رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأسست مجموعة البريكس سنة 2009 وكان إعلان تأسيسها من قبل مؤسسيها الأربع آنذاك «الصين، الهند، روسيا، البرازيل» واضحاً تماماً وهو تأسيس نظام دولي متعدد وكسر الهيمنة الأحادية الأمريكية على النظام السياسي والاقتصادي العالمي من أجل تحقيق قدر أعلى من العدالة والتوازن في العالم.
وفى القمة الأخيرة للمجموعة أغسطس 2023 التي انعقدت في جنوب أفريقيا، تم الإعلان عن الحدث الأهم منذ تأسيس المجموعة وهو ضم خمسة أعضاء جدد وهى «السعودية، إثيوبيا، مصر، الأرجنتين، الإمارات، إيران». وبهذا الضم أصبحت المجموعة أكبر تجمع اقتصادي عالمي معبر عن الكتلة الجنوبية أو الشرقية في النظام الدولي.
عند الحديث عن البريكس ومستقبلها، واجب الإشارة إلى أمر هام رئيسي يمثل المنطلق الرئيسي لتحديات البريكس، ويكمن في ضرورة التمييز ما بين أهداف الصين على حده من البريكس، وما بين أهداف باقي أعضائها بما في ذلك المنضمون حديثا.
وبلا أية مواربة تتحد كل أعضاء البريكس على ضرورة تأسيس نظام دولي متعدد يكسر الهيمنة الغربية على العالم، بل إن كينونة الأعضاء الخمس المنضمين حديثا للمجموعة تعكس بجلاء رؤيتهم الثاقبة بشأن التغيرات الكبرى التي تحدث في العالم لاسيما التراجع الملفت للقوة الأمريكية والصعود الكبير للقوة الآسيوية.
بينما تتمايز أهداف الصين من البريكس، حيث تعول الصين على المجموعة كأداة رئيسية لمجابهة الولايات المتحدة، وتعزيز موقعها كقائد للنظام العالمي الجديد. لذا، تعد الصين أكثر أعضاء المجموعة تحمساً لضم أعضاء جدد، لتشكيل جبهة موسعة مجابهة لتحالفات واشنطن الدولية، فالأعضاء الخمس الجدد للمجموعة كان بعضهم محل اعتراض من جانب الهند والبرازيل، وتم ضمهم بفضل ضغوط صينية.
وتأسيسا على ذلك، يمكن التمييز بين تحديين رئيسين يواجهان مستقبل البريكس. الأول هو قدرة البريكس على التحول إلى أداة صينية لمجابهة الولايات المتحدة في ظل القيادة الصينية الفعلية للمجموعة. تتفق أعضاء المجموعة على أهمية كسر الهيمنة الأمريكية المطلقة والتوجه نحو التعددية، لكنها بلا أدنى شك غير راغبة في تحويل المجموعة إلى أداة صينية بالوكالة لمحاربة واشنطن. وقد سبق وألمح بعض قادة البريكس لذلك.
لكن الأهم، أن اثنين من أهم قادة المجموعة (الهند والبرازيل) هم حلفاء وثيقون لواشنطن، هذا بخلاف بعض الأعضاء الجدد. ولكى تتحول المجموعة إلى أداة صينية تماما، وهو سيناريو مستبعد، يجب أن تتغلب على بعض التحديات، أهمها على الإطلاق إخضاع الهند للهيمنة الصينية.
إذ يعد الصراع الهندي الصيني العتيد واحدا من أكبر تحديات البريكس عموما. ومن المفارقات الغريبة جدا في العلاقات الدولية أن يجتمع في تحالف قوتين متنافستين شبه متكافئتين يجمع بينهما عدد لا يحصى من التناقضات والخلافات. وهذا الصراع لا يحول فقط دون هيمنة صينية مطلقة على المجموعة، بل يهدد استمرار وتوسع المجموعة أيضا. وإلى جانب ذلك، فمن الصعب أيضا إخضاع البرازيل وعدد من أعضاء المجموعة للهيمنة الصينية التامة، أو الضغط على توجهاتهم وسياستهم باتجاه المدار الصيني أو إحداث تنافر مع واشنطن.
أما التحدي الثاني وهو الأهم، فيكمن في قدرة البريكس على كسر الهيمنة الغربية لاسيما الاقتصادية في النظام الدولي. وحقيقة الأمر أن وجود البريكس سيما بعد عملية توسعه الأخيرة سيحدث قدر كبير من التوازن، ويحد نوعا ما الهيمنة الغربية.
ومع ذلك، أمام البريكس الكثير من التحديات والعقبات السياسية والاقتصادية لكسر الهيمنة الغربية تماما. فلكى يتحول إلى تكتل صلب بإمكانه تحدى المؤسسات الغربية، يحتاج البريكس إلى توافق تام بين أعضائه، لاسيما فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية. لكن بخلاف تضارب المصالح والرؤى والتوجهات بين أعضائه، ترتبط بعض دول البريكس ارتباطا وثيقا بالغرب ومؤسساته، ويصعب عليها فك هذا الارتباط. فالاتحاد الأوروبي أكبر تجمع مؤسسي في العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان قوام تأسيسه الرئيسي الهوية الدينية المشتركة وتوحد الرؤى والمصالح السياسية والاقتصادية بين أعضائه.
علاوة على ذلك، لا تتمتع دول البريكس عدا دول قليلة على رأسها الصين، بالقوة الاقتصادية الكافية لدفع التجمع خطوات أوسع لتحدى المؤسسات الغربية. فدول البريكس لاسيما بعض المنضمة حديثاً، والعديد الراغب في الانضمام، تهرول تجاه البريكس أملا في تحسين وضعها الاقتصادي المنهار خاصة عبر الاستحواذ على أكبر قدر من القروض. حيث تهرول في الجانب المقابل الغربي في الوقت عينه لنفس الغرض. والضربة القاضية للهيمنة الغربية تتأتى أو تتلخص في القدرة على كسر هيمنة الدولار الأمريكي، إذ اكثر من 80% من التجارة والتسويات الدولية مقيمة بالدولار. فضلا عن أن استمرار هيمنة الدولار هو السند الرئيسي لاستمرار الهيمنة الأمريكية. وتتحدث دول البريكس عن عزمها تأسيس عملة موحدة، ووفقا لتقديرات أكبر المراكز الاقتصادية في العالم، يعد هذا المسعى ضربا من المستحيل.
فتأسيس عملة موحدة عملية غاية التعقيد، ويجب أن يسبقها سلسلة من العمليات والإجراءات الاقتصادية الطويلة والمعقدة أيضا. فالاتحاد الأوروبي قد أسس عملته الموحدة بعض قرابة 3 عقود من تأسيس الاتحاد، ولم تنضم لها عدة اقتصادات قوية أوروبية. وحالة البريكس أشد تعقيدا من حالة الاتحاد الأوروبي، وذلك من حيث اختلالات هيكلية اقتصادية واسعة بين أعضائه، خلافات سياسية ومصلحية عميقة.
ملخص القول، يعد البريكس خطوة متقدمة على صعيد منظومة التحالفات الدولية من شأنها تسهيل التعاملات التجارية بين أعضائه، وبشكل أكثر وضوحا سوق واسع يخدم الصين في المقام الأول. ومن شأنه أيضا الحد نسبيا من الهيمنة الغربية. ومع ذلك، لايزال أمامه الكثير من التحديات العسيرة لكسر الهينة الغربية التامة وترسيخ نظام دولى تعددي حقيقي.
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة... اقرأ المزيد
906
| 26 مايو 2026
ترامب في الصين.. ملفات ضاغطة وإعادة ضبط الصراع
تصنف أية قمة بين رئيسي الولايات المتحدة والصين في أي زمان، رسمية أو على هامش مؤتمرات دولية بالتاريخية،... اقرأ المزيد
939
| 11 مايو 2026
تعويضات دول الخليج المستحقة
برز النقاش بقوة حول تعويضات دول مجلس التعاون الخليجي من إيران جراء الخسائر الجسيمة التي لحقت بها، بعدما... اقرأ المزيد
849
| 27 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3300
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1269
| 28 سبتمبر 2026