رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أن تكسرت أغصان الزيتون في أول جهد سياسي يبذل للخروج من الأزمة، عادت طبول الحرب تقرع بشدة في أرض الكنانة، وتحديدا من جانب القابضين على السلطة حيث أعلنت حكومة الثالث من يونيو أنها لن تتراجع عن مسألة عزل الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي ولا عن خارطة الطريق المثيرة للجدل ولا عن فض الاعتصامات في ميداني رابعة والنهضة، ما يوحي بأنها بصدد استخدام القوة، وهو ما حذرت منه وما زالت جميع الوفود التي زارت القاهرة مؤخرا واضطرت للانسحاب لأن البيئة كما يبدو غير مهيأة حتى الآن لحل وسط. عادت من جديد أجواء الترقب والقلق بعد أيام من تفاؤل حذر.
ما كان من المتوقع أن تنجح أول محاولة سياسية بعد انقسام مجتمعي حاد لعب فيه الإعلام المصري صاحب النفوذ دورا تخريبيا تحريضيا استهدف تعميق الانقسام وزرع الشك وتأجيج ثقافة الكراهية والحقد والانتقام بين أبناء الشعب الواحد، مما يجعل مهمة أي وساطة أو أي جهد يبذل في إطار تقريب وجهات النظر محفوفة بالفشل.
لكن المصلحة تقتضي أن تتواصل المساعي الداخلية والخارجية في البحث عن مخرج مهما طال الزمن ذلك لأن البديل باستخدام القوة أي العنف، هو الخيار الأخطر لما له من ارتدادات كارثية بعيدة المدى ستصيب مصلحة الأمن القومي لمصر بمقتل، والذين يراهنون على هذا الخيار مدنيين كانوا أم عسكريين هم مدفوعون بقراءة مغلوطة للتاريخ، ذلك أن زمن تدخل العسكر في الحياة المدنية قد ولى، وأن قواعد الاشتباك بين السلطة والمعارضة بامتدادات عابرة للحدود تغيرت هي الأخرى، ولذا لم يعد متوقعا كما كان في السابق أن ترضخ الشعوب أو أن يكيف المجتمع الدولي موقفه بسهولة مع البيان رقم واحد كما كان يجري في السابق، لاحظوا تداعيات الأحداث وانعكاسات بيان الجنرال السيسي في الثالث من يونيو في الداخل والخارج، وستكون ردة الفعل أكثر حدة وسعة فيما لو جازف الجنرال السيسي باستخدام القوة.
كعسكري، أذكر الجنرال السيسي أن مهمة الجيش في بلوغ هدف ما قد لا تكون مهمة صعبة لكن الأصعب منها على الدوام هي المحافظة على ذلك الهدف، وهنا تسكب العبرات، ما أريد أن أقوله هو إن الجنرال السيسي بتحريض مراكز قوى وابتزاز الإعلام المتحيز وتحت ضغط الشعور بالقوة المفرطة أمام شعب أعزل قد يتخذ القرار الخطأ بفض الاعتصامات باستخدام القوة، ولكن من يضمن النجاح؟ لا أحد... بعد أن أخطأ الجنرال السيسي بتقديره للموقف في قرار زج الجيش في نشاط مدني هو ليس من اختصاصه ولا يشكل جزءا من عقيدته العسكرية ولا يسمح به دستور سابق أو دستور قائم، الذي حصل بعد ذلك هو أن زخم الاعتصامات والمظاهرات قد تضاعف حتى بعد إن سقط ضحايا أمام المخابرات الحربية أو عند قصر الاتحادية أو في المنصورة، المنطق يقول إن السيسي الضابط الذكي لابد أن يكون قد تعلم مما حصل درسا مستنبطا لا ينبغي أن ينساه إطلاقا، مفاده أن العنف والدم ليس هو الطريق الأمثل في حل خلافات سياسية، إذ إنه يوقد في النفس جذوة التحدي والإصرار إن لم نقل الانتقام والثأر، لاسيَّما عندما يؤمن الطرف المقابل بعدالة قضيته ويبدي استعدادا لا حدود له في تحمل الأذى في الدفاع عنها، إذا لا بديل والحالة هذه إلا السلام والحوار.
فض الاعتصامات بالقوة، نعم آنيا قد يربك الاعتصام في ميداني العدوية والنهضة لكن لن ينهيه، وهو لاشك خيار مكلف لأن ثمنه دم وسقوط ضحايا، ناهيك عن مضامينه الكارثية العديدة، إذ سيقود إلى تعميق الانقسام المجتمعي والانزلاق فعلا نحو الفتنة وربما الحرب الأهلية، وربما انطلاق المزيد من الاعتصامات والتظاهرات والفوضى كما يعني دق إسفين تاريخي بين الجيش المصري وشريحة هامة من شرائح المجتمع المصري، كما يعني إجهاض نهج المعارضة السلمية وفتح المجال واسعا كبيرا للتشدد والتعصب على الصعيد الوطني والإسلامي والعالمي، حيث سيعاني منه الجميع... ما يعني أن دولا قريبة وبعيدة سوف يتأثر استقرارها وأمنها بمآلات الأحداث الجارية في مصر، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولهذا رغم وطنية الأزمة فإن المخاوف من تداعياتها وانعكاساتها على الخارج ولاسيَّما في الدول العربية لابد أن تحفز الجميع وتدعوهم لعرض مساعيهم الحميدة كوسطاء نزيهين هدفهم الأسمى إبعاد مصر، بل والمنطقة برمتها عن كارثة باتت على الأبواب، وربما من بين أفضل الدول المرشحة لتشكيل فريق العمل المشترك هي السعودية وقطر، لكن يبقى الحل من خلال وساطة وطنية مصرية هو الخيار الأفضل.
المؤشرات على الأرض لا تدعو للتفاؤل بفضل الإجراءات التي اتخذها السيسي والتي توحي بأنه اختار العصا الغليظة في إدارته للأزمة بديلا عن غصن الزيتون، وهذا ما حصل أمس عندما قطع التيار الكهربائي عن ميدان رابعة وسيتبعه قطع الماء وهكذا بإجراءات تصعيدية ستنتهي بالمواجهة وهو ما ينبغي تجنبه بأي ثمن. والمطلوب أن تغير الحكومة المصرية نهجها وتسمح بالمزيد من جولات الحوار والتفاوض بصرف النظر عن كون الجولة الأولى انتهت إلى لا شيء، أن من مصلحتها التذرع بالصبر وطول النفس حتى لو تعرض الاقتصاد المصري إلى بعض الخسائر في الأمد القصير.
انطلاقة مصر الموفقة في إطار ثورة الخامس والعشرين من يناير نحو تشكيل النظام البديل، برئيس منتخب، دستور دائم تم الاستفتاء عليه، ومجلس للشورى.. تجربة سياسية رائعة راقبها العرب بالكثير من التفاؤل والأمل والمطلوب أن تبقى مصر المحروسة مصدر الإلهام والتنوير والثقافة للعرب رغم أن البعض يصر أن تعود مصر ستين سنة للوراء، لكن المأمول أن يراجع القابض على السلطة حساباته بدقة ولا تغريه القوة في المضي في نهج من شأنه أن يضيع على مصر هيبتها ومكانتها المتميزة واستقرارها وكأن حالها حال التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا... ينبغي عدم السماح بذلك لا نصرة لهذا الطرف أو ذاك وإنما لمصلحة مصر لا غير، قد يعترض البعض متذرعا بدواعي السيادة ورفض التدخل فيما هو وطني، لهؤلاء أقول لا داعي للقلق، إذ المطلوب هو إعطاء المساعي الحميدة فرصة ويبقى القرار مصريا أولا وأخيرا، لكن علينا ألا ننسى أن خيار العنف إنما يقود للفوضى ومزيد من الانقسام الذي سيضعف الدولة ويغري الطامعين في التدخل وعندها لن تبقى سيادة... وهذا ما حذر منه ابن خلدون في مقدمته المشهورة بقوله: (حصن قلعتك من الداخل يخشاك العدو)..
وداعاً صانع النهضة.. نحن وشعب قطر نبكي الأمير الوالد
ليس شعب قطر وحده من يبكي اليوم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، بل... اقرأ المزيد
561
| 13 يوليو 2026
في بيتي... حرامي!
"عندما يصبح الفساد عارضًا لمرضٍ أعمق في بنية الحكم ". أقسى أنواع السرقة ليست تلك التي يرتكبها لصٌّ... اقرأ المزيد
831
| 04 يوليو 2026
طريق الشرق السريع... والعراق الذي تأخر !
في التاسع من يونيو حزيران الجاري، وقع وزيرا النقل في كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية مذكرة... اقرأ المزيد
534
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2646
| 30 أكتوبر 2026