رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد تسليم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر مقاليد السلطة رسميا للرئيس الجديد الدكتور محمد مرسي، وبعد أن أقيمت مراسم التسليم العسكرية في مقر القيادة المركزية، وعقب أدائه اليمين أمام المحكمة الدستورية، ليكون بذلك أول رئيس منتخب يدخل مقر رئاسة الجمهورية بقصر العروبة، يدخل الدكتور مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين سابقا وإحدى القيادات السياسية بالجماعة، القصر وهو متعب ومرهق من الجولة الأولى فالثانية لانتخابات الرئاسة، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من أن يخسر معركة الانتخابات الرئاسية لصالح الفريق أحمد شفيق.
بعد يوم التنصيب الشاق الذي لم يترك في جسده طاقة، دخل الدكتور مرسي إلى القصر الجمهوري، خلع معطفه الرمادي الغامق وحل ربطة عنقه العنابية اللون، وأزاح نظارته الطبية لتستقر على المكتب أمامه، جلس على الكرسي الوثير واضعا ساعديه خلف رأسه وهو يسترجع شريط ذكريات الأيام الخوالي، سنوات السجن والنضال، وكيف أن سنة كونية إلهية قدرها الله تبارك وتعالى، وهي تعاقب الأيام ودورانها على العباد، وتقلب الأحوال فيها من علو إلى نزول ومن نزول إلى علو، واستدرك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). أمال مرسي رأسه إلى الخلف في الكرسي الوثير وابتسم ابتسامة هادئة وهو يسترجع الأحداث الماضية وكيف أصبح السجين رئيسا لأهم دولة عربية، والرئيس المخلوع مسجونا. أغمض مرسي عينيه وهو يستذكر ما لمصر من مكانة عظيمة في الإسلام، فقد كرمها الله بذكرها في القرآن، فهي كنانة الله في أرضه.
راح مرسي مستغرقا في الغد المشرق الذي ينتظر مصر وشعبها، وفي استغراقه الشديد ذاك، تراءت أمامه صورة رجل ورع تقي يشع وجهه بنور الصلاح والإيمان وهو جالس في مصلاه، سائلة دموعه، فدخلت عليه زوجته ذات الدين، فقالت: يا أمير المؤمنين، أشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عن خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
لم يكن مرسي في حاجة إلى التفكير للحظة لكي يتعرف على أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، كيف لا يعرفه وهو الخليفة الذي تمرس، قبل توليه الخلافة، بالإدارة واليا وحاكما، واقترب من صانعي القرار، ورأى عن كثب كيف تدار الدولة، وخبر الأعوان والمساعدين، فلما تولى الخلافة، كان لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسؤولية ومباشرة مهام الدولة، وأضاف إلى ذلك أن ترفع عن أبهة الحكم ومباهج السلطة، وحرص على المال العام، وحافظ على الجهد والوقت، ودقق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل، واستطاع أن يحول تلك المرحلة التاريخية الحرجة من تاريخ الأمة للعودة بالحياة إلى تحكيم الشريعة وآفاق الخلافة الراشدة الملتزمة بمعطيات القرآن والسنة.
صاح مرسي: يا أمير المؤمنين، لقد انتشر الفساد في الأرض وعمت الفوضى، وأصبحت بقدرة الله حاكما على أرض الكنانة مصر، فما هي النصيحة؟
أمير المؤمنين: في أول لقاء لي بالأمة، خطبت الناس وأنا على المنبر، وضعت منهجا للحكم في أربعة مواضع. أولا: الالتزام بالكتاب والسنة، وأني غير مستعد للاستماع إلى أي جدل في مسائل الشرع والدين. ثانيا: حددت لمن يود العمل معي أن يكون عمله معي لخمسة أسباب، وإلا فليفارقني: أن يرفع عليه حاجة من لا يستطيع أن يصل إليه، وأن يعينني على الخير ما استطاع، وفرضت على من يعمل معي أن يرشدني ويهديني إلى ما فيه خير الأمة وخير الدين، ونهيت أن يغتاب عندي أحد، وأن لا يتدخل أي متقرب مني في شؤون الحكم. ثالثا: حذرت الناس من عواقب الدنيا لو أساءوا فيها، وطلبت منهم أن يصلحوا سرائرهم. رابعا: قطعت على نفسي عهداً بألا أعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا.
مرسي: ولكن زمانك يا أمير المؤمنين غير زماني، كثر الفساد، وظهر العناد، واستعلى المراد في كل شؤون ومناحي الحياة، فالمفسدون في الأرض ينشرون الباطل والإلحاد، ويدعون إلى الضلال ومخالفة الشريعة، والتنكر لها، ويعتقدون أن هذه هي شريعة العولمة الجديدة.
أمير المؤمنين: يا عبدالله (مرسي)، لقد ظل الفساد في الأرض منتشراً في كل زمان ومكان، وبأنواع شتى مختلفة، منها المعاصي، والمخالفات لشرع الله، بارتكاب نواهيه وتعطيل أوامره (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
عليك بالعدل وذلك بمنع الظلم وإزالته عن المظلوم، ومنع انتهاك حقوق الناس المتعلقة بأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وإزالة آثار التعدي الذي يقع عليهم، وإعادة حقوقهم إليهم ومعاقبة المعتدي عليها فيما يستوجب العقوبة، عليك برد المظالم وأن تبدأ بنفسك أولا، مهما كان الأمر صغيرا أو كبيرا، حتى تكون قدوة للآخرين.
مرسي: لقد أنشأت ديوان المظالم، حتى غدت بوابات القصر مكانا لاستقبال شكاوى ومطالب المواطنين منذ تولي الحكم.
أمير المؤمنين: جد في الأمر، واجتهد، ولكن يجب عليك أن تضع آلية للديوان حتى تستطيع أن تطبق النظام بكل شمولية ودقة من أجل استقامة دعائمه، وإلا فسوف تفشل في تحقيق الغاية.
مرسي: يا أمير المؤمنين، لقد قامت الثورة في مصر من أجل الكرامة والحرية، ولكن الوضع الاقتصادي سيئ ومتدهور، فالثورة لم تكن فقط مجرد انتفاضة نخب سياسية ومثقفين، ولكنها كانت ثورة حقيقية نتيجة أزمة اقتصادية طاحنة.
أمير المؤمنين: من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، عليك أولا أن تحافظ على أمن البلاد والعباد، ومن ثم تستطيع تحقيق الأهداف الاقتصادية، وذلك بتوفير المناخ المناسب للتنمية، وعليك برد الحقوق لأصحابها، وإطلاق الحرية الاقتصادية المنضبطة، ورفع مستوى الطبقات الفقيرة. عليك بأن تتبع خطوات ترمي إلى زيادة الإنتاج الزراعي، فمصر أرض خير وجنان. وعليك بالإنتاج الصناعي حتى تستطيع القضاء على البطالة، كما عليك تشجيع الاستثمار الصناعي تماشيا مع روح الإسلام الذي يحث على الاستفادة من العلم والحكمة في جميع الميادين، طاعة لله وخدمة للناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها).
مرسي: هناك نقطة هامة يا أمير المؤمنين، إن تطهير القضاء المصري ضرورة ثورية ومطلب شعبي، فكيف الوصول إليه؟
أمير المؤمنين: إن القضاء في الإسلام يا محمد، له تاريخ طويل في النزاهة والاستقلال، والتاريخ الإسلامي حافل بقصص رائعة للقضاء، حتى أن أحد القضاة في عهدي قد حكم مرة بإخراج جيوش المسلمين من سمرقند، التي فتحها قتيبة بن مسلم، من دون أن ينذر أهلها. وفي عهدي اشترطت في القاضي خمسة شروط، ولا يجوز له أن يلي القضاء حتى تكتمل فيه هذه الشروط، وهي: العلم، والحلم، والعفة، والاستشارة، والقوة في الحق. وإذا ما أردت قضاء نزيها، فينبغي عليك الإسراع في تنفيذ أحكام القضاء وعدم التباطؤ وتقصير الإجراءات في المحاكم وتعجيل النظر في الأحكام.
مرسي: كيف استطعت يا أمير المؤمنين متابعة أمر الرعية وتصريف شؤون جميع الأقاليم في الدولة الإسلامية؟
أمير المؤمنين: كنت أمضي جل وقتي أرسم سياسة الإصلاح، والتي شملت مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية، عليك بالبطانة المعينة على الخير، التي توضح لك كل ما فيه المصلحة للدولة والشعب، وتكون بذلك قد أعانتك على تحقيق المصلحة العامة، وكنت أرسل المفتشين إلى الأقاليم ليتعسسوا ويبحثوا في أمور الناس وأحوالهم، فيأتوني بالأخبار والمستجدات. وعليك بمبدأ تقسيم العمل ومهام المسؤولية للدولة، فإن للدولة أركانا لا تثبت إلا بها، فالحاكم ركن، والقاضي ركن، والشعب ركن، والوالي أو الوزير ركن، فعليك بالوزراء الذين يعينونك على إدارة شؤون البلاد والعباد، ولقد سعيت في تحقيق السلامة من الفساد الإداري، بالحرص على سبل الوقاية منه، وسد المنافذ على المشاكل الإدارية مثل الخيانة والكذب والرشوة.
مرسي: وماذا عن الحرية التي قامت من أجلها الثورة في مصر؟
أمير المؤمنين: لقد حرصت على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد في المجتمع، وإقامة العدل ورفع الظلم عن الناس وعدم التضييق عليهم في معتقدهم ودينهم، انطلاقا من قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وإطلاق الحرية السياسية والحرية الشخصية وحرية التجارة، فالحرية في المجتمع الإسلامي دعامة من دعائم النجاح والتقدم والرقي.
مرسي: إن قضية التعليم يا أمير المؤمنين، من أهم القضايا الشائكة في الوقت الراهن، والتي تقف عائقا أمام التنمية الاقتصادية والبشرية.
أمير المؤمنين: إن الهدف من التعليم في الإسلام هو زيادة علم المسلمين، مصداقا لقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، فالتعليم يمثل نقطة الانطلاق السليمة والمحور الأساسي للدولة الإسلامية، لذلك أولاه الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، لما للعلم من مكانة عظيمة في إصلاح الشعوب وترقيتها، لذا فقد حث الإسلام المسلمين على الزيادة من العلم وتنميته. وعليك بالمعلم، لأنه حجر الزاوية في العملية التعليمية، بجانب التركيز على المنهج التعليمي، من أجل الوصول إلى الأهداف السامية، والتي تجمع بين الدين والدنيا.
ومع انطلاق صوت الأذان من المسجد القريب من القصر، فتح مرسي عينيه، ورأسه مازالت تدور بها بقايا رحلة قصيرة بين اليقظة والأحلام والأفكار والهموم، من أجل غد أكثر إشراقا لأرض الكنانة، قام مرسي يتوضأ للصلاة وهو يردد مقولة أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز: إنما أنا رجل من المسلمين، غير أني أكثر المسلمين حملا وعبئا ومسؤولية أمام الله، كيف أنام وقد وليت أمر الناس وفيهم الفقير والجائع والمسكين والأرملة.
إنه الاختلاف الكبير والبون الشاسع، لقد حكم عمر بن عبدالعزيز، فعدل، وعاش مرتاح الذهن والبال بين شعبه، لا بعيد عنهم، لأنه لم يكن يخشى إلا الله، ولم تكن الدنيا تساوي عنده مثقال ذرة من خردل. فهل يستطيع الدكتور مرسي أن يعيد لمصر مكانتها، وأن يرسم خارطة طريقها نحو دولة إسلامية عصرية، تتباهى بها كل الشعوب العربية والإسلامية؟ أم سوف تحل عليه لعنة الأسلاف تتبعها لعنات جيل الربيع العربي والتاريخ؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2772
| 30 أكتوبر 2026