رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتجلى دور الإسلام في تحقيق السلام العالمي بتعزيز التعايش السلمي بين الناس، ونشر قيمة التراحم، ونبذ العنف والاعتداء بكل أشكاله، إضافة الى نشر ثقافة الحوار الهادف بين الأديان والثقافات على اختلافها، وذلك بغية تحقيق السلام لجميع المجتمعات الإنسانية.
إن السلام على الأرض هو مفهوم الحالة المثالية للسعادة والحرية، على مستوى الكرة الأرضية ككل، بالنظر الى الكرة الأرضية نجدها تتكون من ماء ويابس، ويغلب الماء في حجمه على اليابس، ولكن لم يمنع ذلك التواصل الانساني، أو يقيده بل زاده وطوره، لم يكن هناك حدود دولية حين خلق الله الكرة الأرضية بيابسها ومائها، بل تقسيماتها جاءت وليدة الإنسان منذ القدم، حيث قام بتقسيم الأراضي اليابسة بها الى دول ودويلات، وتملك الحكم فقسم الشعوب طبقات، واستولى على البحار، وبنى السدود، ومن هذا المنطلق نرى أن تقدم الدول وتأخرها يعتمد على رؤية قياداتها وحكامها، الأمر الذي يدعو كل مفكر أن يتساءل هل هو بخير؟ وهل العالم أجمع بخير؟.
إن الإنسانية اليوم تتطور في ظل حضارة عالمية واحدة تتميز بالتعدد الثقافي ولا يمكن الحديث عن صراع بين الحضارات، فالعالم يتجه لكي يصبح موحد الحضارة في ظل ثقافات متعددة، تتفاعل وتتجاور فيما بينها بشكل يومي.
وبناء علی تلك المعطیات عملت دولة قطر کدولة صاحبة سیادة ومكانة في العالم علی تعزیز ثقافة السلام داخلیا وخارجیا، لما له من دور بارز في تقویة ثقافة الحوار وتكامل الحضارات، وتوفیر المناخ الصالح لإقامة معايير الأمن والسلام والتنمية، وتحقيق الصالح العام للمجتمع الدولي. فتنطلق جهود دولة قطر من خلال إيمانها العميق بأن ثقافة الحوار، والطرق السلمية هي السبيل الوحید لحل النزاعات، وقد نالت ثناء من الأمم المتحدة لدعمها المستمر لمشروعات السلام والتنمية في العالم.
تقوم دولة قطر من الناحية السياسية بدور إصلاحي بين العديد من الدول التي تنشأ بينها نزاعات؛ فنجحت في إبرام العديد من الاتفاقيات لإحلال السلام في تلك الدول، كما تحرص دولة قطر باستمرار على حماية المجتمعات من مخاطر الإرهاب، وإنهاء النزاعات المسلحة، نرى ذلك واضحا حين ساهمت في تمويل البرنامج العالمي لتنفيذ اعلان الدوحة خدمة للسلام والتنمية في العالم (في اتفاقية وقعتها سنة 2015)، وذلك لتعزيز قدرات الدول النامية، وبالأخص مكافحة الجريمة المنظمة، وما يرتبط بها من جرائم المخدرات والإرهاب والفساد وتحصين الشباب في قطر والعالم الأجمع.
إن المجتمعات التي تفتقر الى الرفاهية لا تحقق الغايات الكبرى لشعبها، إن اغفال عنصر التنمية يجعل موضوع الديمقراطية في مهب الريح، إذ إن السلم والتنمية الديمقراطية توءمان، فالسلم شرط أساسي لعمليات التنمية، والديمقراطية ضرورية لاستدامة عملية التنمية.
تقوم الأهداف العامة للتنمية المستدامة والشاملة على القضاء على عدة أمور لو قامت بإزالتها أو ساهمت في انهاء تأثيرها فعلا من خريطة العالم، لعاش العالم أجمع وشعوبه في أمان تام، إن الفقر الذي يعاني منه البشر لا يمثل فقط قلة الدخل، بل يجسد أيضا في افتقارهم الى التعليم أو الرعاية الصحية أو حرمانهم من الكرامة والمشاركة في مجتمعهم المحلي.
اعتبرت الحكومات في شتى أنحاء العالم ما سبق محاور مهمة بدرجة جعلتها ترى أنها مسلمات من حقوق الانسان، وواجبة للشعوب، سواء في القانون الوطني أو القانون الدولي، ولذلك فإن السعي الى التنمية البشرية ليس عملا خيرا، بل هو عمل يتعلق بتهيئة بيئة تمكين للعيش بكرامة للناس، حتى يمارسوا خياراتهم التي تشمل حقوقهم المدنية، والاقتصادية، والاجتماعية.
إن ادماج مفاهيم حقوق الانسان في سياسات وبرامج التنمية هو من أهم برامج الأمم المتحدة المتجهة في حقوق الانسان، وبناء علی ذکر ما فات ستبقى قطر ملهمة وقادرة على تحقيق الإنجازات العملاقة في ترسيخ مكانتها كقوة عالمية فاعلة في مختلف المجالات، وعلی رأسها موضوعات حقوق الانسان وکرامته والعیش الكریم والتنمیة البشریة، خاصة أنها تحفل بكل المقومات التي تمكنها من الریادة والعالمیة.
الآن دعونا نحلل ما سبق في ضوء ملفات الأمم المتحدة الواردة من مشاريع دعمت ملفاتها، والسؤال هنا: لماذا يجب أن ندمج مفاهيم حقوق الانسان في سياسات وبرامج التنمية؟.
لقد تعهدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ووكالاتها بإدراج حقوق الانسان في سياسات وبرامج التنمية؛ فمنذ 1945م استنادا الى المادة رقم 1 من ميثاق الأمم المتحدة اتفقت الدول الأعضاء على تحقيق التعاون الدولي على حل المشكلات الدولية ذات الطابع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الانساني، وعلى تعزيز وتشجيع احترام حقوق الانسان، والحريات الأساسية لجميع الأفراد بدون النظر للعرق او الجنس او اللغة او الدين.
أقيمت في التسعينات صلة بين حقوق الانسان والتنمية من جديد بوسائل منها الأمم المتحدة عام 1997 بالتحديد حيث دعا الأمين العام "كوفي عنان" لذلك في خطته لإصلاح الأمم المتحدة، وأعربت الدول الأعضاء سنة 2000 عن احترامها جميع حقوق الانسان، ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا يتم ادماج مفاهيم حقوق الانسان في برامج التنمية الشاملة للدول الأعضاء، ويساهم ذلك قدما في تحقيق التقدم التام للتنمية البشرية، والتي تعتمد في قنواتها عبر برامج الأمم المتحدة على تحقیق الرفاهیة، والتمكين والعدل.
ولبرامج حقوق الانسان معايير تتضمنها (الإتاحة وإمكانية الوصول، والنوعية) ومفاد ذلك اتاحة المرافق والسلع والخدمات على الوجه المطلوب، وامكانية الوصول بمعنى وصولها لكافة شرائح المجتمع، والنوعية تعني ان تكون المرافق ملائمة ثقافيا لكل الشرائح السكانية ايضا.
إن ما ينطبق على الدول ينطبق على الأفراد، فلكل منا مفهومه الخاص عن السعادة، والجميع يريد الحصول عليها، وقد تعني للبعض الحصول المادي والمعنوي على الأشياء التي لا يملكها، وبسبب الضغط الشديد والإيمان بقيمة هذه الأشياء، تبدأ حياتنا فعلا، لكننا لا نتحكم بكل شيء فيها، من بدايتها الى نهايتها. ولكن هناك اختلاف لدى كل انسان في مفهومه الخاص عنها، فقد يرى البعض أن السعادة تكمن في الأخذ، في حين قد يراها البعض متمثلة في العطاء، ومساعدة الآخرين ماديا ومعنويا.
وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول في قراراتها، إن معرفة أحوال الشعوب، ومراعاة ظروفها، وتحقيق مآربها في شتى المجالات على المستويين المادي والمعنوي، هو من أسمى علامات الخلق القويم، ويدل ذلك على النظرة الثاقبة والحكمة الرشیدة وجودة النظر في سياسة الأمور، وحسن التصرف يأتي بحسن العواقب، ومما يزيد من اكتساب الأخلاق الرفيعة لأبناء هذه الدول، باعتبار قيادتها الرشيدة قدوة، وتصل بطيب أخلاقها الى قلوب بقية الدول قادة وشعوبا.
يقول الشاعر ابن عبد البر؛ يوسف بن عبد الله بن محمد (بهجة المجالس وأنس المجالس):
وإذا أحب الله يوما عبده * ألقى عليه محبة في الناس
وأنا أقول:
وإذا أحب الله يوما أمرَ دولة * ألقى عليها المحبة في باقي الدول
تؤتي الخير آمالٌ بكل جولة * كأنها الزهرُ في ضوء يشع به الأملِ
الهوية التي انتصرت مع المونديال
•انطلقت كأس العالم 2026 بتنظيم ثلاثي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط أجواء صيفية وحماسية، لتنطلق معها... اقرأ المزيد
57
| 17 يونيو 2026
حكمة وحنكة القادة.. ونعمة الأمن وسط العواصف
لا شك أن منطقة الخليج تمر بواحدة من أدق وأخطر المراحل في تاريخها الحديث. فالأزمات تتلاحق، والتوترات الإقليمية... اقرأ المزيد
81
| 17 يونيو 2026
تجليات الروح بين الباراسيكولوجي وعمق الإيمان
الوقوف على حدود الوعي البشري وسبر أغواره ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو رحلة استقصائية في جوهر الكينونة... اقرأ المزيد
75
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7386
| 14 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
4593
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4389
| 15 يونيو 2026