رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشير الإحصائيات الصادرة من الجهات الرسمية إلى أن معدلات تسجيل المركبات الخاصة (خصوصي) تزيد شهراً بعد آخر، وأن تراخيص السائقين في ازدياد بنسب تفوق 16% عن الشهر الذي يسبقه، وتسجيل المركبات للاستعمالات الأخرى في ازدياد أيضاً، ويقال إن أكثر من خمسمائة مركبة جديدة من جميع الأنواع تنزل إلى شوارع الدولة يومياً، أي بمعدل يزيد عن خمس عشرة ألف مركبة شهرياً، ليكون العدد السنوي بما يفوق مائة وثمانين ألف مركبة سنوياً على أقل تقدير، في الوقت الذي أصيبت فيه شرايين (شوارع) قلب مدينة الدوحة بالإنسداد والتجلط في بعض الأماكن، ولم يعد علاجها بالقسطرة ناجعاً، إذ الأمر يحتاج إلى تغيير كامل لشرايين قلب المدينة وعمل صمامات ودعائم وجسور وأنفاق ومواقف وأجهزة حديثة لتسهيل تدفق مئات الآلاف من المركبات الخفيفة والثقيلة والآليات والحافلات والشاحنات عبر شوارع مدينة الدوحة المتعبة، والتي أثقلنا عليها وحملناها بما يفوق طاقتها الاستيعابية التي صممت من أجلها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
وبلغ عدد السيارات في قطر عام 2013 أكثر من مليون سيارة، في حين أن عدد السيارات عام 2005 لم يكن يتجاوز الـ 250 ألف سيارة، ما يعني تضاعف عدد السيارات 3 مرات خلال ثماني سنوات.
أصبح الجميع في الدولة يملكون سيارات، من المواطنين والمقيمين، ولدى معظم البالغين ذكوراً وإناثاً رخص قيادة، والشوارع غير مؤهلة لاستيعاب هذا العدد من السيارات. هذه هي المعضلة التي يجب أن توجه الجهود إلى معالجتها. نزول آلاف المركبات الجديدة إلى الشوارع شهرياً وهي غير قادرة على استيعاب هذا العدد الهائل من السيارات والمركبات التي يرخص لها، ومن البديهي أن الحل يجب أن ينصب على إما التقليل من الترخيص للسيارات الجديدة أو العمل على توسعة الطرقات، والأمر الأخير يكاد يكون شبه مستحيل بالنسبة للشوارع، إذ إنه بالرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على تملك الكثير من العقارات للمنفعة العامة داخل المدينة، إلا أن الطرق لم تحظَ بالاهتمام لتوسعتها، إذ بقيت على سعتها وحالتها، ومن العسير الآن توسعتها. وطريق الكورنيش استنفد كافة أعمال التطوير والتوسعة، ووصلت قدرته الاستيعابية إلى أقصى الحدود، دون أن ينعكس ذلك على انسياب ومرونة حركة السير بوجه عام.
صفوة القول أن لب المشكلة التي تعاني منها الشوارع ناتجة عن عدم قدرتها على استيعاب هذا العدد الهائل من السيارات والمركبات التي يرخص لها يومياً بالنزول إلى حلبة مزدحمة بمستعملي الطرق، دون أن يقابل هذا العدد أي تغيير جذري على الطرقات والميادين في قلب مدينة الدوحة.
إن الترخيص لآلاف المركبات الجديدة أسبوعياً ونزولها إلى الشوارع دون ضوابط ودون الالتفات إلى القدرة الاستيعابية للطرق مؤداه ونتيجته المنطقية بلا جدال مزيداً من الازدحام والتكدس والفوضى والاختناقات المرورية في جميع الطرقات. والمعلوم أن جميع شوارع وسط المدينة صممت وخططت منذ ما يزيد على الخمسين عاماً ولازالت هذه الطرقات هي التي تتحمل ما نسبته أكثر من 80% من حركة السير في العاصمة؛ لأنها هي التي تصل مناطق شمال العاصمة بجنوبها وشمالها وشرقها بغربها والعكس.
والحقيقة التي يجب بيانها أنه بالرغم مما أنفق من مئات الملايين من الريالات على الطرق طيلة السنوات الماضية، إلا أن الطرق العامة والميادين الرئيسية في العاصمة بقيت على حالها مع إجراء بعض التغييرات مثل ضم بعض الأرصفة إلى نهر الطريق أو تحويل واستبدال الدوارات بإشارات مرور أو تركيب إشارات ضوئية على بعض الدوارات، وهي حلول وقتية ومسكنات مهدئة دون وضع خطة متكاملة لاعادة تخطيط هذه الطرق واخضاعها لعمليات تغيير جذرية بحيث يؤدي كل طريق دوره في استيعاب الحركة المرورية بشكل انسيابي ومتكامل لتحقيق دورة مرورية كاملة دون عوائق.
كل ذلك أدى إلى أن أصبح مركز المدينة يفتقد إلى وجود شوارع وطرق حديثة ذات تصاميم هندسية عالمية يراعى فيها الاتساع وعوامل السلامة والتقاطعات الانسيابية من جسور وأنفاق وأجهزة حديثة للمراقبة والإرشاد، ومواقف للسيارات متعددة الطوابق في الأسواق العامة وغيرها.
إن عمليات الترقيع الوقتية للشوارع طيلة السنوات الماضية والغير مخطط لها أفرزت شوارع وطرقات مشوهة من ناحية استخداماتها واستيعابها لحركة المرور وكذلك من النواحي الجمالية، ونضرب مثالاً لذلك ما يحصل الآن في تقاطع رمادا من تعديلات وضم أرصفة من جميع نواحي التقاطع إلى نهر الشارع، وأجزم أن هذه التعديلات ليس لها أي ارتباط بخطة مرورية مدروسة، ومن اقترح هذه التعديلات كانت نظرته سطحية لا تعالج الأزمة الحقيقية التي يعاني منها هذا التقاطع وأهميته في حركة المرور بشكل عام.
هذا التقاطع – أقصد تقاطع رمادا – منذ أن كان تصميمه دواراً تزداد أهميته يوماً بعد يوم وتزيد عليه الكثافة المرورية وتتكدس على مداخله آلاف السيارات طيلة اليوم؛ لأنه يقع وسط أكثر الشوارع أهمية، طريق الدائري الثالث جنوباً وشارع الشيخ سحيم بن حمد شمالاً وشارع سلوى غرباً وشارع مشيرب جنوباً، ووقوع هذا التقاطع بين هذه الاتجاهات الأربع يفرض بكل بساطة أن يكون تصميمه الهندسي من الجسور والأنفاق وليس الإشارات الضوئية التي لن تقدر ولن تقوى على تحمل الكثافة المرورية وتوزيعها إلى الاتجاهات الخارجة منه والقادمة إليه.
الجميع يعاني الكثير من إغلاقات الشوارع والتحويلات والحفر، على أمل أن يروا طرقاً وشوارع ومواقف وجسورا وأنفاقا تسهل لهم التنقل والانتقال عبر طرق وشوارع آمنة وسهلة دون أزمات أو اختناقات، إلا أنه يبدو أن هذه المعاناة لن تنتهي سريعاً، إذ زادت معاناتهم وأصبح التنقل من المنزل إلى العمل أو العكس كابوساً ويتحتم على كل سائق قبل أن يشرع في قيادة سيارته أن يضع مخططاً لطريق سيره للوصول إلى مقصده، ومع ذلك يفاجأ بأن خطته أجهضت بسبب غلق مفاجئ للطريق أو حادث مروري أو تحويل السير من طريق إلى آخر من قِبل أحد رجال المرور، عندها يتحدث مع نفسه ليتني سلكت الطريق الآخر، وتستمر المعاناة.
وتكمن خطورة الاختناقات المرورية فيما حذرت منه مصادر طبية من ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والربو والحساسية والتلوث الناتج عن عوادم السيارات، والأمراض العصبية والنفسية، إضافةً إلى الخسائر الاقتصادية التي تصيب الدولة والأفراد من ضياع الوقت وساعات العمل وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع حرارة الجو.
وضريبة الازدحام المروري في الشوارع باهظة، وليس أدل على ذلك من تأثيره على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد لقلة الزيارات بين الأقارب وحضور حفلات الزفاف وتقديم العزاء.
خلاصة القول أن هذا الاختناق المروري له آثار سلبية على البيئة والمجتمع وصحة الناس، إذ يسلب الاختناق المروري وقتهم وأموالهم وصحتهم وأعمارهم.
ولكن ما هي الحلول لمشكلة المرور التي نعايشها؟
بدايةً لا أتفق مع القائلين أن مشكلة الازدحام المروري مشكلة عامة تعاني منها معظم الدول، وببساطة أقول إن هناك دولا ومدنا يعيش فيها الملايين من البشر، وترى الحركة المرورية في شوارعها انسيابية ومنظمة ويصل الناس إلى أعمالهم ومنازلهم بهدوء.
ويفترض في مدينة أو عاصمة بحجم مدينة الدوحة أن لا تكون لدينا أزمات مرورية خانقة طبقاً لما نعايشه يومياً، وأن لا يكون في الشوارع هذا العدد الكبير من السيارات، وألا تكون لدينا هذه الطوابير من اصطفاف السيارات الممتدة لمسافة قد تصل إلى كيلومتر واحد أو أكثر خلف إشارة ضوئية أو تقاطع، وألا تستطيع سيارة مطافئ أو إسعاف الوصول إلى مكان الحريق لإطفائه أو إسعاف مريض إلا بصعوبة.
لقد تضافرت عدة عوامل وأسباب فأوجدت ما نعانيه من مشكلة الاختناقات المرورية، أهمها انعدام التخطيط العام للطرق في الدولة، وغياب علم هندسة المرور الذي يختص بإجراء دراسات المرور والسلامة المرورية والنقل العام ودراسة الجدوى من إنشاء الطرق والدراسات المرورية التشغيلية للحفاظ على مستوى الخدمة المقبول، وهناك الكثير من الواقع الذي يدلل على غياب التخطيط العام للطرق، ومنه ما ألمحنا إليه عن تقاطع رمادا.
أما السبب الثاني والمهم أيضاً فهو زيادة عدد السيارات والمركبات التي تسير في الطرقات، مقارنةً بمساحات الشوارع وحجم استيعابها، لاسيما في قلب مدينة الدوحة، والطرق الحيوية والتجارية التي لا تقوى على استيعاب هذا الكم الهائل من الشاحنات ومركبات النقل الثقيلة والسيارات الخاصة وغيرها.
من هنا بات من الضروري وضع ضوابط وأحكام بالنسبة لاقتناء المركبات الخاصة، والسبب الثالث هو حداثة النقل العام ومحدودية خطوطه وقلة الحافلات العاملة على خطوط رئيسية وطول انتظار الحافلات الذي يفصل بين وصول الحافلة إلى المحطة والحافلة الأخرى، والذي قد يطول لأكثر من نصف ساعة وأكثر، مما دفع بالكثير من الوافدين ذوي الدخول المحدودة إلى تفضيل اقتناء السيارات الخاصة المستعملة ذات الأسعار الرخيصة، مما يزيد مشكلات المرور والضغط على الطرق والشوارع، والمعلوم أن من أخص إيجابيات توفير النقل العام في جميع الدول – ومنها الدول المتقدمة – استغناء الأفراد عن استعمال السيارات الخاصة والاعتماد على الحافلات العامة التي تحمل الواحدة منها عشرات الركاب الذين سوف يستغنون عن استعمال عشرات السيارات الخاصة، بما يخفف الضغط على الشوارع.
من هنا، كانت الجهود المتواصلة التي تقوم بها العواصم الكبيرة الغنية والفقيرة فيها بتوفير أحدث وسائل النقل المختلفة للأفراد ولكافة طبقاتهم وعلى مدار الساعة، وحثهم على استعمال المواصلات العام بدلاً من السيارات الخاصة.
صفوة القول، أن عوامل الاختناقات المرورية في الشوارع باتت معروفة ومعلومة وهي ليست بالمعضلة التي لا يمكن حلها، بل إن حلها ممكن، إذ لا توجد مشكلة دون حل، والأمر يحتاج إلى تضافر جهود الجميع من أفراد وهيئات ومؤسسات وجهات أخرى، وإصدار قرارات ولوائح تضع في اعتبارها التقليل من حركة السيارات في الشوارع ما أمكن. ذلك أن المراقب لحركة السير يرى أن معظم الشوارع الحيوية مكتظة طيلة اليوم، ولم يعد الزحام المروري مقصوراً على وقت معين محدد، بل إنه يمتد إلى أوقات طويلة من اليوم، ولم يعد الزحام مرتبطاً بأوقات وساعات ذروة محددة كما كان عليه الأمر في السنوات السابقة.
وفي اعتقادي أن سبب ذلك يعود إلى عدم وجود تنسيق بين الجهات المختلفة في الدولة وترك أمور وحاجات ومتطلبات المواطنين وتقديم الخدمات لهم دون تنظيم، وتأييداً لذلك أتساءل لماذا يطلب من معلمة قطرية تسكن في منطقة الدفنة أن تعمل في مدرسة في أم صلال؟ ومن تسكن في أم صلال تعطى عملاً في منطقة مسيمير، وهكذا تمتلئ الشوارع بالسيارات، فمن يسكن بالجنوب يعطى عملاً في الشمال، ومن يقطن في الشرق يعمل في الغرب، والعكس. وحال الطلاب كذلك والعاملين في الوزارات الذين يقطعون عشرات الكيلومترات ذهاباً واياباً من مساكنهم إلى مقار أعمالهم بما يحدث فوضى مرورية وزحاما يمكن معالجته لو أن الإدارات المعنية أصدرت قرارات ووضعت ضوابط لقبول الطلاب في مدارس بالقرب من مساكنهم، والمدرسين والمدرسات يعملون في الأحياء التي يسكنون فيها، وهذا الأمر كان معمولاً به في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إلا أنه للأسف الشديد تم إهماله في السنوات الأخيرة، ومن نتائجه الوخيمة أن أصبح المواطن يقضي معظم ساعات يومه في الشوارع.
وأخيراً، إن مشكلة الاختناقات المرورية لن تحل بالوعود والأماني والصبر، بل تحتاج إلى عمل دؤوب وتنسيق، من وبين جميع الجهات المختصة، وإلا فإن الأمر سوف يزداد سوءاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
4836
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3822
| 30 أكتوبر 2026