رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلعب المجالس النيابية دورًا حيويًا في تشكيل حياة الأمم وتطويرها، ولعل أهم هذه الأدوار هو العمل على استقرار الدول والدفع بها نحو التقدم، وذلك من خلال تأدية وظائفها الأساسية في التشريع، والرقابة، وتمثيل الشعب، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وهذا ما قام مجلس الشورى القطري طوال تاريخه منذ مرحلة التأسيس سنة 1972.
ولعل التاريخ سيقف طويلا أمام الدور الكبير الذي لعبته الدورة الحالية من عمر المجلس، وذلك من خلال العديد من الإنجازات التي ساهمت في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في قطر، بحيث لم يعد مجلس الشورى مجرد جهة استشارية بل شريك فعّال في تحقيق التنمية الشاملة، والتعبير عن طموحات الشعب القطري.
وقد كان أبرز هذه الإنجازات، التجاوب السريع والإيجابي الذي أبداه أعضاء المجلس مع دعوة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، لإجراء تعديلات دستورية تهدف إلى تحديث منظومة التشريعات الوطنية، حيث قام المجلس بدراسة الاقتراحات المتعلقة بالتعديلات بعناية شديدة، ووافق عليها مؤكدا دعمه للإجراءات التي من شأنها تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مبدأ العدل وسيادة القانون، وتحقيق المصلحة العليا للبلاد، مما يؤكد على الحس الوطني الكبير لدى أصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى.
والناظر بعين المراقب يرى أن المجلس ركز خلال هذه الدورة على زيادة المشاركة الشعبية، ليس فقط من خلال التعديلات الدستورية، بل أيضاً من خلال مبادرات وبرامج تستهدف إشراك الشباب والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة في عملية اتخاذ القرار، حيث نظم المجلس عدة لقاءات وجلسات، استمع من خلالها لآراء وطلبات هذه الفئات، والعمل على دمجها في السياسات والخطط التي يعمل عليها المجلس.
كما قام المجلس بتحديث وتطوير مجموعة من التشريعات والقوانين التي جاءت داعمة لمسيرة التنمية الشاملة التي تقوم بها القيادة الرشيدة بجميع أنحاء البلاد، وكان من أبرز هذه التشريعات، الموافقة على القوانين المتعلقة بجذب الاستثمارات الأجنبية، وتنظيم القطاع الخاص، وتعزيز الاستدامة البيئية، حيث مثلت هذه التشريعات استجابة لتوجيهات سمو الأمير، والتي تهدف إلى تحويل قطر إلى وجهة اقتصادية تنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتخفيض الاعتماد على الموارد النفطية.
حيث أسهم المجلس في إعداد دراسات مستفيضة لهذه القوانين، كما أنه ساهم في إجراء حوار مجتمعي حول هذه القوانين، وذلك لضمان توافقها مع رؤية قطر الوطنية 2030، وقد أولى المجلس اهتماماً كبيراً لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع القطري، ما جعل هذه التشريعات مدخلاً حقيقياً لدفع عجلة التقدم الوطني.
وبالنظر إلى الدور الخارجي الذي لعبه المجلس في دعم الجهود القطرية لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية، فلا نملك إلا الإشادة بهذا الدعم النيابي والشعبي الذي قدمه المجلس لقضايا وطنه، وأبان عن تطابق الرؤية الرسمية والشعبية بدولة قطر، تجاه جميع المواقف والقضايا الإقليمية والدولية، وذلك من خلال إصدار البيانات الرسمية، والتفاعل مع المجالس التشريعية الأخرى حول العالم، حيث مثّل المجلس قطر في عدة مؤتمرات إقليمية ودولية، مسلطاً الضوء على مواقف الدولة ودورها الإيجابي في حل النزاعات وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.
وانطلاقاً من رؤيته بأن التعليم هو الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، فقد سعى مجلس الشورى في دورته الحالية إلى تحسين جودة التعليم وتوفير بيئة مثالية للطلاب والمعلمين على حد سواء، وذلك من خلال دعمه لمسيرة التعليم والمعلمين في دولة قطر، حيث ساهم بشكل فعّال في وضع وتطوير سياسات التعليم بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، كما سعى إلى طرح مبادرات تهدف إلى تحسين جودة التعليم وتوفير بيئة تعليمية محفزة وآمنة للطلاب والمعلمين على حد سواء. كما أولى مجلس الشورى اهتماماً كبيراً بتحسين أوضاع المعلمين القطريين، حيث ناقش عدداً من المقترحات التي تسهم في تعزيز حقوقهم وتوفير بيئة عمل ملائمة لهم، شملت هذه الجهود تحسين الرواتب والمزايا الوظيفية وتقديم حوافز تشجيعية للمعلمين المتميزين، مما يعزز من استقرارهم ويحفزهم على تقديم الأفضل، بالإضافة لمناقشاته التي شملت سياسات تضمن للمعلمين فرص التدريب المستمر، ليتمكنوا من مواكبة أحدث أساليب التعليم وتطوير مهاراتهم بما يخدم العملية التعليمية.
وركز المجلس في دورته الحالية أيضاً على دعم الابتكار في التعليم من خلال تشجيع استخدام التكنولوجيا وتطوير المناهج، تماشيًا مع التوجهات العالمية نحو التعليم الرقمي، ودعم الأعضاء الموقرين مبادرات التعليم الإلكتروني وتطوير مهارات الطلاب في مجالات الابتكار والتفكير النقدي، حيث جاءت هذه الجهود كاستجابة للتحديات التي فرضتها التطورات السريعة في مجالات المعرفة والتكنولوجيا، ما يسهم في إعداد جيل من الشباب القطري قادر على المشاركة بفعالية في سوق العمل المستقبلية.
ومن واقع التزامي الأخلاقي وواجبي الوطني، إنني على يقين أن الدورة الحالية من مجلس الشورى، هي الدورة الأهم في تاريخ هذا المجلس الذي يمتد لأكثر من 52 عاماً، حيث استطاع أصحاب السعادة الأعضاء تحقيق العديد من الإنجازات الملموسة خلال الفترة الماضية، كما أنهم ساهموا بشكل كبير في تعزيز الاستقرار في البلاد. ولعل تفاعلهم الإيجابي مع دعوة سمو الأمير لتعديل بعض مواد الدستور، يعكس التزامهم بتحقيق تطلعات الشعب وبناء مستقبل أكثر إشراقًا، ليبقى المجلس ركيزة أساسية في النظام السياسي القطري، كما أنني على يقين أن دور مجلس الشورى سيظل دوراً محوريًا في تحقيق التنمية والتقدم لدولة قطر.
أخيراً.. أتوجه بكل الاحترام والتقدير لجميع أعضاء الدورة الحالية، وعلى رأسهم الأخ العزيز سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم رئيس مجلس الشورى، والأخت الفاضلة سعادة الدكتورة حمدة بنت حسن السليطي نائب رئيس مجلس الشورى، كما أتوجه إلى العلي القدير بالدعوات لهم بالتوفيق والسداد، جزاءً على جهودهم المخلصة التي ساهمت في دفع عجلة التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية في دولة قطر إلى أرحب الآفاق وأعلاها.. جزاكم الله خيراً يا أبناء الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• وكيل وزارة التربية والتعليم
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4698
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4338
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1518
| 13 مايو 2026