رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع نهاية بطولة كأس العالم 2014 لكرة القدم لا بأس من التأمل عند بعض الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أسهمت في اختيار البرازيل كأس العالم 2014 من جهة، فضلا عن اختيار مدينة ريو دي جانيرو مستضيفة المباراة النهائية للبطلة لاستضافة أولمبياد 2016.
على المستوى السياسي، وقع الاختيار على البرازيل لأسباب تشمل حالة الاستقرار السياسي وهو الأمر الذي تعزز إبان حكم الرئيس السابق لولا دي سلفا والذي تم اختياره لدورتين من أربع سنوات، ما بين 2002 و2010. كما لعب الرئيس السابق دورا في تشجيع الناخبين للتصويت لصالح ديلما روسيف خلفا له والتي تولت مقاليد الحكم بداية يناير 2011.
من جملة الأمور، تتميز البرازيل بعدم فرض إرادتها على جيرانها رغم تمتعها بخصوصيات جمة، فهي أكبر دولة في قارة أمريكا الجنوبية بالنسبة للمساحة وعدد السكان وحجم الاقتصاد، بل تشتهر البرازيل من الناحية السياسية بالسعي لحل المشكلات التي تطرأ بين بعض دول أمريكا الجنوبية لأسباب مختلفة، منها اختلاف التوجهات الأيديولوجية والظروف الاقتصادية، بل تسعى البرازيل للعب دور المصلح الدولي لدرجة محاولة حل الملف النووي الإيراني.
وليس من قبيل الصدفة استضافة البرازيل لقمة مجموعة (البريكس) والتي تضم 5 دول، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، مع ختام بطولة كأس العالم. بل دعت الرئيسة روسيف زعماء عدد من الدول الأخرى في قارة أمريكا الجنوبية، منها الأرجنتين وفنزويلا وبوليفيا، للاجتماع إلى قادة مجموعة البريكس بعد انتهاء قمتهم. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد كشف قبل فترة عن نيته لحضور المباراة النهائية في ملعب ماراكانا الشهير في ريو دي جانيرو، وبالتالي تسلم مهمة تنظيم مسابقة كأس العالم في 2018.
ويبدو أن الانفتاح على الآخرين ركيزة أساسية لدى السياسة الخارجية للبرازيل، حيث تأتي البرازيل في صدارة الدول التي لديها بعثات دبلوماسية على الصعيد العالمي.
من حيث المساحة، يأتي ترتيب البرازيل في المرتبة الخامسة في العالم بعد روسيا وكندا والولايات المتحدة والصين. كما تعتبر البرازيل أكبر بلد في أمريكا الجنوبية ولديها حدود مع كل الدول الواقعة في القارة، باستثناء تشيلي والأكوادور.
وخيرا فعلت البرازيل باختيار 12 مدينة لاستضافة مباريات كأس العالم، الأمر الذي أسهم في تطوير البنية التحتية، بما في ذلك المطارات والطرق السريعة في العديد من المدن.
يقطن البرازيل أكثر من 200 مليون نسمة وبالتالي تأتي في المرتبة الخامسة عالميا من حيث عدد السكان بعد الصين والهند والولايات المتحدة وإندونيسيا ولكن قبل باكستان ونيجيريا.
كما تتميز البرازيل بالتنوع العرقي بين سكانها بسبب عامل الهجرة. شملت الفئات الوافدة رعايا من إفريقيا في القرن التاسع عشر، إضافة إلى الأوروبيين، خصوصا من البرتغال (اللغة الرسمية للبلاد هي البرتغالية)، فضلا عن آسيا لأغراض اقتصادية تشمل تطوير بعض القطاعات الحيوية، مثل الزراعة وتحديدا البن وحديثا هجرة رعايا بعض دول الجوار للاستفادة من الطفرة الاقتصادية.
يعتبر نصف السكان من الطبقة الوسطى، لكن تعاني البلاد من الفقر وفقدان العدالة في توزيع الثروة، الأمر الذي يفسر انتشار الجريمة في البلاد. ترتبط ظاهرة انتشار الجريمة بتجارة المخدرات والسلاح، بل تقع البرازيل ضمن مسارات تجارة المخدرات بسبب موقعها الجغرافي.
تعتبر النفقات المتعلقة بكأس العالم 2014 الأعلى في تاريخ البطولة. وحدها، البرازيل خصصت 14 مليار دولار للصرف على الإستاذات الرياضية والبنية التحتية، فضلا عن الأمن. يقال: إن كلفة الإجراءات الأمنية وحدها بلغت 900 مليون دولار في ضوء إصرار السلطات على بتوفير أجواء آمنة للبطولة وهو ليس بالأمر الهين في دولة تنتشر فيها الجريمة.
بدوره، خصص الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" مبالغ طائلة للصرف على البطولة، بما في ذلك 576 مليون دولار للدول المشاركة. يشمل المبلغ جائزة قدرها 35 مليون دولار للفريق الفائز بالكأس و25 مليون للوصيف، فضلا عن 22 مليون دولار و20 مليون دولار لصاحبي المركزين الثالث والرابع على التوالي.
مؤكدا، بمقدور الاقتصاد البرازيلي الضخم تحمل كلفة إقامة الفعالية. فحسب أحدث دراسة للبنك الدولي، يشكل الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل 3.5 بالمائة من الناتج المحلي العالمي استنادا لمبدأ القيمة الشرائية، بل تعتبر البرازيل سابع أكبر قوة اقتصادية بعد الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وألمانيا وروسيا.
لكن تحل البرازيل في المرتبة رقم 88 على مستوى العالم فيما يخص حصة الفرد من الناتج المحلي. وتفسر هذه الحقيقة بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البرازيل، مثل انتشار الجريمة.
لأغراض المقارنة، يعتبر نصيب الفرد في قطر، مستضيفة كأس العالم في 2022، الأعلى دوليا.
لا شك، يتجلى التفوق الاقتصادي للبرازيل من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة والتي تعكس ثقة المستثمرين، فحسب تقرير الاستثمار العالمي للعام 2014 والذي صدر حديثا ومصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة للبرازيل أكثر من 64 مليار دولار في العام 2013. يعد هذا الرقم نوعيا كونه يشكل 4.4 بالمائة من قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة في 2013 وقدرها 1.45 تريليون دولار، ما يعني حلول البرازيل في المرتبة الخامسة عالميا بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا وهونج كونج.
فضلا عن كأس العالم، فإن مدينة ريو مستضيفة نهائي كأس العالم 2014 على موعد مع استضافة حدث الأولمبياد في الفترة ما بين 5 حتى 21 أغسطس 2016، أي بعد سنتين لا أكثر. وهذه هي من المرات النادرة التي تجمع فيها مدينة واحدة حدثين كبيرين في فترة قصيرة، أي استضافة نهائي كأس العالم والأولمبياد.
لا غرابة، يبدو أن كل الطرق تؤدي بالضرورة إلى البرازيل عندما يتعلق الأمر بالمناسبات الرياضية.
آفاق الاقتصاد الخليجي
15 % نسبة ارتفاع النفقات العامة تتوقع المؤسسات الدولية ذات العلاقة والمعنية بالمسائل الاقتصادية في العالم أداء طيبا... اقرأ المزيد
765
| 30 ديسمبر 2018
تكيف المنظومة الخليجية مع أسعار النفط
توجيه دفة الاقتصاد الوطني لتقوية القطاع الخاص يوماً بعد آخر يتبين بالأدلة المادية تمكن اقتصادات دول مجلس التعاون... اقرأ المزيد
589
| 16 ديسمبر 2018
نفقات السائح الخليجي
توجيه الاستثمارات لبناء وتطوير المطارات السائح الخليجي مرحب به في الدول الأوروبية بشكل خاص نظراً لتمتعه بالصفات الحيوية... اقرأ المزيد
819
| 09 ديسمبر 2018
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026