رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"سنرد في التوقيت المناسب وفي المكان المناسب"، عبارة لا تفتأ ترددها النخبة الحاكمة في سوريا كلما تعرضت أرض الوطن لعدوان من قبل الكيان الصهيوني وهي لاشك عبارة تنبئ عن عقلانية شديدة وقدرة على الانضباط والتأني والدراسة قبل الإقدام على فعل غير محسوب النتائج والمرء من حيث المبدأ يوافق عليها ويقرها. ولكن أن يمتد الأمر إلى أكثر من أربعين عاما ولا نرى ظلا لهذا الرد السوري الرسمي على الاعتداءات الصهيونية المتكررة على مواقع مهمة وحيوية، فذلك الذي يمكن وصفه باللامعقول وغير المنطقي،
وتبدو لي عقلانية النخبة الحاكمة في دمشق من العيار الثقيل، فهي غير قابلة للاستفزازات التي تطال سيادتها وكرامة الوطن من عدو ما زال يحتل الأرض، غير أن المفارقة أن النخبة ذاتها سارعت بالرد على صبية طالبوا بإسقاط النظام في درعا قبل أكثر من عامين من بوابة تقليد المظاهرات التي شهدتها دول عربية اعتقالا ولم تشأ أن تقبل اعتذارات الكبار والذين انتهزوا الفرصة وحولوا الأمر إلى ثورة حقيقية بدلا من شعارات يرددها صبية وسرعان ما أصيبت كرامة النظام في مقتل، فأقدم على استخدام الأسلحة بكل أشكالها ضد مواطنيه الذين طالبوه بالتغيير والانخراط في عملية تحول ديمقراطي، لكنه اعتبر الأمر تجاوزا لخطوطه الحمراء والمتمثلة في المطالبة بإسقاط رأس النظام بشار الأسد الذي أمر فيما بعد بدك كل المناطق الثائرة وقصفها بالطائرات والدبابات ومدافع الهاون ثم صواريخ سكود، مما أسفر عن مذابح ومجازر تؤشر إلى مدى الشجاعة التي يمتلكها هو وزمرته الحاكمة، فبلغت أعداد الشهداء أكثر من مائة ألف فضلا عن الجرحى وملايين المهجرين والنازحين بالداخل والخارج.
لقد ثأر بشار لكرامته التي رأى أنها امتهنت عندما طالبه شعبه بتحقيق أشواقه في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية فأطلق أنيابه الشرسة ضد هذا الشعب الذي لا يليق له أن ينادي بهذه المطالب حسب منظوره وإنما يتعين عليه أن يقبل بما تحدده له الطغمة الحاكمة.
بيد أن بشار لم يشعر أبداً أن كرامته امتهنت عندما قام الطيران الحربي الصهيوني بطلعات جوية على بعد أمتار فوق قصره الرئاسي باللاذقية أو عندما دكت قوات الكيان موقعا رأت أنه يشهد استعدادات لامتلاك أنشطة نووية أو عندما دكت مواقع عسكرية حيوية خلال الشهر الماضي، ثم خلال الأسبوع الفائت عدة مرات.
كل ما فعله بشار وأركان حكمه الأشاوس هو تكليف وزير الإعلام الهمام المسمى عمران الزعبي بعقد مؤتمر صحفي هش في معلوماته وتحليلاته وعبر عن عجز السلطة الحاكمة في التعامل مع العدوان الصهيوني وربما العبارة الوحيدة التي ذكرها وتوقفت عندها وكالات الأنباء هي أن هذا العدوان سيفتح الباب أمام كل الاحتمالات لكنه لم يحدد طبيعة هذه الاحتمالات، هل هي سياسية أم عسكرية أم تأخذ أشكالا أخرى، ثم خرج مصدر سوري رسمي يؤكد أن الرد السوري على هذا العدوان سيكون في التوقيت المناسب وهو ما قمت باختياره - من قبيل السخرية بالطبع - عنوانا للقصة الخبرية الرئيسية في صفحة الشؤون العربية للأهرام والتي قمت بإعدادها في عدد الثلاثاء الفائت.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سرب النظام بعضا من أوهامه من قبيل أنه سيتم السماح للفصائل الفلسطينية بتوجيه ضربات إلى الكيان عبر هضبة الجولان ثم تطوع السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله بالتصريح بأن الرد على الكيان سيكون عبر الحزب الذي سيحصل على سلاح نوعي من سوريا، وأقسم بالله أتمنى أن يكون ذلك في خانة الحقيقة وليس من باب حملات العلاقات العامة التي تدافع عن النظام بحق وبدون وجه حق.
ثم تجلت شجاعة الأسد في التصريحات المبهمة التي أدلى بها يوم الخميس الماضي والتي ذكر فيها أنه لا يسعى إلى انتقام تكتيكي من إسرائيل وإنما إلى انتقام إستراتيجي هل فهم أحد منكم أي معنى لهذه العبارات الفضفاضة وهي من نوع الكلام الكبير لكنه بلا معنى في الواقع ثم يتحدث عن رغبته في تحويل سوريا إلى دولة مقاومة على نمط حزب الله هل رأيتم خروجا عن المألوف على هذا النحو وأنا هنا أستخدم مفردات مهذبة
ورغم كل ذلك فإن المرء يتساءل: لماذا لم يبادر بشار بعد هذه الغارات التي تشكل إهانة لكل عربي بالرد على الكيان ولو من قبيل ذر الرماد في العيون خاصة أن لديه السلاح والطيران والدبابات والصواريخ والمدافع التي يستخدمها ضد شعبه فيتحول إلى بطل للمقاومة مع إعلانه المتزامن عن إجراء تحولات ديمقراطية جوهرية في نظام حكمه، فقد يشفع له ذلك عند الشعب الذي ثار ضده وقد يلتف حوله.
لكن البعض قد يرى في المقابل بأن أي رد عسكري قد يقود إلى احتلال الكيان لسوريا بسبب القدرات الفائقة التطور التي يمتلكها والتي جعلته وفق التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأكثر تفوقا على كل جيوش الدول العربية مجتمعة ومن ثم يمكن أن يؤدي ذلك إلى إسقاط بلاد الشام تحت وطأة احتلال صهيوني وهو ما سوف يخلط الأوراق ويعيد ترتيب أولويات الأزمة السورية بحيث يكون التحرر من الاحتلال الصهيوني على رأسها.
ربما يكون هذا التحليل صحيحا ولكن متى كانت كرامة الأوطان تدار بهذا المنطق ولو كان ذلك صحيحا مائة في المائة لما دخل الشعب الفيتنامي حروبه الشرسة ضد الاحتلال الفرنسي في الخمسينيات من القرن الفائت وضد الاحتلال الأمريكي في ستينيات وسبعينيات القرن نفسه، بل إن تجربة حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين مؤشر قوي على هشاشة هذا الطرح.
باختصار النظام في سوريا أسد على شعبه لكنه سرعان ما يتحول إلى نعجة في مواجهة الكيان الصهيوني. لقد ذكرت غير مرة من قبل أن كمية الأسلحة والعتاد العسكري من مختلف الأنواع برا وجوا التي استخدمها بكثافة ضد الشعب السوري الثائر من أجل حريته كان بوسعها أن تحرر، ليس هضبة جولان واحدة، وإنما مائة هضبة لكنه لا يمتلك الإرادة أو الرؤية، ربما يترك الأمر للأجيال القادمة التي لن ترحم هذا النظام أبدا على كل ما اقترفه من جرائم في حق الشعب وكرامة الوطن التي تئن تحت وطأة صمته المريب على العدو الذي بات يتباهى بغاراته التي شنت بالتوجيه عن بعد وطالت الحرس الجمهوري وقوات الفرقة الرابعة التي تعد أقوى فرق الجيش السوري الرسمي الذي نتمنى أن يستعيد عروبته ووطنيته بعد أن أقام على مدى العامين المنصرمين في خانة الدفاع عن بشار وأركان حكمه وربما طائفته فحسب.
السطر الأخير:
أيا سيدة الحلم
اسكني الروح العطشى
صبى وجدك الصوفي
بجوانحي النشوى
تترقب طلوعك همسا
رحيقا بمدرات العشق الأبدي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17346
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3915
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026