رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. دعاء حسني شعبان

مساحة إعلانية

مقالات

78

د. دعاء حسني شعبان

لم يكن بيتًا بلا حب.. كان بلا لغة

13 أغسطس 2026 , 10:25م

عاد الأب إلى بيته بعد يوم طويل، ووضع أمام ابنه هاتفاً جديداً كان يتمناه منذ أشهر. ابتسم الابن وشكره، ثم ظل ينظر إلى أبيه منتظراً شيئًا آخر. كان يريد أن يجلس معه قليلًا، أن يسأله عن يومه، أو يقول له ببساطة: "اشتقت إليك يا بني".

لكن الأب دخل غرفته ليستريح.

لم يكن بخيلاً، ولم يكن قاسياً. كان يحب ابنه بصدق، لكنه تعلّم منذ صغره أن الرجل يعبّر عن حبه بالعمل والإنفاق وتحمل المسؤولية، لا بالكلمات أو العناق.

وفي بيت آخر، كانت الأم تعرف مواعيد أبنائها، وتحفظ ما يحبونه من الطعام، وتسهر عند مرضهم، لكنها لم تقل لابنتها يومًا: «أحبك»، أو «وجودك يسعدني». لم تقلها لأن أمها أيضًا لم تقلها لها.

وهكذا انتقل الصمت العاطفي بين الأجيال، لا عن قصد، وإنما لأن الإنسان يمنح غالبًا ما تعلّم أن يمنحه.

في كثير من بيوتنا، لا ينقص الأبناء الحب، بل تنقصهم أحياناً اللغة التي توصل هذا الحب إليهم. فالطفل لا يستطيع قراءة النوايا، ولا يعرف دائماً أن تعب والده أو انشغال أمه يعنيان المحبة. إنه يحتاج إلى حب يراه ويسمعه ويشعر به.

والحب لا يعني كثرة التدليل أو غياب الحدود، بل يعني أن يشعر الطفل بأنه مهم، وأن مشاعره مسموعة، وأن بيته مكان يستطيع فيه أن يتحدث دون سخرية أو تهديد.

وقد يكبر الطفل الذي لم يسمع كلمات التقدير وهو يحقق نجاحاً بعد نجاح، لكنه يظل في داخله يبحث عن اعتراف يطمئنه بأنه كافٍ. وقد تصبح الابنة التي لم تجد من يصغي إليها مترددة في التعبير عن احتياجاتها، لأنها اعتادت أن تحتفظ بكل شيء داخلها.

ليس الهدف أن نحاكم آباءنا وأمهاتنا؛ فقد أحبونا بأفضل الطرق التي عرفوها، وقدم كثير منهم تضحيات عظيمة. لكن فهمنا لظروفهم لا يعني أن نمارس اللغة الصامتة نفسها.

يمكننا أن نبدأ اليوم بأشياء بسيطة: أن نسأل أبناءنا كيف يشعرون، وننتظر إجابتهم، وأن نمدح جهدهم، ونعتذر عندما نخطئ، ونخصص لكل طفل وقتاً يشعر فيه أنه مرئي ومسموع.

قل لابنك: "أنا أحبك – دون أن يكون هناك موقف – قلها له لمجرد أنه ابنك".

وقل لابنتك: "وجودك جميل في حياتي".

لا تنتظر مناسبة، ولا تبحث عن العبارة المثالية. قلها كما تستطيع، حتى لو كان صوتك متردداً.

فقد تكون كلمة عادية بالنسبة إليك، لكنها في قلب طفلك بيت كامل من الأمان.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية