رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تروج في مصر هذه الأيام مجموعة من الأساطير والشائعات التي استدعت إلى فضائها ما يمكن أن نسميه بالهم الكاذب، الذي بات يخيف بعضنا من أشباح وعفاريت لا وجود لها.
(1)
بعض تلك الأساطير وثيق الصلة بمستقبل الدولة وهويتها. في ظل الصعود الراهن للتيارات الإسلامية بعد الثورة. ذلك أننا مازلنا نقرأ تعليقات وتحليلات تتحدث عن إقامة الخلافة الإسلامية والدولة الدينية في مصر. وهي ذات التهمة التي ما برحت تلاحق حتى الآن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من قبل معارضيه السياسيين، خصوصا حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي، ولا يزال يعتبر نفسه الحارس الأول للجمهورية والعلمانية في تركيا. ذلك أن قادة الحزب ومن لف لفهم من خصوم أردوغان ومنافسيه اعتبروا أن خلفية أردوغان الإسلامية هي نقطة الضعف الأساسية في سجله. ورغم أن الرجل انفصل عن حزب الرفاه الذي نشأ في رحابه ثم طور أفكاره التي انطلق منها، ليؤسس مع الرئيس الحالي عبدالله جول «في عام 2002» حزب العدالة والتنمية بحسبانه حزبا ليبراليا محافظا، إلا أن خصومه ومنافسيه لا يزالون يتهمونه بأنه يخفى بين جنبيه مشروعا خفيا لإقامة الخلافة وتأسيس الدولة الدينية. وكانت تلك هي «التهمة» التي حاولوا إلصاقها به في الانتخابات التشريعية الأخيرة «يونيو 2011»، إلا أن الجماهير صوتت لصالحه لأنهم رأوا إنجازاته على الأرض، ولم يكترثوا بما يدعيه الآخرون عن أجندته الخفية.
أدرى أن بعض المتدينين مهوسون بمسألة الخلافة التي تشكل ركنا أساسيا في مشروع حزب التحرير الإسلامي الذي نشأ في الأردن «عام 1953»، لكن أعضاءه لا يكادون يتجاوز عددهم أصابع اليدين في مصر على الأقل. أما مسألة الدولة الدينية فإن أحدا لا يستطيع أن يأخذها على محمل الجد في هذا الزمان. لأن أحدا لم يعد يقبل فكرة القيادة التي تستند إلى الوحي أو الغيب في إدارة الدول. مع ذلك فإن النموذج القريب من تلك الفكرة المطبق في إيران (انطلاقات فكرة ولاية الفقيه) لا يستطيع أن يدعي ذلك، لأن المعارضة موجودة والولي الفقيه لم يدع عصمة ولا هو منزه عن النقد. ذلك إلى جانب أن الفكرة في خصوصية المذهب الشيعي الجعفري، بل إنها تعبر عن إحدى مدارس المذهب، وليس لدى مراجع الشيعة إجماع عليها في داخل إيران وخارجها. من ثَمَّ فغاية ما يمكن أن يُقال بحق المسألتين «الخلافة والدولة الدينية» إنهما من قبيل الأحلام التي تراود قلة استثنائية من الناس، إلى جانب أنه يتعذر تنزيلها على الأرض، هذا إذا أحسنا الظن، أما إذا فتحنا باب إساءة الظن فسنقول إن التلويح بهما هو من قبيل الفرقعات والقنابل الصوتية التي يراد لها أن تحدث الضجيج والفزع لا أكثر.
(2)
ثمة فرقعة أخرى أطلقت في الأسبوع الماضي محذرة من غزو قطري لمصر أطلقت عليه وصف «القطرنة» أسوة بالأمركة والفرنسة والأوربة. وتستند المقولة إلى ما اعتبرته اختراقا لقناة الجزيرة للوجدان المصري واختراقا اقتصاديا تمثل في إقدام قطر على الدخول بقوة في السوق المصرية. عن طريق شراء أحد البنوك وتأسيس بعض المشروعات الكبرى. إضافة إلى وديعة الملياري دولار التي قيل إن قطر قررت وضعها في البنوك المصرية، ثم الإعلان عن استثمارات بقيمة 18 مليار دولار لتمويل مشروعات ستنفذ في مصر خلال السنوات الخمس القادمة.
تدهشنا المقولة من جوانب عدة. إذ من الناحية النظرية لا أعرف كيف لعاقل أن يستوعب فرضية قيام دولة مثل قطر لا يزيد تعداد مواطنيها على 600 ألف نسمة باستيعاب و«قطرنة» مصر التي يزيد سكانها على 90 مليون نسمة. والقائلون بذلك لا يدركون أن حجم الاقتصاد المصري أكبر بكثير من تستوعب قطر، علما بأن حجم الدين الخارجي والداخلي لمصر بحدود 200 مليار دولار، ومن يريد قطرنة مصر عليه أن يتحمل ذلك العبء ابتداء، ولا أظن أن قطر مستعدة لذلك.
من ناحية ثانية، فإن ما يتردد عن دعم مالي خليجي لمصر خصوصا من قطر فيه من الضجيج والمبالغة الإعلامية أكثر مما فيه من الحقائق الماثلة على الأرض. فالمليار دولار اللذان أعلن عنهما أخيرا تسلمت مصر منهما نصف مليار فقط سيولة نقدية، أما المبلغ المتبقي فيفترض أن يقدم كوديعة تجدد كل ثلاثة أشهر. وتلك مدة تخرج المبلغ من الاحتياط المصري، لأنه يشترط لذلك أن تستمر الوديعة لسنة واحدة على الأقل، وهي لا تحتسب حتى إذا نقصت عن السنة بيوم واحد. أما مبلغ الـ18 مليارا التي تستثمر خلال السنوات الخمس المقبلة، فهو أمر مرحب به لا شك، لكن المبلغ لا يزال من قبيل السمك في الماء كما يقال، بمعنى أن حقائقه بشروطه ومجالاته لم تتضح بعد.
الجانب الذي لا يراه الذين يروجون لفكرة القطرنة أن الدول النفطية الخليجية تحققت لها في السنوات الأخيرة فوائض مالية هائلة تجاوزت بكثير توقعاتها. ولأن حجمها أكبر من أن يستوعبه الاقتصاد المحلى، فإنها تصبح أمام أحد خيارين، إما أن تودع تلك الفوائض في المصارف العالمية بفائدة نصف في المائة، أو تودع لدى أي وعاء استثماري آخر بضعف تلك الفائدة. بالتالي فنحن لسنا بإزاء قطرنة مصر، وإنما أمام حالة ترشيد لاستخدام الفوائض لجأت إليها قطر، وبوسعها أن تودع تلك الفوائض في أي بلد آخر.
بالمناسبة فإن أسطورة الاختراق القطري لمصر لها أصل، منذ كانت قناة الجزيرة ضمن المنابر التي علت فيها أصوات المعارضين للرئيس السابق، ولم تذهب في ذلك إلى أبعد مما ذهبت إليه المعارضة المصرية في الداخل. علما بأن أغلب المسؤولين عن تلك الأنشطة في داخل القناة كانوا من الإعلاميين المصريين. ولأنها اعتبرت آنذاك «مصر مبارك»، فإن الرئيس السابق وأبواقه اعتبروا أن معارضة الرئيس بمثابة مخاصمة لمصر. وشاع ذلك الانطباع لدى كثيرين . جدير بالذكر أن ما يمكن أن يسمى نفوذا إعلاميا قطريا في مصر، ليس أكثر وربما أقل من النفوذ السعودي أو الأمريكي، وفي ظل النظام السابق كان النفوذ الإسرائيلي حاضرا بقوة. لكن ما حدث أن قطر تحدثت بصوت عال سمعه الجميع، في حين أن الآخرين كانوا أكثر حنكة وخبرة، ومارسوا نفوذهم واختراقاتهم دون أن يسمع لهم صوت.
(3)
التخوف من «العفريت» الإيراني فرقعة من مواريث العهد السابق، وبمقتضاها أصبح بيننا من بات يعتبر أن إيران هي العدو الحقيقي وليس إسرائيل. وهو نجاح حققه أبالسة السياسة وعمموه على أكثر من قطر عربي خصوصا في منطقة الخليج. وهناك أسطورتان في هذا الصدد. واحدة تتحدث عن تهديد إيران لأمن مصر ومساندتها للإرهاب، فيها والثانية تتحدث عن تشييع مصر أو نشر المذهب الجعفري فيها.
الأسطورة الأولى تبنتها أجهزة الأمن وغذتها سياسة الولايات المتحدة منذ أعلنت حربها العبثية ضد الإرهاب، ومن ورائها إسرائيل التي لاتزال تعتبر إيران عدوا استراتيجيا لها. حقيقة الأمر في هذا الجانب أنه ليست هناك مشاكل أمنية حقيقية بين مصر وإيران. لكن هناك بعض الأمور العالقة (قضية شارع الإسلامبولي مثلا) التي ما كان لها أن تؤدي إلى القطيعة بين البلدين لأكثر من ثلاثين عاما، علما بأن القطيعة بدأت قبل اغتيال السادات وفي عهده. ولست أعني أنه لا توجد اختلافات بين البلدين، وأن هناك اتفاقا بينهما في كل وجهات النظر. لكن أقر بأن لمصر حساباتها وتحفظاتها على بعض السياسات الإيرانية، لكن ذلك لا يمنع ولا ينبغي له أن يمنع تبادل المصالح بين البلدين في أمور أخرى. ولست بحاجة لأن أذكر بأن دول الخليج الأكثر تخوفا من إيران وحساسية إزاءها تحتفظ بعلاقاتها شبه كاملة معها، على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي. ولأن الأمر كذلك فإنني أزعم أن مخاصمة مصر لإيران تعد من توابع «اعتدالها» الذي ألحقها بالسياسة الأمريكية والإسرائيلية، إذ حين أصبح رئيس مصر كنزا استراتيجيا لإسرائيل فمن الطبيعي أن يصبح تلقائيا خصما لإيران. وهذا ما حدث.
أسطورة تشييع مصر يبالغ فيها بعض المتدينين ويهول منها أغلب السلفيين. ولست أخفي شعورا بالدهشة إزاء طرح ذلك الاحتمال فحصانة مصر المذهبية أقوى من أن تخترق بهذه السهولة، ووجود بضع مئات من الشيعة وسط 90 مليونا مصريا لا يقدم ولا يؤخر. مع ذلك فالأمر يمكن التعامل معه برصانة وحكمة بحيث تغلق أبواب الفتنة التي تترتب على محاولة نشر المذهب الجعفري بين أهل السنة، علما بأن تلك المحاولة يقوم بها بعض المراجع وليس الدولة الإيرانية بالضرورة، ومن هؤلاء المراجع من يعيشون خارج إيران ويمارسون دعوتهم من العراق أو لبنان.
(4)
لابد أن يثير انتباهنا في هذا السياق أن الفلسطينيين لهم الحصة الأكبر من الأساطير التي تروج لما أسميته بالهم الكاذب. فثمة أسطورة تعتبر حركة حماس خِصما لمصر وتهديدا لها. وأخرى تتحدث عن تطلع الغزاوين للتمدد في سيناء وثالثة تتهم حماس بالهجوم على أقسام الشرطة وفتح بعض السجون إبان الثورة، والمشاركة في قتل بعض المتظاهرين.
لقد فهمت أن تكون حماس خصما لإسرائيل وعلى خلاف أو عراك مع فتح أبومازن، لكن أي عاقل لا يستطيع أن يستوعب فكرة خصومتها لمصر، إلا إذا كانت مصر قد ناصبتها العداء في عهد الرئيس السابق، واعتبرت ذلك جزءا من معركة النظام مع الإخوان. وفي هذه الحالة لا نكون بصدد خصومة لحماس مع مصر، ولكن بإزاء اشتباك مصري مع حماس، جعلها تغض الطرف عن اجتياح الإسرائيليين لغزة وتشارك في حصارها. وما سربته وثائق ويكيليكس في هذا الصدد منسوبا إلى رئيس المخابرات السابق اللواء عمر سليمان يؤيد ذلك الادعاء.
مما هو مستغرب أيضا أن الادعاء بتطلع الغزاويين إلى التمدد في سيناء يتجاهل تماما أن الطريق إلى ذلك ظل مفتوحا طوال 15 عاما تقريبا كانت إسرائيل خلالها محتلة لسيناء بالكامل، وكان بوسع الغزاويين أن يأخذوا راحتهم في التمدد في ربوعها، ولكنهم لم يفعلوها. ولكن أبالسة الدس بين الشعبين اختلقوا تلك الشائعة، وروجوا لها للإيحاء بأن الفلسطينيين يهددون أمن مصر القومي.
أسطورة فتح السجون المصرية وقتل المتظاهرين تحتاج إلى تدقيق وتحقيق. ومعلوماتي أن مجموعة من عناصر حزب الله هم الذين انتهزوا الاضطراب الحاصل في مصر إبان الثورة، وقاموا بتخليص زملاء لهم لفقت لهم قضية في عهد النظام السباق. وهو عمل غير مشروع لا ريب، لكن تعميم الادعاء واتهام الفلسطينيين وجماعة حزب الله بفتح بقية السجون وقتل المتظاهرين، أمر يتعذر الاقتناع به، حيث لا مصلحة لهم في ذلك، وقد فهمت أن ذلك الادعاء ردده بعض قادة الشرطة والأجهزة الأمنية في مصر لتبرئة ساحتهم من التواطؤ في المسألتين.
إنني أخشى أن تصرفنا مناقشة الهموم الكاذبة عن همومنا الحقيقية، ولا أخفى شعورا بالحزن، والأسف حين أجد أن بعض إعلاميينا مشغولون بالهموم الأولى دون الثانية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
10608
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6573
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5298
| 13 سبتمبر 2026