رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتجلى دور الإسلام في تحقيق السلام العالمي بتعزيز التعايش السلمي بين الناس، ونشر قيمة التراحم، ونبذ العنف والاعتداء بكل أشكاله، إضافة الى نشر ثقافة الحوار الهادف بين الأديان والثقافات على اختلافها، وذلك بغية تحقيق السلام لجميع المجتمعات الإنسانية.
إن السلام على الأرض هو مفهوم الحالة المثالية للسعادة والحرية، على مستوى الكرة الأرضية ككل، بالنظر الى الكرة الأرضية نجدها تتكون من ماء ويابس، ويغلب الماء في حجمه على اليابس، ولكن لم يمنع ذلك التواصل الانساني، أو يقيده بل زاده وطوره، لم يكن هناك حدود دولية حين خلق الله الكرة الأرضية بيابسها ومائها، بل تقسيماتها جاءت وليدة الإنسان منذ القدم، حيث قام بتقسيم الأراضي اليابسة بها الى دول ودويلات، وتملك الحكم فقسم الشعوب طبقات، واستولى على البحار، وبنى السدود، ومن هذا المنطلق نرى أن تقدم الدول وتأخرها يعتمد على رؤية قياداتها وحكامها، الأمر الذي يدعو كل مفكر أن يتساءل هل هو بخير؟ وهل العالم أجمع بخير؟.
إن الإنسانية اليوم تتطور في ظل حضارة عالمية واحدة تتميز بالتعدد الثقافي ولا يمكن الحديث عن صراع بين الحضارات، فالعالم يتجه لكي يصبح موحد الحضارة في ظل ثقافات متعددة، تتفاعل وتتجاور فيما بينها بشكل يومي.
وبناء علی تلك المعطیات عملت دولة قطر کدولة صاحبة سیادة ومكانة في العالم علی تعزیز ثقافة السلام داخلیا وخارجیا، لما له من دور بارز في تقویة ثقافة الحوار وتكامل الحضارات، وتوفیر المناخ الصالح لإقامة معايير الأمن والسلام والتنمية، وتحقيق الصالح العام للمجتمع الدولي. فتنطلق جهود دولة قطر من خلال إيمانها العميق بأن ثقافة الحوار، والطرق السلمية هي السبيل الوحید لحل النزاعات، وقد نالت ثناء من الأمم المتحدة لدعمها المستمر لمشروعات السلام والتنمية في العالم.
تقوم دولة قطر من الناحية السياسية بدور إصلاحي بين العديد من الدول التي تنشأ بينها نزاعات؛ فنجحت في إبرام العديد من الاتفاقيات لإحلال السلام في تلك الدول، كما تحرص دولة قطر باستمرار على حماية المجتمعات من مخاطر الإرهاب، وإنهاء النزاعات المسلحة، نرى ذلك واضحا حين ساهمت في تمويل البرنامج العالمي لتنفيذ اعلان الدوحة خدمة للسلام والتنمية في العالم (في اتفاقية وقعتها سنة 2015)، وذلك لتعزيز قدرات الدول النامية، وبالأخص مكافحة الجريمة المنظمة، وما يرتبط بها من جرائم المخدرات والإرهاب والفساد وتحصين الشباب في قطر والعالم الأجمع.
إن المجتمعات التي تفتقر الى الرفاهية لا تحقق الغايات الكبرى لشعبها، إن اغفال عنصر التنمية يجعل موضوع الديمقراطية في مهب الريح، إذ إن السلم والتنمية الديمقراطية توءمان، فالسلم شرط أساسي لعمليات التنمية، والديمقراطية ضرورية لاستدامة عملية التنمية.
تقوم الأهداف العامة للتنمية المستدامة والشاملة على القضاء على عدة أمور لو قامت بإزالتها أو ساهمت في انهاء تأثيرها فعلا من خريطة العالم، لعاش العالم أجمع وشعوبه في أمان تام، إن الفقر الذي يعاني منه البشر لا يمثل فقط قلة الدخل، بل يجسد أيضا في افتقارهم الى التعليم أو الرعاية الصحية أو حرمانهم من الكرامة والمشاركة في مجتمعهم المحلي.
اعتبرت الحكومات في شتى أنحاء العالم ما سبق محاور مهمة بدرجة جعلتها ترى أنها مسلمات من حقوق الانسان، وواجبة للشعوب، سواء في القانون الوطني أو القانون الدولي، ولذلك فإن السعي الى التنمية البشرية ليس عملا خيرا، بل هو عمل يتعلق بتهيئة بيئة تمكين للعيش بكرامة للناس، حتى يمارسوا خياراتهم التي تشمل حقوقهم المدنية، والاقتصادية، والاجتماعية.
إن ادماج مفاهيم حقوق الانسان في سياسات وبرامج التنمية هو من أهم برامج الأمم المتحدة المتجهة في حقوق الانسان، وبناء علی ذکر ما فات ستبقى قطر ملهمة وقادرة على تحقيق الإنجازات العملاقة في ترسيخ مكانتها كقوة عالمية فاعلة في مختلف المجالات، وعلی رأسها موضوعات حقوق الانسان وکرامته والعیش الكریم والتنمیة البشریة، خاصة أنها تحفل بكل المقومات التي تمكنها من الریادة والعالمیة.
الآن دعونا نحلل ما سبق في ضوء ملفات الأمم المتحدة الواردة من مشاريع دعمت ملفاتها، والسؤال هنا: لماذا يجب أن ندمج مفاهيم حقوق الانسان في سياسات وبرامج التنمية؟.
لقد تعهدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ووكالاتها بإدراج حقوق الانسان في سياسات وبرامج التنمية؛ فمنذ 1945م استنادا الى المادة رقم 1 من ميثاق الأمم المتحدة اتفقت الدول الأعضاء على تحقيق التعاون الدولي على حل المشكلات الدولية ذات الطابع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الانساني، وعلى تعزيز وتشجيع احترام حقوق الانسان، والحريات الأساسية لجميع الأفراد بدون النظر للعرق او الجنس او اللغة او الدين.
أقيمت في التسعينات صلة بين حقوق الانسان والتنمية من جديد بوسائل منها الأمم المتحدة عام 1997 بالتحديد حيث دعا الأمين العام "كوفي عنان" لذلك في خطته لإصلاح الأمم المتحدة، وأعربت الدول الأعضاء سنة 2000 عن احترامها جميع حقوق الانسان، ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا يتم ادماج مفاهيم حقوق الانسان في برامج التنمية الشاملة للدول الأعضاء، ويساهم ذلك قدما في تحقيق التقدم التام للتنمية البشرية، والتي تعتمد في قنواتها عبر برامج الأمم المتحدة على تحقیق الرفاهیة، والتمكين والعدل.
ولبرامج حقوق الانسان معايير تتضمنها (الإتاحة وإمكانية الوصول، والنوعية) ومفاد ذلك اتاحة المرافق والسلع والخدمات على الوجه المطلوب، وامكانية الوصول بمعنى وصولها لكافة شرائح المجتمع، والنوعية تعني ان تكون المرافق ملائمة ثقافيا لكل الشرائح السكانية ايضا.
إن ما ينطبق على الدول ينطبق على الأفراد، فلكل منا مفهومه الخاص عن السعادة، والجميع يريد الحصول عليها، وقد تعني للبعض الحصول المادي والمعنوي على الأشياء التي لا يملكها، وبسبب الضغط الشديد والإيمان بقيمة هذه الأشياء، تبدأ حياتنا فعلا، لكننا لا نتحكم بكل شيء فيها، من بدايتها الى نهايتها. ولكن هناك اختلاف لدى كل انسان في مفهومه الخاص عنها، فقد يرى البعض أن السعادة تكمن في الأخذ، في حين قد يراها البعض متمثلة في العطاء، ومساعدة الآخرين ماديا ومعنويا.
وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول في قراراتها، إن معرفة أحوال الشعوب، ومراعاة ظروفها، وتحقيق مآربها في شتى المجالات على المستويين المادي والمعنوي، هو من أسمى علامات الخلق القويم، ويدل ذلك على النظرة الثاقبة والحكمة الرشیدة وجودة النظر في سياسة الأمور، وحسن التصرف يأتي بحسن العواقب، ومما يزيد من اكتساب الأخلاق الرفيعة لأبناء هذه الدول، باعتبار قيادتها الرشيدة قدوة، وتصل بطيب أخلاقها الى قلوب بقية الدول قادة وشعوبا.
يقول الشاعر ابن عبد البر؛ يوسف بن عبد الله بن محمد (بهجة المجالس وأنس المجالس):
وإذا أحب الله يوما عبده * ألقى عليه محبة في الناس
وأنا أقول:
وإذا أحب الله يوما أمرَ دولة * ألقى عليها المحبة في باقي الدول
تؤتي الخير آمالٌ بكل جولة * كأنها الزهرُ في ضوء يشع به الأملِ
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9489
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3453
| 22 أكتوبر 2026