رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

1209

الدكتورة حصة حامد المرواني

احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

13 مايو 2026 , 11:08م

قال تعالى:

(وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)

في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم إلى تحرير المعرفة وربطها بالاقتصاد والابتكار وسوق العمل، ما زالت بعض البيئات الإدارية تتعامل مع التدريب الإداري والمهني وكأنه امتداد مباشر للتعليم التقليدي.

وهنا يبرز سؤال مشروع: ما العلاقة أصلًا بين (التدريب الإداري) وبين (التعليم النظامي التقليدي)؟

فالتعليم النظامي التقليدي بطبيعته يقوم على المناهج الثابتة، والمسارات الممتدة، والإجراءات الأكاديمية التقليدية، وتُقاس مخرجاته غالبًا بالدرجات والاختبارات والمؤشرات التعليمية، كما أنه يُغذي بصورة أساسية المسارات التعليمية والمؤسسات الأكاديمية والمدارس والجامعات.

أما التدريب الإداري والمهني، فطبيعته مختلفة بالكامل، لأنه لا يقوم على بناء المسار الأكاديمي التقليدي، بل على تطوير المهارات، ورفع الكفاءة، وتحويل المعرفة إلى أثر عملي مباشر داخل سوق العمل والمؤسسات والقطاعات الاقتصادية.

فالتدريب الإداري لا يقوم على المناهج الأكاديمية الممتدة، ولا على الصفوف الدراسية التقليدية، ولا على الاختبارات المدرسية أو المسارات التعليمية المغلقة، بل يقوم على: المهارة، والخبرة، وسرعة التطوير، ونقل التجارب، وبناء الكفاءات، ورفع الإنتاجية داخل سوق العمل.

ولهذا، فإن التعامل مع قطاع التدريب باعتباره مجرد امتداد إداري للتعليم التقليدي لم يعد يتوافق مع طبيعة المرحلة القادمة ولا مع طبيعة الاقتصاد الحديث نفسه.

ومن جوهر الحوكمة الحقيقية أن تُدار كل القطاعات وفق طبيعتها واحتياجاتها الفعلية، لا وفق قوالب إدارية موحدة قد لا تتناسب مع طبيعة المرحلة أو طبيعة القطاع نفسه، فالحوكمة لا تعني فقط كثرة الإجراءات، بل تعني بناء نموذج إداري قادر على تحقيق التوازن بين التنظيم، والمرونة، وسرعة الإنجاز، وتحفيز النمو.

ولهذا، فإن إخضاع قطاعات التدريب والاقتصاد المعرفي للعقلية الإدارية التقليدية نفسها التي صُممت لقطاعات مختلفة تمامًا في طبيعتها، يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى ملاءمة النموذج الحالي لطبيعة هذه القطاعات المتسارعة والمتغيرة.

فالحكمة الإدارية الحقيقية لا تكمن في توسيع دائرة السيطرة، بل في بناء أنظمة تفهم اختلاف القطاعات، وتمنح كل قطاع النموذج التنظيمي الذي يساعده على النمو والابتكار وتحقيق أثره الاقتصادي والمعرفي بصورة أكثر كفاءة واستدامة.

فلماذا يُدار بعقلية تعليمية تقليدية أصلًا؟

ولماذا يُنظر إلى قطاع التدريب الإداري باعتباره ملفًا تابعًا للتعليم، رغم أن طبيعته أقرب بكثير إلى الاقتصاد، والتنمية البشرية، وسوق العمل، والاستثمار المعرفي؟

خصوصًا أن إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة تتحدث بوضوح عن:

تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني

تمكين القطاع الخاص

الاستثمار في رأس المال البشري

رفع الإنتاجية والكفاءة

تسريع التنمية

وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار

وهي جميعها أهداف ترتبط مباشرة بطبيعة قطاع التدريب والمهارات أكثر من ارتباطها بالنماذج التعليمية التقليدية المغلقة.

السؤال الأهم: هل نحن ننظم قطاع التدريب... أم نحتكر المعرفة من خلاله؟

لأن أخطر ما قد يحدث لأي قطاع معرفي هو أن تتحول المعرفة نفسها إلى مساحة مغلقة تتحكم فيها البيروقراطية بدل أن تكون بيئة مفتوحة للنمو والابتكار والتنافسية.

فالمعرفة بطبيعتها لا تزدهر داخل البيئات الثقيلة، ولا تنمو حين تُدار بعقلية الوصاية، ولا تنتج أثرًا اقتصاديًا حقيقيًا حين تصبح محاصرة بالإجراءات التقليدية التي صُممت أصلًا لأنظمة تعليمية مختلفة تمامًا في طبيعتها وأهدافها.

التعليم النظامي يؤدي دورًا وطنيًا مهمًا وأساسيًا في بناء المعرفة الأكاديمية والتأسيس العلمي، لكن التدريب الإداري والمهني يؤدي وظيفة مختلفة بالكامل.

فهو يرتبط مباشرة بتطوير الموظفين، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين الإنتاجية، وتحويل المعرفة إلى نتائج عملية داخل سوق العمل.

ولهذا فإن كثيرًا من الدول الحديثة بدأت تفصل بين التعليم الأكاديمي التقليدي وبين قطاعات التدريب والمهارات والاقتصاد المعرفي، لأنها أدركت أن إدارة هذه القطاعات تحتاج إلى عقلية مختلفة، أكثر مرونة، وأكثر ارتباطًا بالتنمية الاقتصادية واحتياجات السوق.

في المملكة العربية السعودية مثلًا، تم إنشاء المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني كنموذج مستقل يُعنى بقطاع التدريب وربطه مباشرة بسوق العمل والمهارات المستقبلية، لأن الدول التي تريد بناء اقتصاد معرفة حقيقي لا تضع المعرفة داخل القوالب التقليدية نفسها التي صُممت لعصر مختلف.

فالاقتصاد الحديث يقوم على سرعة الفكرة، ومرونة المهارة، وحرية الابتكار، لا على احتكار المعرفة داخل الأطر الإدارية المغلقة.

ولهذا، ربما حان الوقت لطرح السؤال بوضوح أكبر:

هل الهدف من التنظيم حماية القطاع... أم احتكار المعرفة داخله؟

مساحة إعلانية