رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

507

هديل رشاد

بين لحظتين

12 مايو 2026 , 11:06م

قبل يومين، وبينما كنت أجلس في أحد المستشفيات بانتظار نتيجة فحص روتيني، وجدت نفسي أراقب الوجوه من حولي أكثر مما أراقب عقارب الساعة، كان شيء ما يتبدل في ملامح الناس، ويشي بما اعتمل داخلهم لحظة خروجهم من غرف الأطباء؛ بعضهم خرج بخفة واضحة، كأن الحياة أعادت إليه جزءًا من الطمأنينة، وآخرون بدت وجوههم شاحبة تحت وطأة خبر غيَّر وجه الواقع كله، هناك من بدا أكثر أملًا، وهناك من بدا وكأنه دخل فجأة إلى نفق مظلم.

عندها تسللت إلى ذهني فكرة لم تغادرني منذ تلك اللحظة؛ أن حياة الإنسان بأكملها تقع بين لحظتين فقط: لحظة قبل، ولحظة بعد، قبل أن ينطق أحدهم بخبر يبدّل ملامح أيامنا، وبعد أن يستقر ذلك الخبر في أرواحنا كحقيقة لا يمكن الفرار منها، وبين اللحظتين يقف الإنسان معلَّقًا بين نسختين من نفسه؛ نسخة كانت تعيش بعفوية، وأخرى تحاول أن تفهم كيف تغيّر كل شيء بهذه السرعة.

نحن لا ننتبه غالباً إلى اللحظات المفصلية إلا بعد وقوعها، لا ندرك أن الحياة كانت تمضي بهدوء نحو نقطة فاصلة ستقسم أرواحنا إلى نصفين: ما قبل، وما بعد، قبل الفقد وبعده، قبل المرض وبعده، قبل الخذلان وبعده، وحتى قبل الحروب وبعدها، فالإنسان لا يتغير دائماً بالتدريج، أحياناً تغيّره لحظة واحدة فقط، لحظة كفيلة إما بنفخ الروح من جديد، أو بنزعها لخلق فوضى لا تهدأ لسنوات لا نعلم كم يطول أمدها.

وربما أكثر ما يربك الإنسان أن تلك اللحظات لا تأتي ممهّدة أو منطقية دائماً، بل تباغته وهو منشغل بتفاصيل روتينه اليومي؛ في صباح يشبه كل صباح، أو أثناء حديث عابر، أو خلف باب غرفة ينتظر أمامها بقلق ظاهر، لذلك تبدو التحوُّلات الكبرى في حياتنا قاسية، لأنها تصل دون استعداد وتختارنا، وفق مزاجها المتقلِّب.

قبل الفقد، يبدو وجود الذين نحبهم أمراً اعتيادياً إلى درجة أننا لا نفكر فيه كثيرًا. الأصوات في المنزل مألوفة، المقاعد ممتلئة، والوجوه التي نراها كل يوم تمنحنا طمأنينة خفية. لكن بعد الفقد، يتبدل كل شيء حتى وإن بقي كل شيء في مكانه. يصبح الصمت أثقل، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى طعنات مباغتة؛ صورة قديمة، رائحة عابرة، أو مقعد ظل فارغًا أكثر مما ينبغي. فالفقد لا يأخذ الأشخاص وحدهم، بل يأخذ أجزاء كاملة منا كانت تعيش بوجودهم.

وقبل المرض، يمضي الإنسان مطمئناً إلى جسده كأن العافية أمر أبدي، ثم تأتي لحظة التشخيص، اللحظة التي يسبق فيها الخوف كل شيء، حين تتحول كلمة صغيرة إلى عبء ثقيل يسقط على الروح دفعة واحدة، بعد تلك اللحظة لا يعود الإنسان كما كان، حتى لو بدا طبيعياً أمام الآخرين، ثمة هشاشة خفية تتسلل إليه، وإدراك قاسٍ بأن الحياة قادرة على التبدل فجأة ودون استئذان.

وقبل الخذلان، نمنح الآخرين قلوبنا بثقة كاملة، ونطمئن إلى العلاقات كأنها ثابتة لا تتغير، لكن بعد الخذلان، لا ينكسر القلب وحده، بل تختلف معه نظرتنا للأشياء كلها، يصبح الإنسان أكثر حذراً، وأقل اندفاعاً، وأكثر ميلاً للسكون.

وربما لهذا يبدو الإنسان هشاً وقوياً في الوقت ذاته؛ هشّ لأن خبراً واحداً قادر على بعثرة يقينه كله، وقوي لأنه، رغم ذلك، يواصل العيش، قد لا يعود كما كان تماماً، لكنه يتعلم شكلاً جديداً للحياة، أكثر وعياً بحقيقة الأشياء وأقل انخداعاً بوهم الديمومة.

ختاما

لهذا ربما علينا أن نكون أكثر رحمة ببعضنا البعض، لأننا لا نعرف أي لحظة "بعد" يعيشها الآخرون في داخلهم، فبعض الناس يبتسمون ويمضون في حياتهم بشكل يبدو طبيعياً، بينما هم في الحقيقة ما زالوا متسمّرين عند لحظة واحدة غيّرت كل شيء.

مساحة إعلانية