحق والعدل والإحسان، وبالتالي فهم أدرى الناس بالظلم والجور والطغيان.
وكما أن لعلماء الأمة الإسلامية دورا كبيرا وبارزا في نهضتها وتقدمها، فإن لهم كذلك دورا كبيرا في تخلّفها وتأخّرها، وما تلك الثورات العظيمة في البلاد الإسلامية إلا تجربة حيّة وواقعية على الدور السلبي والمخزي الذي اتخذه بعض علماء الأمة تجاه حكم الطغاة في تلك البلاد الثائرة على الظلم والطغيان والكفر والضلال، فما كان يحدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها من الدول العربية والإسلامية إنما هو ظلم واضح للجميع وفساد منتشر في البلاد وطغيان جاوز الحدود، ناهيك عن الكفر والضلال الذي أجبر به هؤلاء الحكام شعوبهم إلى الكفر بخالقهم والإيمان بحكمهم واستبدادهم واستعبادهم للناس، ناهيك عن مضاهاتهم لليهود والنصارى والمجوس وأعداء الإسلام في قتلهم وسفكهم لدماء شعوبهم بمجرد أن تلك الشعوب طالبت بمزيد من الحرية التي وهبها الله للناس جميعاً، وطالبت بالعيش الكريم دون هوان ولا ذل ولا انتقاص لكرامة أو حقوق، ولكن أولئك الحكام ظنّوا أنهم هم الملوك الذين لن يزول ملكهم ولا سلطانهم أبد الدهر، ففعلوا المجازر والكبائر في حق شعوبهم التي لا حول لها ولا قوة في كثير من الأحيان.
إن بعض العلماء وللأسف، أسهموا بشكل كبير في تنصيب هذه الأوثان والأصنام عقوداً من الزمن على الكراسي، يجثمون على أنفاس الناس.. يأمرونهم بالمنكر وينهونهم عن المعروف، بل ويقتلون أبناءهم ويغتصبون نساءهم ويسلبون أموالهم وأراضيهم وكل ممتلكاتهم، فلا أقاموا العدل على الأرض.. وإنما كانوا مفسدين بحق، ضالين مضلين، لم يسلم من شرّهم أحد، ولم يفلت من عقابهم أحد، فلم يجدوا من يردعهم من عقلاء الأمة وعلمائها الذين نعوّل عليهم كثيراً في قيادة الجموع وتشكيل الرأي العام، ولكنهم وللأسف أسهموا بتأييدهم لهؤلاء الحكّام الظلمة الفجرة الكفرة وبنصرتهم لهم ومدحهم والثناء عليهم أو حتى بسكوتهم على جرائمهم وفسقهم وفجورهم.. أسهموا معهم فكانوا خير معين لهؤلاء الحكام عندما جاملوهم على حساب تغليب شرع الله ونصرة دينه، فأفتوا لهم وخطبوا لهم، وألهوا الناس في فروع الدين وشغلوهم عن السؤال في الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، فكانوا كالذين يخدّرون الشعوب ويلهونهم من أجل البحث عن لقمة العيش أو الملذات الدنيوية، ولا عجب إن زيّنوا لهم المنكرات والمحرّمات من أجل أن يزدادوا انغماساً في الملهيات عن أعظم وأهم هدف من وجودنا على هذه الأرض.. ألا وهو تطبيق شرع الله.. بين عباد الله.. في أرض الله.
إن المتأمّل للتاريخ ليقرأ سِيَراً مشرّفة لعلماء لم يذعنوا للحكام ولا لنزواتهم وأهوائهم، فكانوا نعم الناصحين لله ولرسوله، لم يخشوا في الله لومة لائم، بل إن بعضهم عُذّب وقتل في سبيل كلمة حق قالها أمام سلطان جائر، فكانت منزلته عند الله أعظم وأكبر شأناً لأنه عظّم حكم الله في نفسه، فجازاه الله بأن عظم منزلته في نفوس الناس وفي الآخرة عندما يلقّب بـ"سيد الشهداء" فذلك الوسام الذي لا نظير له ولا مثيل.
ولعل الحكّام الظلمة قد انتبهوا منذ زمن طويل إلى عِظم دور العلماء في إظهار الحق للناس بل وفي قيادة الشعوب للأخذ على يد الظالم، فكانوا كثيراً ما يقرّبونهم من مجالسهم ويدعونهم إلى ولائمهم حتى إن ولائمهم ليظهر فيها الترف والفسق فلا يكاد العالم يُنكر شيئاً مما يراه على تلك الموائد، فكيف سيُنكر ما بعد ذلك من الأمور الظاهرة من الظلم والعدوان، لقد اشترى هؤلاء الحكام العلماء فجعلوهم أبواق تسبّح بحمدهم وتهلّل لعظمتهم كسائر الأبواق من رجال السياسة والاقتصاد والإعلام أو أهل الفن والرياضة وغيرها، فأصبحوا معاً في خندق واحد معهم، لا يُنكرون منكراً ولا يأمرون بمعروف، بل أصبح بعضهم في أحسن حالاته منطوياً منزوياً على نفسه في بيته، محتجباً عن طلبته من طلبة العلم فلا يخرج إليهم ولا يبدي لهم شيئاً من انزعاجه أو حتى تذمّره، فكانوا كالشياطين الخرس التي تكتم علماً رغم تحذير الله ورسوله لهم بأن يلجمهم لجاماً من نار في الآخرة جزاءً وفاقاً لهذا السكوت عن قول الحق في زمن الظلم والفتن.
مازلنا ننتظر دوراً أكبر وأعظم لعلماء الأمة الذين أغواهم الحكام وتعلّقوا بالدنيا ونعيمها الزائل بأن يرجعوا إلى صوابهم وأن يساهموا بشكل أكبر وأعظم شأناً من ذلك الدور الصغير الذي أسنده إليهم أولئك الحكام حتى أصبح بعضهم أضحوكة بين الناس من كثرة ما يجدونه خادماً للحكام بدلاً من أن يكون خادماً للعلم عابداً لله تعالى متبعاً هدي الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، فهل سنشهد عودة لهؤلاء العلماء ولدورهم الجليل الكبير فيساهموا مع سائر أطياف المجتمع في تحقيق نهضة الأمم والشعوب أم أنهم سيكونون عوناً للفراعنة في ظلمهم وبطشهم وكفرهم بالله تعالى، وهل سيفعل علماؤنا كما فعل سحرة فرعون عندما سجدوا لله تعالى بعد أن جاءتهم البيّنات على يد موسى عليه السلام أم أنهم سيكونون من السحرة الجدد الذين استجابوا لفرعون وأيّدوه في ظلمه وكفره.
قال تعالى (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
مَنْ يسقط حقّ الجار كيف يعيش في سلام؟!
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش وتحقيق الأمن والسّلام والاستقرار لجميع الشّعوب، ومن غفل عن هذا... اقرأ المزيد
99
| 01 مايو 2026
ضريبة المشروباتِ المحلاة
في زمنٍ تتسارعُ فيه الإيقاعات، وتتنافسُ فيه المغرياتُ على اجتذابِ الإنسان، لم تعد التشريعاتُ الرشيدةُ مجرّدَ أدواتٍ تنظيمية،... اقرأ المزيد
114
| 01 مايو 2026
كن ذهباً حيث يدركون قيمتك
هل توقفت يوماً لتسأل نفسك: هل قيمتي الحقيقية تنبع مما أنا عليه، أم من المكان الذي اخترتُ أن... اقرأ المزيد
39
| 01 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3726
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1137
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
762
| 27 أبريل 2026