رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"الوقائع كائنات مقدسة، تُمارس انتقاماً بشعاً من الباحث الذي يتظاهر أنها غير موجودة". لا تنطبق هذه المقولة التي تُنسب لأحد مؤرخي اليونان القديمة على الباحثين فقط، وإنما يصدقُ مضمونها، بدرجةٍ أكبر، على صانع القرار السياسي.
بعيداً عن التحليلات التقليدية، قد تكون "واقعية" الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومعها صراحتهُ، خيراً على حاضر العرب ومستقبلهم، إذا عرف هؤلاء كيف يتعاملون مع تلك الحقيقة.
نحن اليوم بإزاء رئيسٍ أمريكي يواجهنا كعرب، ربما لأول مرة، بحقيقة أفكاره تجاه المنطقة وأهلها. ليس هذا فقط، بل إنه ماضٍ في طريقه فعلياً، كالبلدوزر، لتنزيل أفكاره، بحيث تصنع السياسات العملية على الأرض.
لا ينفع التعامل مع هذا الواقع "الجديد" بمنطق المناكفة الإعلامية، ولا يجدي فيه بالتأكيد مدخل الشتيمة والهجاء والاستنكار. فالرجل يعمل لتحقيق المصالح القومية الأمريكية كما يراها هو وفريقه من المستشارين والخبراء والساسة. وبغض النظر عن تقويمنا لدرجة النجاح والفشل في ذلك من وجهة نظرنا كعرب، فإن من الواضح أن المقياس الأول والأخير الذي تستخدمه الإدارة الأمريكية الحالية في تعاملها مع المنطقة يتمثل فيما تُظهرهُ كل دولة فيها من قوتها الإقليمية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفي كل مجالٍ آخر.
في هذا الإطار، تنبغي قراءة "الاتفاق" النووي الأخير مع إيران بطريقةٍ مختلفة. فرغم التهليل الدعائي والإعلامي الذي شجعته الحكومة الإيرانية داخل إيران وفي المنطقة عن "انتصارها" في المفاوضات، يَطرح تحليل الموضوع بدقة استنتاجاً آخر.
تُمكن العودة، كمثال، لما كتبه حسين شريعتمداري، مستشار المرشد خامنئي، في صحيفة (كيهان) الإيرانية منذ أيام، فالرجل تحدث عن تخفيض أجهزة الطرد من 20 ألفاً إلى 5 آلاف، وعن إجبار إيران على العودة لأقدم نموذجٍ منها، وعن تخفيض حجم المخزون من اليورانيوم المخصب من قرابة 10 آلاف كيلو جرام إلى 300 كيلو جرام فقط! وعن تعهدات إيران في الاتفاق التي وصفها بأنها "تعهدات واضحة وشفافة لا يمكن التنصّل منها"، بينما بالمقابل "لم يلتزم الجانب الغربي بأي شيء"، مع الإشارة أخيراً إلى أن "اتفاق لوزان لم يتحدث عن إلغاء العقوبات، بل عن تعليقها، ناهيك عن أن التعليق يقتصر على بعض العقوبات فحسب، وهذا الإجراء يُنفذ خلال 10-15 عاماً على وقع تقويم (سلوك) إيران".
ليتساءل بعد ذلك: "هل يمكن اعتبار ما حصل في لوزان إنجازاً نفتخر به؟". أكثر من هذا، اعتبر شريعتمداري خلال مقابلة مع وكالة أنباء "فارس" أن "هذا الاتفاق يعني أننا سلمنا الحصان واستلمنا عنانه فقط".
واضحٌ إذاً أن أمريكا حصلت على ما تريده تحديداً، وأنها اصطادت ثلاثة عصافير بحجرٍ واحد: تحييد إيران "نووياً" إلى عقدٍ من الزمن على الأقل، و"تقنين" موضوع الرقابة عليها ليُصبح تدريجياً أمراً طبيعياً كما حدث مع عِراق صدام، وفتحُ "حنفية" الاقتصاد لها قليلاً ليستمر دورُها في استنزاف وإنهاك المنطقة، وهي تجري خلف أوهامها الإمبراطورية المجنونة. لا يجب أن ننسى هنا أمرين: إمكانية إلغاء المعاهدة على الدوام من قبل أي إدارةٍ أمريكية ترى ذلك، وفي أي وقت. والإمكانية الدائمة لعمليةٍ عسكرية تقوم بها إسرائيل حين ترى خطراً حقيقياً في أي تطور.
رغم كل هذا، ستضطر إيران لقبول الاتفاق مُرغمةً لتحقيق هدف رفع العقوبات، وهو الأمر الوحيد الذي سينقذ السلطة الإيرانية، بِمَلاليها وسَاسَتها، من الفشل الكامل. فهذا الرفع سيُنعش الاقتصاد الإيراني لدرجةٍ معينة، ويغطي شيئاً من تكاليف التدخل في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها. وهذا ما لا تُمانع به أمريكا، بمنهجها السياسي البراجماتي.
تلك هي المعادلة التي سيضطر العرب للتعامل معها. والمطلوب في التحضيرات للحوار الصعب الذي تحدث أوباما عنه مع الحلفاء الخليجيين رفع السقف إلى أقصاه.
كانت "عاصفة الحزم" الخطوة الأولى في الموضوع، لكن الخطوة الثانية يمكن أن تحصل في سوريا، حيث يمكن قطع شرايين التدخل الإيراني في المنطقة بشكلٍ حاسم. وهو، للمفارقة، ما أشار إليه أوباما نفسه حين ذكر، في مقابلته الشهيرة الأسبوع الفائت في صحيفة نيويورك تايمز، أن دول الخليج يتعين عليها أن تكون أكثر فعاليةً في معالجة الأزمات الإقليمية، وبعد حديثه عن إمكانية قيام أمريكا بـ"القيام بشيء" فيما يخص الموضوع السوري، أكمل قائلاً: "ولكن السؤال هو: "لماذا لا نرى عرباً يحاربون الانتهاكات الفظيعة التي ترتكب ضد حقوق الإنسان أو يقاتلون ضد ما يفعله الأسد؟".
إلى هذا، واصل الرئيس الأمريكي صراحته مع العرب مؤكداً: "إن أكبر خطر يتهددهم ليس التعرض لهجوم محتمل من إيران، وإنما السخط داخل بلادهم بما في ذلك سخط الشبان الغاضبين والعاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم".
فهل يمكن، كما ذكرنا سابقاً، توظيف الفرصة التاريخية التي ظهرت مع انطلاق "عاصفة الحزم"، والتي مثلت درجة غير مسبوقة من "الالتحام" الرسمي / الشعبي، وحملت معها إمكانية تجاوز مأزق الصراع بين الحاكم والمحكوم؟ وذلك من خلال رؤيةٍ سياسية داخليةٍ عربية جديدة ، وتُطلق عمليات تنمية حقيقية.
ثمة تحدٍ آخر يواجهه العرب، ويتمثل في التنسيق الخفي والمُعلن الروسي الإيراني. فخلال الأسبوع الماضي، أطلقت كل من روسيا وإيران والعراق ثلاث "مبادرات" تتعلق بالوضع في اليمن، من الواضح أنها تهدف لشراء الوقت ووقف زخم وإنجازات "عاصفة الحزم" أكثر من أي شيءٍ آخر. لهذا، كان طبيعياً أن يعلن السفير السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، أن بلاده لا ترى ضرورة لمشروع قرار روسي بشأن اليمن، وأن هذا القرار جاء "للتشويش" على القرار العربي في المجلس.
أخيراً، تبقى، بالمقابل، إشكالية افتقاد التماسك الحقيقي القوي في صف التحالف العربي مع كل من تركيا وباكستان. فالصف المذكور نفسهُ يُعاني من خلخلةٍ، يعرف أصحاب القرار وجودها، ولا يكفي في التعامل معها تجاهُلها إعلامياً، بل تحتاج إلى معالجةٍ سياسية تقوم على مصارحات جذرية. وعلى نفس الخلفية يأتي موقف البرلمان الباكستاني من "عاصفة الحزم"، ومحاولات جر تركيا إلى التركيز على ما يُسمى بـ "حلٍ سياسي" في اليمن، يرمي في الحقيقة إلى إعادة الزمن إلى الوراء، وإزالة آثار "الاختراق" العربي الذي بدأ بـ"عاصفة الحزم" في الإقليم بأسره.
لقد أكد الصحفي توماس فريدمان، الذي أجرى المقابلة مع أوباما، أنها حصلت بناءً على دعوة الرئيس. وهذا يعني أن الرجل أراد إرسال رسائل صريحة وعلنية وقوية للعرب جميعاً، وللخليجيين تحديداً، مع تصاعد احتمال تصديهم لتوجيه دفة الأحداث في المنطقة، بقيادةٍ سعودية. فكيف يكون الرد على تلك الرسائل؟.
هل يحصل "الحوار الصعب" مع أوباما وقد سجل العرب جملةً من النقاط الجديدة والقوية لمصلحتهم تتعلق بالتحديات السابقة؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ستُحدد الإجابة عنه مصير العرب إلى أمدٍ قادم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2829
| 27 فبراير 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1185
| 04 مارس 2026