رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من هؤلاء الذين كره الله خروجهم للجهاد والقتال مع خير خلق الله محمد، صلى الله عليه وسلم ؟ من هم هؤلاء الأشقياء الذين انكشف أمرهم من فوق سبع سماوات، وكره الله وجودهم مع المسلمين في الجهاد، فكره بالتالي المسلمون وجودهم أيضاً ؟
لا شك أنهم قوم لا خير فيهم، أو لا خير يُرجى من ورائهم إن قرروا الانضمام لجيش المسلمين والخروج معهم. فهؤلاء علم الله أن خروجهم لن يكون في صالح عباده المجاهدين المتقين، فلم يرد الله بذلك أن يخرجوا معهم. إنهم الذين نطقوا الشهادة بألسنتهم، ولم تبلغ تأثيرات تلكم الشهادة الراقية إلى قلوبهم، فعاشوا حياة النفاق والشقاق، وكانوا مصدر تشويش وتوتر للمجتمع المسلم، ومصدر كل إشاعة وكل كذبة أو فرية، ومصدرا بالغ التأثير في التخذيل والإرجاف. إنهم أتباع ابن أبي بن سلول، الذين وإن هلك في ذاك الزمان هو ومن معه، فإن قطار النفاق يزداد عدد ركابه في كل زمان ومكان، بل لا زال يسير على خط ابن سلول حتى يوم الناس هذا !
على رغم أن أولئك كانوا من الميسورين مادياً، وباستطاعتهم تجهيز أنفسهم للخروج إلى الجهاد، أو تجهيز آخرين كأضعف الإيمان، إلا أن كل ذلك كان نفاقاً. هم في الحقيقة ما أرادوا الخروج ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عـدة ) وهذا تكذيب لزعمهم أنّهم تهيّأوا للغزو ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود، لأنّ عدم إعدادهم العُدّة للجهاد دلّ على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو، كما يقول ابن عاشور في تفسيره.
* لماذا كره الله انبعاثهم؟ إنّ الكراهية الإلهية لمجرد وجودهم في ميادين الجهاد مع خير جيل ظهر في الأمة، كانت بمثابة تعليمات للفئة المؤمنة، صريحة ولا تهاون فيها، فإن ما وقع منهم يوم الخروج إلى معركة أحد كمثال بارز، وتأثيرهم على ثلث الجيش حتى انسحب ذلك الثلث وهم في منتصف الطريق، هو أمر ليس باليسير، بل من كبائر الأفعال والذنوب، أو ما نسميه اليوم بالخيانة. وليس من شك أن أمر الانسحاب وخلخلة صفوف الجيش في منتصف الطريق، كان أمراً تم الترتيب له من قبل أولئك المكروه انبعاثهم وانخراطهم في صفوف المجاهدين.
أفعالهم الدنيئة تكررت في مشاهد أخرى كادت أن تشق وحدة المجتمع المسلم، وتسببت في مشكلات كانت الدولة المسلمة في غنى عنها وهي في بدايات التكوين. ومن هنا كانت الكراهية الإلهية لوجود أمثال هؤلاء في أي عمل جهادي ضد أعداء الأمة، ثابتة وواضحة. وهذه الكراهية أو الأمر الإلهي لا ريب أنه ساري المفعول حتى يوم الناس هذا، بل إلى قيام الساعة.
لقد كره الله انبعاث أهل النفاق في المدينة إلى أي عمل ضد أعداء الله وأعداء رسوله والمسلمين، لأن خروجهم كما يقول سبحانه ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) أي فساداً وشراً وتهويلاً للأمر، والقيام بنشر الجبن والخوف بين الصفوف، بل أكثر من ذلك ( ولأوضعـوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) وهو نشر الأكاذيب والإشاعات والقيام بأعمال النميمة والإيقاع بين المجاهدين أنفسهم. وإنّ ما يحدث في غزة منذ السابع من أكتوبر المجيد، يشرح لك تفصيلات ما كان في مجتمع المدينة المنورة آنذاك، وحركة النفاق والتخذيل والإرجاف، سواء من داخل فلسطين المحتلة أم من خارجها ولاسيما الجوار والمحيط العربي، لا تهدأ ولا تتوقف !
ابن سلول في غـزة
مشاهد النفاق والتخذيل والإرجاف التي كانت بالمدينة المنورة، هي نفسها التي تحدث أمام أعيننا الآن في غزة، وكيف صار ينتشر خلسة، أولئك الذين كره الله انبعاثهم بين مجاهدي غزة، وكيف صاروا ينشرون الفتن في البيئة الحاضنة لهم، وكيف تقوم وسائل إعلامية فلسطينية وأخرى عربية بتحريف الحقائق، وبث كل ما يعمل على توهين العزائم، وبث اليأس في النفوس..
لهذا كله، كره الله انبعاثهم وانخراطهم في مشاهد غزة الأبية، وبالتالي ليس غريباً أن نرى هذا الجمود العربي المسلم نحو غزة، خاصة في الجوار القريب. ذلك أن ما يقوم به عرب ومعهم فلسطينيون أيضاً، فاق الإجرام اليهودي الصهيوني. فكيف لو دخلت فعلاً قوات عربية بزعم الدفاع عن غزة ؟ لا شك عندي أنها لن تزيد غزة إلا خبالاً، أو فساداً وشراً، ولن تكون تلك القوات سوى عون للمجرم الصهيوني ضد المقاومة، عبر شبكة عملاء وجواسيس وغيرها من أنواع الخبال.
إن الآيات التي تحدثت عن فريق ابن سلول قبل ألف وأربعمئة عام، وتكره أي عمل لهم مع المجاهدين، كأنما هي اليوم تتنزل من جديد، تكره أن يتدخل أحد من العرب والمسلمين في غزة، أو يدخل وينضم لصفوف الكتائب المجاهدة هناك بحجة الدفاع.. فلو علم الله فيهم خيراً لكان تحركهم منذ البدايات، ولكن لفساد القلوب وغلبة النفاق والشقاق، حدث هذا التأخير والتباطؤ والتخاذل، وسيكون دخولهم خبالاً ووبالاً على المجاهدين الصابرين. وكأنما الله يريد نصراً لأهل غزة الصابرين المقاومين، لا يشاركهم أو يزعم أحد غيرهم أن له يدا في ذلك النصر..
لب الحديث
إنْ نَصَرَ اللهُ مجاهدي غزة بأي صورة من الصور، فالنصر والمجد هم يستحقونهما، لا أحد غيرهم، ولن يكون لأحد من البشر أي فضل عليهم. أما إن حدث العكس، وتأخر النصر لحكمة ربانية، فيكفيهم شرف الجهاد والاستشهاد.. لكن وعد الله نافذ ( إن تنصروا الله ينصركم ) وما من شك في أن أهل غزة يحاولون جهدهم أن ينصروا الله كي ينالوا نصره المؤزر المبين ( ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
231
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
483
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
414
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3321
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026