رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011 تبحث عن هويتها المدنية بعد سنين طويلة من حكم العسكر، لكنها ما لبثت بعد ثلاث سنوات من الثورة أن عادت لحكم مشابه لحقبة ما قبل الثورة بوصول الجنرال السابق عبدالفتاح السيسي إلى منصب الرئاسة بعد خمس وأربعين سنة عاشها مرتديا البدلة العسكرية.
هذا البحث عن الهوية المدنية يتم في ظل وجود قوى إقليمية تريد أن تؤطر الدور المصري في أدوار معينة ذات طابع عسكري يستنزف مقدراتها من دون أن يمتد إلى التأثير السياسي، فالإقليم حسب تصورات هذه الدول غير مستعد لوجود دور مصري مؤثر في مجالات الديمقراطية والاقتصاد. لنعد إلى نقطة البداية ثم ننطلق لنرى كيف وصلت مصر إلى وضعها الحالي.
أغلبية الشعب المصري، خاصة الشباب والناشطين المحرومين من فرص المشاركة السياسية الحقيقية، قاموا بثورة ابتدأت في 25 يناير 2011 بمشاركة محدودة، ثم اشتعلت من 28 يناير إلى 10 فبراير بمشاركة واسعة، إلى أن انتصرت في 11 فبراير.
الجيش المصري تدخل حينها فقام بانقلاب ناعم ضد الرئيس حسني مبارك ليتولى السلطة عبر المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة فيقبل الثوار ذلك مرغمين لاستحالة تشكيل مجلس ثوري يقود البلاد، ولأن المناخ الثوري لأغلبية المشاركين من الشعب في الثورة لا يمكن أن يشكك في نوايا الجيش في حينها.
قوى النظام السابق أو ما تعرف بالدولة العميقة رفضت هذا التغيير في هرم السلطة وقاومت ببطء التغيير الثوري بأسلوب يشبه تأثير السم، بطيء لكنه قاتل، لتنجح في نهاية الأمر في استمرار أجزاء من النظام السياسي القديم خصوصا في الجيش والشرطة والقضاء، رغم أن الأجواء كانت مهيأة لاستئصال سرطان الدولة العميقة.
ومع ذلك القوى المؤيدة للثورة كانت تراهن على الإجراءات المعلنة للانتقال إلى النظام السياسي الجديد وتضع ثقتها في الجيش كحام للثورة فتقبل بتعديلات دستورية مبكرة بدلا من تشريع دستور جديد.
هنا كان الفخ الأكبر، فالاستفتاء على التعديلات الدستورية عام 2011 كان في الوقت نفسه تثبيتا لدستور 1971 وهو دستور قديم لم يستطع أن ينشىء نظاما سياسيا مستقرا عبر عقود من الزمن، فكيف توقعت القوى الثورية أنه سينشئ نظاما سياسيا جديدا يؤمل منه أن ينقل مصر إلى مقدمة الركب الإقليمي كما تستحق أن تكون.
بعد ذلك كان هناك مساران يحددان شكل الدولة المصرية في حقبة ما بعد ثورة 25 يناير، المسار الأول كان شكليا ويحصل في العلن عبر إدارة الجيش للحكم في البلاد وفي ظل مشاركة القوى السياسية والشعبية، أما المسار الآخر فكان غير واضح ويتمثل في العودة المتسارعة للدولة العميقة ليس لتجنب الاستئصال من القوى الثورية الجديدة، بل لتشارك في صناعة واتخاذ القرار السياسي من جديد وكأنما لا ثورة حصلت.
انتخب مجلس شعب وسيطر عليه الإخوان المسلمون بشكل واضح فكان ذلك الإخفاق الأول لثورة 25 يناير، فبدلا من أن تكون ثورة سمتها أنها للجميع وجدت الدولة العميقة والقوى الإقليمية المعادية للربيع العربي فرصة للتشكيك في مدى قدرة الثورة على الإتيان بنظام سياسي لكل المصريين وليس لفصيل واحد.
ربما لو كانت لدى الإخوان رؤية أعمق، كما في الحالة التونسية، لسعوا إلى عدم الحصول على الأغلبية الساحقة في مجلس الشعب وللجأوا إلى تحالفات حقيقة مع باقي القوى الثورية كي تشعر باقي مكونات ثورة يناير أنها ثورة كانت وستستمر للجميع وبالجميع وبالتالي ستحمى من الجميع.
المتضررون من الثورة في مصر لم يكونوا ليستطيعوا أن يهاجموا ثورة يناير، لأن قوة الدفع الثوري كانت لا تسمح بذلك، فالمجتمع متأهب للتصدي لأعداء الثورة، لكنهم وجدوا في فوز رئيس ينتمي للإخوان المسلمين فرصة لا تعوض للربط العضوي بين الثورة وما أسموه أطماع الإخوان في الاستيلاء على كل السلطات ليكون هذا التحذير مدخلا لبدء إزاحة الإخوان والثورة طبعا.
الدولة العميقة هنا عادت بوجه وطني لتطل بقوة باسم حماية مصر من هيمنة الإسلام السياسي، فأخذ إعلام رجال الأعمال المتضررين من مناخ الثورة يخلق صورة نمطية للإخوان المسلمين وللتيار السلفي تتمحور حول فكرتي الإرهاب، والفشل في إدارة الدولة.
وبدأ القضاء بالتدخل في الشأن السياسي عبر بوابة المحكمة الدستورية ومنصب النائب العام وهي المؤسسات التي لا تزال تدار في ذلك الحين بتشكيل تم تعيينه من قبل دولة حسني مبارك العميقة.
وجود رئيس من الإخوان كان هذا أيضا خطأ إستراتيجيا، فالمصريون كانوا سيتقبلون إقصاء للدولة العميقة من قبل رئيس غير محسوب على الإسلام السياسي لكنه الفخ الذي نصب للإخوان المسلمين ووقعوا فيه رغم المعارضة الشديدة التي ووجه فيها هذا التوجه في مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين قبل أن يتخذ القرار بالترشح.
القصة تتواصل بحرب حقيقية ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي شنتها الدولة العميقة، جيشا ورجال أعمال وإعلاما وفلولا، وشاركها قطاع من المؤسسات القبطية القلقة من تنامي قوة الإسلام السياسي.
لكن وإلى جانب هذه الحرب المشبوهة، والتي تستهدف في حقيقتها ثورة يناير، كان هناك قلق مشروع من قطاعات في الشعب المصري ممن تمنوا أن يروا نظاما سياسيا جديدا لا يتسيده تيار بعينه فانحازوا إلى هذه الحرب أملا بظهور دولة جديدة يكون فيها مكان لهم.
الخاسر الأكبر بعد سقوط دولة مبارك، ودويلة الإخوان، وعودة الدولة العميقة، برؤوسها المتعددة في الجيش والقضاء وأصحاب المصالح من رجال الأعمال، كان وبلا شك التيار المدني، سواء كان ليبراليا أو معتدلا أو شعبيا، فهذا التيار كان سيسيطر على مجلس الشعب لو أجريت الانتخابات قبيل انقلاب 3 يوليو.
مصر دولة لا تزال تبحث عن هويتها السياسية، فنظامها السياسي عاد لأحضان الدولة العميقة، ودورها الإقليمي يتناقص لصالح دول تاريخيا كانت أقل سطوعا من مصر.
ولا بديل للقوى السياسية والشبابية في ظل عودة الدولة العميقة إلى مراكز القرار من مواجهة هذه الدولة بالأساليب الديمقراطية عبر المشاركة الواسعة في كل انتخابات، وعبر نقل المعركة إلى المجتمع المدني، وعبر تحقيق التغيير الجذري الحقيقي بطرح مشاريع إصلاح متعددة.
لن ندخل إلى الكهف
يمكن أن تجد كثيرا من الحكايات والأساطير تلخص حالة البشرية الآن. لم تكن الأساطير علامة على عصرها فقط.... اقرأ المزيد
63
| 24 يونيو 2026
ويبقى تدبير الله..
•يظن بعض البشر أنهم أحاطوا بكل شيء علمًا، وأنهم الأقدر على قراءة الأحداث وتفسير المواقف وفهم النفوس. يظنون... اقرأ المزيد
45
| 24 يونيو 2026
أمنيات عام 1448 هـ
قالوا لي اعرضي أمنياتك في العام الهجري الجديد. ولأن الأمنيات كثيرة وكبيرة يدخل معظمها في الخصوص وينطلق قليلها... اقرأ المزيد
60
| 24 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31692
| 20 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4167
| 21 يونيو 2026
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
1755
| 23 يونيو 2026