رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زوايا بعيدة لا تراها العيون، تنبض حياة لا تُحكى، ولا تُكتب. هناك، حيث لا تصل الكاميرات ولا تمر الكلمات، حيث الجدران صامتة، والهواء محمّل بهموم لا تُقال. رجال، غرباء عن أوطانهم، يتوسدون الغربة ويأكلون التعب، لا يعرفون من الراحة إلا ظلها، ومن السلام إلا طيفه.
يمر النهار طويلاً، متوهجًا، وكأن الشمس قد نذرت ألا ترحم أحدًا. في صيف لا يُحتمل، تقسو الأرض وتشتد السماء، وتتحوّل الأجساد إلى ظلال تلهث، تحمل أثقال الحياة بصمت، دون أن تشتكي. أرواح ترتجف تحت وطأة القيظ، وعيون تترقب ساعة الغروب وكأنها خلاص. لكن ما إن يحلّ المساء، حتى يُسدل الليل ستاره على عالم آخر... عالم ليس فيه راحة ولا دفء، بل زوايا ضيقة، وأصوات متداخلة، ولغات لا تلتقي، وقلوب تبحث عن مأمن بين جدران هشة.
هناك، حيث يتقاسم العشرات غرفة صغيرة، لا متّسع فيها لحلم، ولا مساحة لأمل. كل شيء مزدحم: الأنفاس، الأنين، الصمت... حتى الأمل بات يختنق. لا خصوصية، لا خصوصية حتى للألم. تُغلق الأبواب على حكايات لم تُروَ، ودموع لم تجد كتفًا تستند إليه. تشبه تلك الأماكن شيئًا آخر، شيئًا لا يُقال... عنابر، صناديق، وربما أقفاص، لا فرق.
في لحظة، تنقطع الكهرباء، وتختنق الأنفاس. وفي لحظة أخرى، تشتعل النيران دون إنذار، لتأخذ معها أحلامًا لم تولد بعد. أما المياه، فعذبة فقط في الذكريات، ومياه الصرف تختلط أحيانًا بالقدر، وتفوح روائح لا تليق ببشر. الأمراض تمر بين الأجساد كما تمر الريح في الأزقة، لا تستأذن، لا تفرّق.
وهناك في الزاوية الأخرى، لا تُروى كل القصص. هناك أحداث لا تُكتب في الصحف، وأصوات تُخنق قبل أن تصل. حكايات تنتهي قبل أن تبدأ، وضياع يُنسب إلى القدر، رغم أن الجميع يعرف الحقيقة، لكن لا أحد يقولها. في هذا المكان، لا يُسأل عن الاسم، بل عن الأصل. ولا يُحكم بالعقل، بل بالعدد. قوانين لا تُكتب، وعدالة لا تُرى. حيث يسود من لا يرحم، ويتوارى من يبحث عن أمان.
ربما لن تُذاع هذه القصص، وربما سيُقال إن كل شيء بخير. لكن الأرواح التي تسكن هناك تعرف، تعرف جيدًا أن هناك من يتألم، من يحترق دون نار، من ينام دون راحة، من يعيش دون حياة. ويكفي أن تنظر في عيونهم، لتدرك أن كل ما يُقال غير كافٍ.
أليس من الرحمة أن نرى؟ أليس من العدل أن نشعر؟ أم أن الصمت أصبح عادة، والاعتياد على الألم فضيلة؟ هناك حيث يموت الإنسان في داخل الإنسان، يبقى الأمل في أن تشرق شمس أُخرى... لا تحرق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1512
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في كل أزمة إقليمية تتجدد ظاهرة فكرية وسياسية لافتة في الفضاء العربي، وهي سرعة تشكّل موجات واسعة من الخطاب العاطفي في وسائل التواصل الاجتماعي، تتجاوز أحياناً الحقائق الميدانية والتوازنات الواقعية. وقد ظهرت هذه الظاهرة بوضوح في النقاشات التي رافقت التوترات بين إيران ودول الخليج، حيث امتلأت منصات التواصل بآراء تدافع عن أي عمل عسكري إيراني محتمل ضد دول الخليج بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية فيها. هذا الخطاب، رغم اتساعه، يكشف إشكالية عميقة في طريقة تفكير جزء من العقل العربي المعاصر، إذ يختزل تعقيدات الجغرافيا السياسية في ثنائية تبسيطية تقوم على قاعدة: “كل ما يواجه الولايات المتحدة أو إسرائيل هو بالضرورة موقف مشروع.” وبهذا المنطق يتم تجاهل حقائق تتعلق بسلوك إيران، أو بطبيعة العلاقات الدفاعية بين دول الخليج والولايات المتحدة، المشكلة هنا ليست في انتقاد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية، فهذا حق سياسي وفكري مشروع، بل في تحول هذا الانتقاد إلى عدسة وحيدة يُنظر من خلالها إلى كل أحداث المنطقة، بحيث يصبح أي صراع إقليمي مجرد انعكاس للصراع مع واشنطن وتل أبيب، بينما يتم تجاهل مصالح الدول العربية نفسها وحقها في حماية أمنها. ثانياً: حقيقة الموقف الخليجي من الحرب في المنطقة خلافاً للصورة التي يروج لها فإن دول الخليج تبنت موقفاً ثابتاً يدعو إلى خفض التصعيد في المنطقة. وظهر هذا بوضوح في عدة محطات دبلوماسية، منها وساطات سلطنة عُمان في الملف النووي الإيراني، والجهود القطرية والكويتية لتخفيف التوتر الإقليمي، كما أن دول الخليج كانت من أكثر الأطراف إدراكاً لخطورة أي حرب واسعة في المنطقة، لأن الخليج هو أول من سيدفع ثمنها اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً. ثالثاً: طبيعة الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة من القضايا التي يتم تداولها بكثرة في النقاشات الرقمية فكرة أن وجود قواعد أمريكية في الخليج يبرر استهداف دول الخليج. وهذه الفكرة تتجاهل جملة من الحقائق القانونية والاستراتيجية. أولاً: إن الاتفاقيات الأمنية بين دول الخليج والولايات المتحدة هي اتفاقيات دفاعية، تقوم على مبدأ التعاون العسكري والتدريب المشترك وحماية الملاحة والطاقة، وهي اتفاقيات معلنة وشرعية في القانون الدولي. ثانياً: إن إقامة قواعد أو تسهيلات عسكرية مع دولة كبرى ليس أمراً استثنائياً، بل هو سلوك شائع في النظام الدولي. فإيران نفسها ترتبط بعلاقات عسكرية واستراتيجية وثيقة مع روسيا والصين، وتشمل هذه العلاقات التعاون في مجالات التسليح والتدريب والتكنولوجيا العسكرية. وبالتالي فإن حق بناء التحالفات الاستراتيجية هو حق سيادي لكل دولة في العالم. ثالثاً: الواقع العسكري خلال الأزمات الأخيرة يشير إلى أن الهجمات التي استهدفت إيران – عندما حدثت – لم تنطلق من قواعد خليجية، بل اعتمدت أساساً على: - الطائرات بعيدة المدى. - حاملات الطائرات البحرية. - الغواصات. - القواعد العسكرية الأمريكية خارج الخليج. وهو ما يجعل الادعاء بأن القواعد الموجودة في الخليج استخدمت لشن عمليات عسكرية ضد إيران ادعاءً يفتقر إلى الأدلة الميدانية. رابعاً: إيران وسجل التدخل في المنطقة العربية النقاش الموضوعي حول التوترات الإقليمية لا يمكن أن يتجاهل حقيقة أن إيران لعبت خلال العقود الأخيرة دوراً واسعاً في عدد من الساحات العربية. فقد ارتبط اسم إيران بملفات عديدة في المنطقة، من بينها: - دعم جماعات مسلحة في بعض الدول العربية. - التدخل في الصراعات الداخلية في العراق وسوريا واليمن ولبنان. - التوترات الأمنية في الخليج خلال الثمانينيات. - الهجمات التي طالت منشآت نفطية ومدنية في بعض الدول الخليجية. وهذا السجل لا يعني بالضرورة أن إيران هي المسؤول الوحيد عن أزمات المنطقة، لكنه يعني أن الصورة أكثر تعقيداً من السردية التي تصور إيران كقوة مقاومة فقط، بينما يتم تجاهل تأثير سياساتها الإقليمية على الأمن العربي. خامساً: عقدة التدخل الأمريكي في الوعي العربي لفهم المواقف العاطفية التي ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي، يجب العودة إلى الخلفية الفكرية التي تشكلت في العقل العربي خلال العقود الماضية. لقد تركت سياسات الولايات المتحدة في المنطقة – خصوصاً دعمها لإسرائيل أو تدخلها العسكري في العراق – أثراً عميقاً من عدم الثقة والغضب لدى كثير من الشعوب العربية. وهذا الغضب مفهوم من الناحية التاريخية، لكنه تحول لدى بعض التيارات الفكرية إلى عقدة تفسيرية شاملة، بحيث أصبحت كل أحداث المنطقة تُفسَّر من زاوية واحدة هي "المؤامرة الأمريكية أو الإسرائيلية". وبسبب هذه العدسة الأحادية أصبح من السهل لدى بعض الخطابات تبرير أي فعل يقوم به طرف آخر، طالما أنه يُقدَّم باعتباره خصماً لواشنطن أو تل أبيب. سادساً: المقارنة التاريخية مع غزو الكويت هذه الظاهرة ليست جديدة في الفكر السياسي العربي، بل ظهرت بوضوح خلال أزمة غزو العراق للكويت عام 1990. ففي تلك الفترة انقسم الرأي العام العربي بين من اعتبر الغزو عدواناً واضحاً على دولة عربية مستقلة، وبين من برره أو تعاطف معه بدعوى مواجهة النفوذ الأمريكي أو إعادة توزيع الثروة النفطية. وقد أدى هذا الانقسام إلى خلل أخلاقي وسياسي في تقييم الحدث، لأن مسألة سيادة الدول وحرمة الحدود الدولية تم تهميشها لصالح شعارات أيديولوجية. اليوم تتكرر بعض ملامح هذا المشهد في النقاشات حول التوترات الخليجية – الإيرانية، حيث يتم أحياناً تجاهل حق دول الخليج في الأمن والاستقرار لمجرد أنها ترتبط بعلاقات دفاعية مع الولايات المتحدة. سابعاً: مسؤولية المثقفين والنخب الفكرية المشكلة لا تقتصر على الجمهور العام، بل تمتد أحياناً إلى بعض النخب الفكرية والإعلامية التي تتبنى خطاباً تبسيطياً في تحليل الصراعات. فالمثقف – بحكم دوره المعرفي – يفترض أن يقدم قراءة متوازنة للأحداث، تقوم على: - احترام سيادة الدول. - تحليل الوقائع الميدانية. - التمييز بين الصراع مع إسرائيل أو الولايات المتحدة وبين الصراعات داخل المنطقة. لكن حين يتحول المثقف نفسه إلى جزء من خطاب تعبوي عاطفي، فإن ذلك يساهم في تعميق الانقسام الفكري وتشويش الوعي العام. خاتمة: نحو عقل عربي أكثر توازناً إن نقد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية أمر مشروع، بل هو جزء من النقاش السياسي الطبيعي في المنطقة. لكن هذا النقد لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير تلقائي لأي طرف آخر أو إلى تجاهل حقوق الدول العربية في الأمن والسيادة. فدول الخليج - مثلها مثل أي دولة في العالم – من حقها أن تبني تحالفات دفاعية لحماية مصالحها، كما أن من حقها أن تسعى لتجنيب منطقتها الحروب والصراعات. والتحدي الحقيقي أمام العقل العربي اليوم هو الانتقال من التفكير الأيديولوجي الانفعالي إلى التفكير الاستراتيجي الواقعي، الذي يوازن بين المبادئ والوقائع، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار العربي ومصالح شعوبه. فمن دون هذا التحول سيظل النقاش العام أسيراً للانفعالات والشعارات، بينما تبقى حقائق الجغرافيا السياسية أكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.
1095
| 11 مارس 2026