رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

54

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

وترجل فارس التحولات الكبرى

13 يوليو 2026 , 02:00ص

ليس الخلود أن يطول العمر، بل أن يطول الأثر. فهناك رجال إذا رحلوا لم يتركوا فراغًا في الذاكرة، بل تركوا وطنًا أقوى مما تسلّموه، ومؤسساتٍ أرسخ مما وجدوها، وأملًا يمتد إلى أجيال لم تعاصرهم، لكنها ستعيش على ثمار ما صنعوه.

بالأمس ودعت دولة قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله رحمة واسعة، فخيّم الحزن على الوطن، واستعاد القطريون، ومعهم كثير من العرب والمسلمين، سيرة قائد ارتبط اسمه بمرحلة استثنائية في تاريخ الدولة، مرحلة لم تكن مجرد سنوات حكم، بل مشروعًا متكاملًا لبناء وطن، وصناعة مستقبل، وترسيخ حضور دولة آمنت بأن أثرها يجب أن يكون أكبر من مساحتها.

لقد قاد الأمير الوالد مرحلة تحول تاريخية في مسيرة قطر الحديثة، واضعًا نصب عينيه أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات راسخة، ورؤية بعيدة، وإدارة قادرة على تحويل الطموحات إلى واقع، وفي عهده شهدت قطر نهضة شاملة في البنية التحتية، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتنمية البشرية، حتى أصبحت نموذجًا تنمويًا يحظى باحترام العالم، ورسخت مكانتها بين الدول المؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي.

ومن المحطات التي ستظل شاهدة على تلك المرحلة إقرار الدستور الدائم، وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، وتعزيز العمل المؤسسي، بما أسهم في بناء دولة أكثر رسوخًا وقدرة على مواصلة التنمية بثبات واستقرار، كما شهدت تلك المرحلة توسعًا كبيرًا في الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، فكانت المدينة التعليمية، واستقطاب الجامعات العالمية، رسالة واضحة بأن الثروة الحقيقية للأمم ليست فيما تستخرجه من باطن الأرض، بل فيما تبنيه في عقول أبنائها.

ولم يكن الاقتصاد بمعزل عن هذه الرؤية، فقد شهدت قطر في تلك السنوات نهضة غير مسبوقة في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وتوسعت في مشاريعها الاستراتيجية، حتى أصبحت واحدة من أبرز القوى الاقتصادية في العالم في هذا القطاع، وهو ما وفر للدولة موارد استثمرت في بناء الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد، وإطلاق مشاريع تنموية كبرى ما زالت ثمارها تتجدد حتى اليوم.

وعلى الصعيد الدولي، آمن الأمير الوالد بأن الدولة، مهما كان حجمها، تستطيع أن تؤدي دورًا مؤثرًا إذا امتلكت رؤية واضحة، ومصداقية في المواقف، وإرادة في صناعة السلام، لذلك برزت قطر في عهده وسيطًا موثوقًا في عدد من الملفات الإقليمية، وأسهمت في تقريب وجهات النظر، ودعم الحلول السلمية، وإطلاق مبادرات للحوار في أوقات كانت المنطقة بأمسّ الحاجة إلى صوت العقل.

كما شهدت تلك المرحلة حضورًا إعلاميًا غير مسبوق، جعل من قطر مركزًا للحوار وتبادل الرأي، وأسهم في إيصال الصوت العربي إلى العالم، وفتح آفاقًا جديدة للنقاش الحر، في تجربة إعلامية تركت أثرها في المشهد العربي لعقود.

ولم تغب القضايا العربية والإسلامية عن اهتمامه، فقد ظلت فلسطين في مقدمة الأولويات، واستمرت قطر في دعم الشعب الفلسطيني ومساندة حقوقه المشروعة، كما امتدت يدها إلى العديد من الدول العربية والإسلامية التي واجهت أزمات أو كوارث، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن مسؤولية الأمة لا تقف عند الحدود الجغرافية.

أما الجانب الإنساني، فهو من الصفحات المضيئة في تلك المسيرة، فقد ترسخ في عهده حضور قطر في ميادين الإغاثة والعمل الإنساني، حتى أصبحت مؤسساتها الإنسانية والخيرية والتنموية تمد يد العون إلى المنكوبين والمتضررين في مختلف أنحاء العالم، دون تمييز بين دين أو عرق أو لغة، ولم يكن ذلك مجرد استجابة للأزمات، بل نهجًا يعكس قيم المجتمع القطري، ويجسد رسالة الإسلام في الرحمة والتكافل وصون كرامة الإنسان.

ومن الإنجازات التي ستبقى علامة فارقة في التاريخ القطري، نجاح الدولة في الحصول على شرف استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، وهو إنجاز لم يكن رياضيًا فحسب، بل كان إعلانًا عن المكانة التي بلغتها قطر، وعن قدرتها على تنظيم أكبر الأحداث العالمية بكفاءة واقتدار، مقدمةً للعالم صورة مشرقة عن ثقافتها وهويتها وقيمها.

ولعل من أعظم ما سيذكره التاريخ للأمير الوالد ذلك القرار الذي اتخذه بإرادته، عندما سلّم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومسؤول للسلطة، قدم نموذجًا حضاريًا نادرًا في منطقتنا، وأكد أن قوة الدول لا تكمن في ارتباطها بالأشخاص، بل في استمرارية مؤسساتها، وثقة قادتها بالمستقبل، وإيمانهم بأن تداول المسؤولية في الوقت المناسب هو أحد مظاهر القيادة الرشيدة.

واليوم، ونحن نودع الأمير الوالد، فإننا لا نستحضر سيرة رجل فحسب، بل نستحضر مرحلة كاملة أسهمت في رسم ملامح قطر الحديثة، ورسخت حضورها الإقليمي والدولي، وجعلت منها دولة تجمع بين التنمية، والدبلوماسية، والعمل الإنساني، والاستثمار في الإنسان.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه عن وطنه وعن أمته وعن الإنسانية خير الجزاء، وألهم الأسرة الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان.

فالرجال يرحلون، لكن الأوطان لا تنسى من صنعوا نهضتها، ولا تغيب عن ذاكرتها أسماء الذين بنوا مؤسساتها، ورفعوا مكانتها، وأورثوا أبناءها الثقة بالمستقبل، وتلك هي السيرة التي لا يطويها الزمن. ويبقى الأثر.

اقرأ المزيد

﴿فروح وريحان وجنة نعيم﴾ ﴿فروح وريحان وجنة نعيم﴾

إلى جنات الخلد بإذن الله، غابت شمس قطر، وخيّم الحزن على القلوب، وارتدت الأرض الطيبة ثوب الفقد وهي... اقرأ المزيد

33

| 13 يوليو 2026

وداعاً صانع النهضة.. نحن وشعب قطر نبكي الأمير الوالد وداعاً صانع النهضة.. نحن وشعب قطر نبكي الأمير الوالد

ليس شعب قطر وحده من يبكي اليوم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، بل... اقرأ المزيد

33

| 13 يوليو 2026

وترجل فارس التحولات الكبرى وترجل فارس التحولات الكبرى

ليس الخلود أن يطول العمر، بل أن يطول الأثر. فهناك رجال إذا رحلوا لم يتركوا فراغًا في الذاكرة،... اقرأ المزيد

54

| 13 يوليو 2026

مساحة إعلانية