رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رائد حمزة مقداد

مساحة إعلانية

مقالات

165

رائد حمزة مقداد

عالمٌ لا يتسع للنجاة

11 يوليو 2025 , 04:12ص

في زوايا بعيدة لا تراها العيون، تنبض حياة لا تُحكى، ولا تُكتب. هناك، حيث لا تصل الكاميرات ولا تمر الكلمات، حيث الجدران صامتة، والهواء محمّل بهموم لا تُقال. رجال، غرباء عن أوطانهم، يتوسدون الغربة ويأكلون التعب، لا يعرفون من الراحة إلا ظلها، ومن السلام إلا طيفه.

يمر النهار طويلاً، متوهجًا، وكأن الشمس قد نذرت ألا ترحم أحدًا. في صيف لا يُحتمل، تقسو الأرض وتشتد السماء، وتتحوّل الأجساد إلى ظلال تلهث، تحمل أثقال الحياة بصمت، دون أن تشتكي. أرواح ترتجف تحت وطأة القيظ، وعيون تترقب ساعة الغروب وكأنها خلاص. لكن ما إن يحلّ المساء، حتى يُسدل الليل ستاره على عالم آخر... عالم ليس فيه راحة ولا دفء، بل زوايا ضيقة، وأصوات متداخلة، ولغات لا تلتقي، وقلوب تبحث عن مأمن بين جدران هشة.

هناك، حيث يتقاسم العشرات غرفة صغيرة، لا متّسع فيها لحلم، ولا مساحة لأمل. كل شيء مزدحم: الأنفاس، الأنين، الصمت... حتى الأمل بات يختنق. لا خصوصية، لا خصوصية حتى للألم. تُغلق الأبواب على حكايات لم تُروَ، ودموع لم تجد كتفًا تستند إليه. تشبه تلك الأماكن شيئًا آخر، شيئًا لا يُقال... عنابر، صناديق، وربما أقفاص، لا فرق.

في لحظة، تنقطع الكهرباء، وتختنق الأنفاس. وفي لحظة أخرى، تشتعل النيران دون إنذار، لتأخذ معها أحلامًا لم تولد بعد. أما المياه، فعذبة فقط في الذكريات، ومياه الصرف تختلط أحيانًا بالقدر، وتفوح روائح لا تليق ببشر. الأمراض تمر بين الأجساد كما تمر الريح في الأزقة، لا تستأذن، لا تفرّق.

وهناك في الزاوية الأخرى، لا تُروى كل القصص. هناك أحداث لا تُكتب في الصحف، وأصوات تُخنق قبل أن تصل. حكايات تنتهي قبل أن تبدأ، وضياع يُنسب إلى القدر، رغم أن الجميع يعرف الحقيقة، لكن لا أحد يقولها. في هذا المكان، لا يُسأل عن الاسم، بل عن الأصل. ولا يُحكم بالعقل، بل بالعدد. قوانين لا تُكتب، وعدالة لا تُرى. حيث يسود من لا يرحم، ويتوارى من يبحث عن أمان.

ربما لن تُذاع هذه القصص، وربما سيُقال إن كل شيء بخير. لكن الأرواح التي تسكن هناك تعرف، تعرف جيدًا أن هناك من يتألم، من يحترق دون نار، من ينام دون راحة، من يعيش دون حياة. ويكفي أن تنظر في عيونهم، لتدرك أن كل ما يُقال غير كافٍ.

أليس من الرحمة أن نرى؟ أليس من العدل أن نشعر؟ أم أن الصمت أصبح عادة، والاعتياد على الألم فضيلة؟ هناك حيث يموت الإنسان في داخل الإنسان، يبقى الأمل في أن تشرق شمس أُخرى... لا تحرق.

مساحة إعلانية