رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في 15 يونيو 1974، أصدرت حكومتا جمهورية الأرجنتين ودولة قطر بياناً مشتركاً أعلنتا فيه إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. قبل خمسين عاماً، زرع قادتنا بذور شراكة امتدت إلى ما هو أبعد من التبادلات الاقتصادية، لتشمل التعاون الثقافي والتعليمي والاجتماعي.
وشهدت العلاقات الثنائية بين قطر والأرجنتين ازدهاراً كبيراً خلال السنوات الماضية، خاصة بعد الزيارة التي قام بها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 2010. وبعد بضع سنوات، قام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بزيارتين رسميتين إلى الأرجنتين في عامي 2016 و2018.
وعلى الرغم من المسافة الجغرافية التي تفصل بين قطر والأرجنتين بأكثر من 13.000 كيلومتر، إلا أن العلاقات الثنائية متماسكة بقوة، ليس فقط من خلال الإنجازات المشتركة ولكن من خلال مشاعر الصداقة العميقة المتبادلة بيننا.
تم افتتاح السفارتين في بوينس آيرس والدوحة عام 2013. ومنذ ذلك الحين، نمت العلاقات الثنائية بسرعة، خاصة في المجالات التجارية والاستثمارية. وبينما يتطلع كلا البلدين إلى توسيع صادراتهما، تظهر أرقام التجارة الثنائية حاليًا تركيزًا كبيرًا على مجموعة محدودة من السلع. ثلاثة أرباع الصادرات الأرجنتينية إلى قطر عبارة عن سلع صناعية زراعية وصناعات في قطاع تشغيل المعادن الموجهة لصناعة النفط والغاز. كما يشكل قطاع النفط والغاز ثلاثة أرباع الصادرات القطرية إلى بلادنا. نحن ممتنون لقطر لوقوفها كمورد رئيسي للغاز الطبيعي المسال للأرجنتين خلال السنوات التي اعتمدت فيها بلادنا على واردات الغاز لتلبية طلب كل من الأسر والصناعة.
ونظرًا لكون الأرجنتين لها اقتصاد متنوع يقوم بتصنيع وتصدير مجموعة واسعة من السلع والخدمات، فأنا على ثقة من أن الأرجنتين توفر فرصًا كبيرة للمستثمرين القطريين في مختلف القطاعات. من بينها يمكننا تحديد صناعة الأغذية الزراعية، وتبادل التكنولوجيا في مجال صحة الحيوان والمسائل الصحية، ونظام جودة المختبرات، وتشخيص داء البروسيلات ومرض الحمى القلاعية، ومكافحة اللقاحات، وأمراض الطيور، والتشخيص المصلي والجزيئي، والتصنيع، والبنية التحتية، والسياحة، المعادن والطاقة، ناهيك عن شركات الخدمات القائمة على المعرفة الديناميكية والتي لها تأثيرعلى مجموعة واسعة من الصناعات.
ومن أجل تعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي، سيكون من المهم لبلدينا استكشاف أوجه التكامل الممكنة في التبادل داخل الصناعة. وفي هذا الصدد، أعتقد أن قطاع الخدمات القائمة على المعرفة يمكن أن يكون بمثابة محفز لعلاقة اقتصادية متجددة تعود بالنفع على كلا الجانبين.
ولكن لا يمكن حصر كل شيء في الجانب التجاري والاقتصادي، فقد تمكنا من تحقيق نتائج ممتازة في تعاوننا في مجال التعليم، وكذلك في المجالين الثقافي والرياضي. وهذا يساهم بلا شك في تحقيق التكامل الواقعي والمستدام لشعوبنا مع مرور الوقت.
ولدينا دليل واضح على عملنا المشترك، حيث إننا توصلنا خلال السنوات الماضية إلى أكثر من 40 اتفاقية أو مذكرة تفاهم، منها تلك التي تم التوقيع عليها بالفعل، أو الجاهزة للتوقيع، أو في المرحلة النهائية من المفاوضات.
ولا بد من التأكيد على أن الأرجنتين وجدت في قطر دولة تتمتع بالكرم وذات حضور ملحوظ على المستويين الإقليمي والدولي، والمعروفة بمساعدتها ودعمها ليس فقط للدول النامية، بل أيضا على الساحة الإنسانية الدولية، وأصبحت رائدة إقليميا في هذا المجال.
وكمثال على هذا الكرم، أود أن أؤكد أنه خلال جائحة كوفيد- 19، قدمت قطر المساعدة من خلال مختلف المنظمات والأفراد، مما أتاح، من بين تلك الإمدادات الأخرى، الأقنعة والأغذية غير القابلة للتلف، في حين ساعدت الخطوط الجوية القطرية في توفير المساعدات الإنسانية في إعادة المواطنين الأرجنتينيين العالقين في آسيا إلى وطنهم.
وفي هذا الصدد، نشيد بدولة قطر لدورها المحوري كوسيط في العديد من النزاعات الدولية والإقليمية. إن التزام دولة قطر بالحوار والسلام لا يقدر بثمن، وتشيد الأرجنتين بجهود الدوحة في حفظ السلام والمبادرات التعاونية التي تعزز الاستقرار العالمي وحل النزاعات.
هناك أيضًا علاقة خاصة بين بلدينا، متجذرة في الاحتفال العالمي بالرياضة. في 18 ديسمبر 2022، رفع المنتخب الأرجنتيني لكرة القدم، بقيادة ليونيل ميسي، كأس العالم على ملعب لوسيل الشهير، أمام أكثر من 84.000. ويشرفني أن أشهد كيف تم الترحيب الحار بأكثر من 40.000 أرجنتيني من قبل السلطات القطرية وشعب هذا البلد الرائع خلال البطولة، مما ولد شعورًا بالأخوة الحقيقية بين الشعبين والتي ستستمر إلى الأبد. علاوة على ذلك، فإن العديد ممن زاروا دولة قطر خلال البطولة وجدوا فرصًا واعدة في الدوحة، مما أدى إلى توسيع مجتمعنا الأرجنتيني الدائم والنشط للغاية هنا في البلاد.
ومع استضافة نسخة 2022، تكون دولة قطر قد استحقت فصلها بطريقة رائعة. لقد وضعت استضافة دولة قطر النموذجية لبطولة كأس العالم لكرة القدم معايير جديدة في مجال الضيافة وإدارة الفعاليات، مما يبرز ويؤكد قدرات قطر. وبالنسبة لبلدي، الذي يعد واحدًا من أكبر فصوله حتى الآن، حيث تتلألأ الآن نجمة ثالثة على صدورنا، مباشرة فوق العلم الأرجنتيني المنقوش على كل قميص من قمصاننا. ومن الآن فصاعدا، سيظل اسم هذا البلد حاضرا إلى الأبد في أفواهنا وقلوبنا.
وقد أثرت المنافسة أيضًا على جانب رئيسي آخر في العلاقة، حيث عززت قطاعي السياحة والضيافة بشكل كبير. نظرًا لأنه منذ عام 2018، أصبح بإمكان المواطنين القطريين زيارة الأرجنتين لأغراض سياحية أو تجارية دون تأشيرة، وينطبق نفس الإعفاء على الأرجنتينيين الذين يرغبون في القدوم إلى قطر، وهناك اهتمام متزايد بين المواطنين لاكتشاف المناظر الطبيعية والثقافات والتاريخ في بلدهم والوجهات.
لقد مرت خمسون سنة منذ إضفاء الطابع الرسمي على الرابطة التاريخية والسلمية بين البلدين. وبهذه المناسبة، ونيابة عن بلدي وشعبي ونفسي، أود أن أحيي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى ودولة قطر ونحن نحتفل بهذا الإنجاز.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
138
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
96
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
99
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4671
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4329
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1485
| 13 مايو 2026