رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ الاحتلال الصهيوني الأول للجزء الأكبر من الأراضي الفلسطينية عام 1948, انتهج "فرض سياسة الأمر الواقع" في فلسطين وعلى أمتنا العربية.
هذه السياسة ما زالت مُنتهجة إسرائيليا حتى اللحظة، بدورنا كأمة عربية أدمنّا هذه الحقائق الصهيونية, فبعد أن كان الهدف تحرير فلسطين أصبح تحرير المنطقة المحتلة عام 1967 مع إمكانية المساومة على تبادل للأراضي، الشعار الصهيوني يظل واحدا.. أما شعاراتنا فقابلة للتقزيم بين المرحلة والأخرى!. نعم, "إسرائيل" تصنع حقائقها وتفرض الفهم الذي تريد "ليهوديتها".. والعديد من سياسيينا ومحللينا وقانونيينا في مقالاتهم وتعليقاتهم على الفضائيات.. "يلتهون" بالتفسير اللفظي واختراع الفوارق ما بين تعبيري: يهودية "إسرائيل" و"إسرائيل" كـ"دولة الشعب اليهودي"! وكأن فرقا هناك؟ . أمريكا وفرنسا وغيرهما اعترفت بيهودية "إسرائيل" منذ مدة طويلة وفقا للفهم "الإسرائيلي" لها! البعض من المحللين والقانونيين والسياسيين ينكر ذلك متحججا, بالقانون الدولي، القانون الدولي في عصر الغاب الذي نعيش، هو ما يفهمه الأقوياء. ثم إن "الحق" إن لم تسنده قوة, يصبح في عرف الأقوياء المتحكمين بالعالم "ظلما", ولا يلتفت إليه أحد, والظلم يصبح "حقا". كأن البعض منا لا يفهم هذا الأمر, أو لا يريد أن يفهمه، مقدمة لابد منها.. وهي رد موضوعي على نقاشات عديدة جرت ولا تزال!.
صادقت حكومة الكيان الصهيوني السابقة (23 نوفمبر 2014), على مشروع قانون سيجري عرضه في الكنيست الحالي (في أقرب فرصة) للتصويت عليه بقراءات ثلاث, ليصبح قانونا يجري تطبيقه رسميا. حتى من دون تصديق القانون, فإن الواقع يؤكد تطبيق تداعياته منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة. مشروع القانون سيجري إقراره حتما, لأن التحولات في "إسرائيل" في العقود الأخيرة من القرن الزمني الماضي والحالي, وكما تشير استطلاعات كثيرة تنشرها الصحف "الإسرائيلية" بين الفينة والأخرى وكما أثبتت الوقائع في انتخابات دورات الكنيست الأخيرة الثلاث, تتصاعد بخطى متسارعة باتجاه المزيد من الفاشية والتطرف.
من أجل تأكيد كل ما سبق, أرى من الضروة بمكان استعراض هذا الأمر منذ بدايات طرحه وصولا إلى اللحظة الحالية, هذا أولا. ثانيا, انطلاقا كذلك من تأكيد الوقائع وحقائقها الدامغة, إليكم ما يلي:
قبل إنشاء الكيان في مؤتمر كامبل بنرمان الذي عقدته الدول الاستعمارية الأوروبية واستمرت جلساته المتباعدة بين عامي 1905 – 1907 وفي أحد قراراته نصّ على إقامة دولة في فلسطين تفصل شطري الوطن العربي في آسيا وإفريقيا، على أن تكون صديقة لأوروبا وعدوة لسكان المنطقة. دولة لليهود، لم يكن ذلك بمعزل عن بدء ظهور القوميات في أوروبا, وما صاحبه من انتقال من عهد الإقطاع إلى الرأسمالية, الأمر الذي فتح عيون بعض القيادات اليهودية على أهمية تشكيل "القومية اليهودية" التي بدأت إرهاصات تحولاتها في الانتقال من "الصهيونية الدينية" إلى "الصهيونية السياسية", تبلور التحول فيما بعد, في ظهور الحركة الصهيونية.
جاء وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 ليؤكد على "أهمية إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين". قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر عام 1947 نص على إنشاء دولتين في فلسطين "دولة يهودية" ودولة عربية. ذلك يظهر الخلفية التي انطلقت منها الدول الغربية والاستعداد المبكر لها للاعتراف لاحقا بيهودية "إسرائيل".
عند إنشاء الدولة "الإسرائيلية" رسمياً في عام 1948, ونحن عشنا قبل ما يقارب الشهر ذكرى إقامتها القسرية وفي بيان الإعلان عن إقامتها, تم التأكيد على عدة مبادئ من بينها: "الدولة اليهودية" و"قانون العودة", وبموجب هذين المبدأين، فإن "إسرائيل" ملتزمة بلمِّ شمل اليهود من مختلف أنحاء العالم, ومن يتهودون كذلك, وهؤلاء لهم الحق في العودة, والحصول على الجنسية, والعيش في "إسرائيل" كمواطنين "إسرائيليين".
هذا إضافة إلى الاستمرار في الترويج لمفهوم "الشعب اليهودي" و"القومية اليهودية" و"الأمة اليهودية".
منذ تلك اللحظة فإن "إسرائيل" تسعى لتحصين "يهودية دولتها". وإبّان تسلم تسيبي ليفني لحقيبة الخارجية, عملت على إعادة إحياء هذا الشعار القديم الجديد (هذه التي يعتبرونها من جناح الحمائم في الكيان, وإمعانا في التغطية على سياساتها, صوتت ضد مشروع القرا).
إيهود أولمرت راكم على عملية التحول هذه، نتنياهو وعند تسلمه رئاسة الحكومة "الإسرائيلية" الأولى له (من الأربع) أخذ هذه الفكرة وطورّها إلى ضرورة اعتراف دولي بها.
بالفعل اعترفت بها الولايات المتحدة (اعتراف أوباما بيهودية "إسرائيل", ومطالبة فيليب كراولي للفلسطينيين بالاعتراف بها "يديعوت أحرونوت") وفرنسا ( اعتراف ساركوزي بيهودية "إسرائيل", مايو 2011 أثناء استقباله لنتنياهو على عتبات الإليزيه).
لم يكتف نتنياهو بذلك، بل أخذ يشترط على العرب والفلسطينيين، الاعتراف بذلك مقابل إجراء التسويات (والتي هي حلول "إسرائيلية") للصراع مع الطرفين.
كترجمة عملية لهذا الشعار, بدأت "إسرائيل" في سنّ مشاريع قوانين في الكنيست توضح وتفصّل فيها الأسس الإستراتيجية القانونية للشعار. لقد سارع رئيس كتلة الائتلاف الحكومي السابق (إبان الكنيست السابقة) النائب المستوطن ياريف لفين إلى إعادة إحياء ما يسمى بـ"قانون دولة القومية" (وهو مشروع قرار كانت قد اقترحته الأطراف الأكثر تشدداً في الكنيست آنذاك (قبل السابقة), وبسبب من حل الكنيست (في حينها) لم تتم قراءتاه الثانية والثالثة ليصبح قانوناً)... خلال الكنيست الماضي (وهو الأكثر تطرفاً من سابقه), فإن صياغة القانون تحولت إلى أن "أرض إسرائيل هي وطن الشعب اليهودي". ليس هذا فقط, وإنما تمت صياغة قانون آخر جرى تقديمه إلى الكنيست السابق تحت عنوان "اللوبي من أجل أرض "إسرائيل", لقد جرى سن كل تلك القوانين. في الشرح (المبُهم) للقانون جرى التفصيل بملحق إضافي يحدد بأن "أرض إسرائيل هي أرض فلسطين التاريخية، (التي تعني عمليا كل فلسطين من النهر إلى البحر).
تطور الأمر إلى قانون آخر تم سنّه (أعده النائبان زئيف إلكين من "حزب الليكود" وإيليت شاكيد التي تنتمي إلى "حزب البيت اليهودي").
وجرى سنّه بقراءاته الثلاث، القانون سيقطع الطريق على أي حكومة "إسرائيلية" قادمة, للانسحاب من الضفة الغربية (التي هي بالمفهوم الإسرائيلي يهودا والسامرة).
وبذلك سوف لن تتم إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف.
القانون الحالي ينص أيضا على، أولا دولة "إسرائيل" هي الوطن القومي للشعب اليهودي (في العالم بالطبع) الذي يطبق فيه طموحه لتقرير المصير بموجب تراثه وثقافته وتاريخه". ثانيا، إن تقرير المصير في دولة "إسرائيل" يخص فقط الشعب اليهودي.
جاء القانون بصيغة "إعطاء الأولوية في التطبيق القانوني, للقيم اليهودية".
أي أن المرجعية الأساسية لتفسيرات القوانين "الإسرائيلية" هي "القيم اليهودية" وليس النظام الديمقراطي (الذي تدّعيه إسرائيل).
في التفسير العملي للفهمينْ السابقين يرد في ملحقيهما التوضيحيين: الحق في الحصول على الأرض والمسكن هو لليهود فقط.
كما يدعو القانون إلى شطب اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في الكيان الصهيوني.. بالمعنى الفعلي هناك أساس قانوني للشطب، المسألة هي التوقيت المناسب.
المعروف أن الحكومة "الإسرائيلية" برئاسة مناحيم بيجين قامت بتحصين الطابع اليهودي للدولة في القوانين والتعليمات "الإسرائيلية" فيما يتعلق بقرارات محكمة العدل العليا، وذلك بإصدار قانون ينص على ما يلي: "عندما تواجه المحكمة بسؤال قانوني يتطلب قراراً لا يوجد له جواب في القانون الوصفي- قانون الحالة- أو من خلال التحليل, "يتوجب على المحكمة أن تقرر في ضوء مبادئ الحرية, العدالة, المساواة والسلام الخاصة بالتراث اليهودي".
كما يُلاحظ, فإن شعار يهودية الدولة جرى تطبيقه على مراحل, ولم تكن "إسرائيل" متسرعة في إقراره وإنما يجيء التطبيق بعد فرضها لوقائع كثيرة على الأرض, حيث هناك تقبل فلسطيني رسمي وعربي رسمي لوجودها في المنطقة، ولذلك كانت اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة.
جملة القول: إن يهودية "إسرائيل".. جرى ويجري التأسيس لها وتُمارس على الأرض واقعا وسياسات, والخشية كل الخشية أن يعترف الطرف الرسمي الفلسطيني, والرسمي العربي كذلك بـ"يهودية إسرائيل".
رغم كل ما سيعنيه ذلك ورغم كل التداعيات التدميرية المترتبة على هذا الاعتراف على الفلسطينيين والعرب جميعا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1341
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
873
| 16 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع تجاري، أو مشاجرة لفظية بين مراهقين في الشارع، أو حتى زلة لسان من شخص في لحظة غضب. في الزمن القديم، زمن "المروءة"، كانت ردة الفعل الغريزية لمن يشاهد هذا الموقف هي: غض البصر، أو المسارعة للمساعدة، ثم "دفن" القصة وكأنها لم تحدث. كان الشعار: "يا فلان.. ما شفت شي، والله يستر عليه وعلينا". أما اليوم، فما هي ردة الفعل الغريزية الأولى؟ إنها اليد التي تمتد تلقائياً للجيب لتخرج الهاتف، وتفتح الكاميرا، وتبدأ في التوثيق. لم نعد نرى في الشخص المخطئ أو المتعثر "إنساناً" يستحق الستر والرحمة، بل أصبحنا نرى فيه "محتوى" دسمًا، و"ترند" محتملاً، وفرصة لزيادة المشاهدات واللايكات. لقد انتقلنا من ثقافة "الستر" إلى ثقافة "الفضيحة". في تراثنا وقيمنا، كان "الستر" رجولة. كان الرجل يُعرف بـ "كتوم السر"، الذي يبتلع الزلات كما تبتلع الأرض المطر، فلا يظهر منها شيء. كانت البيوت "أسراراً"، وكانت المجالس "أمانات". اليوم، تحولت حياتنا إلى "بيت من زجاج". أصبحنا نعيش تحت تهديد دائم بأن أي خطأ صغير قد يتحول في لحظات إلى "هاشتاق" عالمي يدمر سمعة عائلة، ويقطع أرزاقاً، ويهدم بيوتاً. المخيف في الأمر ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل "القسوة" التي زرعتها في قلوبنا. أصبحنا نتداول مقاطع الفضائح في "قروبات الواتساب" ونحن نضحك، أو نعلق بتنمر، دون أن نفكر للحظة واحدة في الألم النفسي للشخص الذي في الفيديو، أو في حرق قلب أمه وأهله وهم يرون ابنهم أو ابنتهم "فرجة" للناس. نسينا أن "كما تدين تدان"، وأن الكاميرا التي صورت غيرك اليوم، قد تدور لتصورك أنت أو أحد أحبابك غداً. إن "الستر" ليس تواطؤاً مع الخطأ، وليس تشجيعاً عليه. الستر هو إعطاء فرصة للإصلاح، وحفظ للكرامة الإنسانية، ومنع لانتشار الفاحشة والسوء في المجتمع. المجتمع القوي ليس هو الذي "يفضح" و"يشرشح" المخطئ علناً، بل هو الذي يحتويه ويصلحه سراً. نحن بحاجة اليوم لـ "ثورة أخلاقية" ضد هذا السعار الرقمي. نحن بحاجة لأن نعلم أبناءنا أن "زر المشاركة" (Share) قد يكون أحياناً أخطر من الضغط على الزناد. أن نعلمهم أن الرجولة ليست في أن تكون "السبّاق" في نشر الفضيحة، بل في أن تكون "السد المنيع" الذي تتوقف عنده القصة وتموت. في المرة القادمة التي يصلك فيها مقطع فيه "فضيحة" أو زلة لأحد، جرب أن تكون أنت "نقطة النهاية". لا ترسل، لا تعلق، لا تضحك. اضغط "حذف"، واستشعر عظمة الحديث: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". ففي زمن أصبح فيه الجميع "مراسلين حربيين" يبحثون عن السبق، كن أنت "الرجل الستّار" الذي يبحث عن الأجر وحفظ الأعراض. فالترند سيختفي غداً، لكن "موقفك النبيل" سيبقى في صحيفتك للأبد.
798
| 15 أبريل 2026