رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

[email protected]
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

24

أمل عبدالملك

تقبل الاختلاف

11 أكتوبر 2026 , 12:00ص

كم من علاقة جميلة انتهت بسبب اختلاف في الرأي؟ وكم من صداقة عميقة تصدّعت لأن أحد الطرفين لم يحتمل أن يرى الآخر الحياة من زاوية مختلفة؟ وكم من إنسان خسرناه، لا لأنه أساء إلينا، بل لأنه ببساطة لم يفكر مثلنا، ولم يتبنَّ قناعاتنا، ولم يصفّق لأفكارنا؟!

يبدو أننا في زمن أصبح فيه الاختلاف تهمة، والمخالفة في الرأي سببًا كافيًا للحكم على الآخرين، بل والتقليل من شأنهم أحيانًا!

وكأن الحقيقة ملكية خاصة، نحتفظ بمفاتيحها وحدنا، ومن لا يدخل من أبوابنا فهو بالضرورة جاهل، أو مخطئ، أو أقل وعيًا وفهمًا!

لكن من قال إن كل من لا يشبهني أقل مني؟ ومن منحني الحق في تصنيف البشر وفقًا لمدى اتفاقهم معي؟!

الحياة أوسع بكثير من قناعاتنا الشخصية، والناس ليسوا نسخًا متطابقة من تجاربنا وتربيتنا وثقافتنا، فلكل إنسان حكاية صنعت وعيه، ومواقف شكّلت أفكاره، وتجارب قد لا نعرف عنها شيئًا، لكنها كانت كفيلة بأن تجعله يرى الأمور بطريقة تختلف تمامًا عن رؤيتنا.

قد أرى في موقف ما شجاعة، بينما يراه غيري تهورًا، وقد اعتبر الصمت حكمة، ويراه آخر ضعفًا، وقد اتخذ قرارًا أؤمن بأنه الأنسب لحياتي، بينما يختار غيري طريقًا مغايرًا، دون أن يعني ذلك أن أحدنا أفضل من الآخر.

المشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في تلك الرغبة الخفية لدى البعض في الانتصار لأنفسهم، حتى لو كان الثمن جرح الآخرين أو تحقير أفكارهم، وكأن الحوار لم يعد وسيلة للفهم، بل معركة يجب أن يخرج منها طرف منتصر وآخر مهزوم!

والأكثر إيلامًا أن هذا السلوك لم يعد حكرًا على الغرباء، بل تسلّل إلى بيوتنا وعلاقاتنا الأقرب بين الإخوة والأصدقاء والأزواج، وحتى بين الآباء وأبنائهم، فأصبح البعض يخشى التعبير عن رأيه بصراحة، لا خوفًا من الخطأ، بل خوفًا من أن يُساء فهمه، أو يُحاكم على اختلافه، أو يخسر مكانته في قلب من يحب.

أما منصات التواصل الاجتماعي، فقد زادت المشهد تعقيدًا، حين تحوّلت بعض النقاشات إلى ساحات للتجريح والسخرية، وأصبح إصدار الأحكام على الأشخاص أسرع من محاولة فهم وجهات نظرهم، نقرأ جملة، فنختصر فيها إنسانًا كاملًا، ونرى موقفًا، فنحاكم من خلاله تاريخًا طويلًا من المواقف والتجارب!

علينا أن ندرك أن احترام الرأي المختلف لا يعني بالضرورة الموافقة عليه، وأن تقبّل الإنسان لا يفرض علينا تبنّي أفكاره، فمن حقنا أن نختلف، وأن نرفض، وأن ندافع عن قناعاتنا، لكن دون أن نسلب الآخرين كرامتهم أو نقلّل من قيمتهم الإنسانية، وبالطبع، فإن احترام الاختلاف لا يعني تبرير الظلم أو الإساءة أو انتهاك حقوق الآخرين.

ما أجمل أن نصل إلى مرحلة من النضج نقول فيها أنا لا أتفق معك، لكنني احترم حقك في أن ترى الأمور بشكل مختلف، وما أرقى أن نستمع لنفهم، لا لنبحث عن ثغرة ننتصر بها في النقاش!

فنحن لا نحتاج إلى أشخاص يوافقوننا في كل شيء، بقدر حاجتنا إلى قلوب تتسع لنا حين نختلف، وعقول تدرك أن الحقيقة قد تكون أكبر من الزاوية التي ننظر منها.

وأخيرًا.. ليس كل من يختلف معك خصمًا، وليس كل من لا يشبهك أقل منك، وليس كل من يرفض رأيك يرفضك أنت.

فلنتعلم أن نختلف دون أن نكره، وأن نتحاور دون أن نجرح، وأن نحتفظ بالمودة حتى عندما نفقد الاتفاق،

فأحيانًا، أجمل ما في العلاقات أننا لا نتشابه، بل إننا نختلف.. ومع ذلك نبقى قريبين!

مساحة إعلانية