رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب مصدر السلطات هو قاعدة بناء الأمم وبقائها، وليس شعارا يرفعه البعض حسب الهوى وكأنه فضل منه، فمؤسسات الدولة بالأساس أدوات للوفاء بالمسؤوليات ومهام في حياة الدول، وتمنح لها السلطة وفق معايير يحددها العقد الاجتماعي (الدستور) والقوانين المكملة له، والتي تمكنها من أداء مسؤولياتها لضمان الحياة والتقدم نحو المستقبل.
عندما يخرج الشعب ـ والذي هو مصدر السلطات ـ على نظام الحكم، فهذا ليس ضد طبيعة العلاقة بين الشعب والسلطة ولكنه استرداد لحقه وإرادته، والخروج الشعبي في مراحله الابتدائية يكون محاولات توجيه بإعلان مطالب يرى الشعب حاجته إليها، ويتحول الخروج المطلبي إلى ثورة عندما يرى أن سلطة الحكم غير مؤتمنة على إرادته وحاجاته والمسؤوليات التي انتدبها للقيام بها، وحولت حالة التفويض الممنوح لها إلى حالة ملكية، تتخذ من الاستبداد والعنف والتآمر سبيلا لاستمرارها في سلطة الحكم.
الثورات في تاريخ الشعوب ليس فعلا انتقائيا، ولا يخضع لإعادة تعريفه وتوصيفه بادعاء الحكمة بأثر رجعي، فالثورات تهدم أسس السلطة، وإن ظلت بقاياها والمنتفعون ركاما يجب إزالته، ومن طبيعة الأمور أن يقاوم هؤلاء دفاعا عن مصالحهم التي لم يقبل بها وكانت استنزافا للوطن اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ومهما علت أصواتهم فهي إلى نهاية محتومة بالسقوط كما النظام الذي أتاح بيئة وجودها على حساب الشعب.
الثورة الشعبية فعل جماعي يتم في زمن محدود ولكن لشعبيته فإن إتمام عملية التغيير في المجتمع لما ترتب على حكم النظم السابقة هو ما يحتاج إلى زمن ورؤى ومهام ورجال.
فقد نظام حسني مبارك قدرته على مواجهة الثورة الشعبية لأنه مع كافة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأنه استبدل الوطن بخريطة التوريث، وألفت كلمة التوريث بين الشعب والقوات المسلحة، وتجاوز الشعب العجز السياسي للأحزاب وعناصر النخبة.
وفقد نظام الإخوان مبرر استمراره لأنه استبدل خريطة الثورة بخريطة الجماعة السرية، وسعى إلى تفكيك الدولة، وتجاهل الوطن وعاش وهم الخلافة، واستبدل وحدة الشعب التي حققتها ثورة يناير إلى تقسيمه بين مسلم وكافر، وتآلف مع الجماعة كافة التنظيمات الدينية بلا استثناء، وأيضا كانت حركة الشعب متجاوزة الحياة السياسية والحزبية، وكان للجيش دوره وحسم الصراع لصالح الشعب.
هنا يلزم النظر إلى الفترة بين 30 يونيو و26 يوليو 2013 والتي كشفت طبيعة المواجهة وعمق اتساعها، فهي لا تقتصر على الداخل ولكنها ترتبط بأمريكا والغرب، ولم يعد الغرب حكومات ولكنه حلف الناتو، وهي مواجهة لا تتوقف عند السياسة ولكنها تذهب إلى الأساطيل، وأن هناك جماعات وأفرادا جرى استدعاؤها وتمكينها من بؤر آمنة ومسلحة وممولة، وعقيدتها القتل، واتضح أيضاً أن المواجهة تتصاعد إلى استحلال دم كل الشعب وليس مواجهة مع سلطة، وأن المواجهة تشمل كافة التنظيمات الدينية. كان شعار الهجوم (شرعية الصندوق) في مواجهة الانقلاب العسكري، وتغاضي الخارج ومعه قطاع غير قليل في الداخل من النخبة والجمعيات الحقوقية عن حقيقة أن المواجهة بين شعب وجماعة وأن القضية هي هوية وطن ودين واستقلال وطني.
لقد كشفت هذه الفترة أنه كما استحدثت أمريكا عبر المخابرات المركزية الأمريكية فكرة الجهاد ضد الجيش السوفييتي الملحد في أفغانستان، وأنتج مشروع الجهاد الأفغاني تنظيم القاعدة، فقد استعملت أمريكا جماعة الإخوان ومن والاها في مواجهة الثورات الشعبية ضد الاستبداد، وعلى ذات القاعدة (المؤمنون في مواجهة الكفر والإلحاد)، والملحدون هنا ليسوا جيش احتلال شيوعي، ولكن الملحدون هنا هم الشعب.
حرق الأرض والمراحل هو سمة ما بعد 26 يوليو 2013.
جماعة الإخوان السرية وامتداداتها الخارجية تسعى إلى إعدام يوم 30 يونيو 2013 وحرقه من خريطة الزمن، ولأنه لن يتحقق، فليحرق الوطن والشعب وكافة المؤسسات. وأخطر ما نتج عن 30 شهر السابقة على يونيو 2013 هو ذلك التوافق المشوه بين موقف الجماعة وحركات يسارية وحقوقية وبعض من الشباب الذي مازال يئن تحت أحداث ووقائع مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية، هذا التوافق على خصومة مع الجيش، تتعدد الأسباب ولكنها خصومة في لحظة مواجهة بالقتال مع تنظيمات إرهابية واحتمالات مواجهة قادمة من أمريكا والناتو.
ومن ناحية أخرى فخريطة الطريق تكاد تحرق أهم مرحلة من مراحل الثورة وهي مرحلة "التطهير"، وأكثر من ذلك يخرج من الحكومة ومستشاري الرئيس المؤقت دعوات للمصالحة، وكأن الحكمة هبطت على هؤلاء الأفراد (وأعني كلمة الأفراد) الذين جاءت بهم الصدف غير المفسرة حتى الآن، ومنحتهم الحكمة حق حرق 30 يونيو بل ويتجاوز البعض إلى حرق 25 يناير 2011.
أنتجت الحرائق المشتعلة ستارا من الدخان الكثيف يترنح بين إطلاق مقولات "نكسة يناير"، "المصالحة وعدم الإقصاء"، "الاعتذار"، "رموز الثورة"، وهذا الدخان يزيد النار اشتعالا في وقت يجب أن تزداد اللحمة بين الجيش والشعب وأيضا الشرطة، حتى لا يجد العنف شروخاً في البناء الوطني يستطيع النفاذ منها.
وكي يتقبل الشعب ثمن العنف يجب أن يرى المستقبل دون نظامين ثار عليهما "مبارك والإخوان"، ودون كل من تغيرت وتبدلت ألوان جلده طوال الفترة من 25 يناير (الثورة) و30 يونيو (استرداد الدين والدولة والثورة)، و26 يوليو (الاستقلال الوطني).
إن مهمة التطهير أعمق مما يطلق عليه العدالة الانتقالية، فالمهمة بعد 30 يونيو 2013 تضاعفت فهي تواجه:
1. نظام مبارك والحزب الوطني وقياداته.
2. جماعة الإخوان السرية والجماعات الموالية لها والأحزاب التي أنتجتها.
3. مؤسسات الدولة التي ينتشر في داخلها سرطان الفساد وزاد عليه ما أضافته فترة حكم جماعة الإخوان.
وذلك على التوازي مع مواجهة الإرهاب والعنف الذي أطلقته الجماعات الدينية في كل المجتمع.
الإقصاء والعزل السياسي ركن أساسي في الثورات، والإقصاء للرؤى والأساليب يعني إقصاء للأدوات سواء كانت تنظيمات وأحزابا أو أفرادا. والإقصاء والعزل للحزب الوطني يعني حل كيان الحزب وكل مؤسساته والعزل السياسي لكل من أسهم في الفساد السياسي (وليس الجرائم)، وهو أمر بالأساس سياسي، وهي مهمة للثورة يجب تحقيقها، ولا يصلح استخدام قوانين ما قبل الثورة، وإلا فإننا نعيد تسليم الأمور لنفس النظام، وهذه مهمة يجب أن تسبق إجراء أي انتخابات نيابية أو رئاسية، وغير هذا فإننا نلتف على الإرادة الشعبية.
التفريط في مهمة التطهير في المرحلة السابقة تجاه نظام مبارك، أدخلنا في دوامة إقرار التطهير تجاه فترة حكم الإخوان.
الأمر في حالة جماعة الإخوان مركب، نواجه تنظيما سريا (نظام الخلايا "الأسر")، وله ارتباطات خارجية. تنظيم عقائدي (جماعة ربانية كما وصفها مرشدها العام)، علاقات تنظيمية أساسها السمع والطاعة (تنظيم حديدي)، وبداخله تنظيم خاص (تنظيم مسلح سري على أعضاء الجماعة أنفسهم). والجماعة التي جرى حلها عام 1954، استعادها السادات وعاد في نهاية أيامه يعلن خطأه على السماح لهم باستعادة نشاطهم، وتعامل معهم نظام مبارك، ووصل الأمر بالجماعة أن تقبل بالتوريث مقابل استمرارها. وأنتجت الجماعة في مواجهة المجتمع ما سمي بالذراع السياسية للجماعة (حزب الحرية والعدالة)، وصمت الساسة وإدارة المرحلة الانتقالية ولجنة الأحزاب ووصلوا إلى حد الموالسة.
هناك فارق بين الكفاح المسلح في مواجهة محتل غاصب، وبين عقيدة العنف لدى التنظيمات الدينية كعقيدة وجود وبقاء تقدم بالأساس على رفض المجتمع وليس مجرد السلطة، وعقيدة العنف والسلاح هي الحاكمة لكافة التنظيمات الدينية، تستعيض عن الدعوة بالرصاص، وعن المسؤولية تجاه المجتمع بالانعزال عنه والتمايز بالإيمان عن مجتمع يتهمونه بالكفر.
وهناك فارق أيضاً بين الإقصاء والاحتواء، وفارق بين الخداع بالاعتذار من جماعة سرية وبين الابتزاز للمجتمع بالاعتذار.
وهناك أيضاً فارق بين التطهير بالأمن والتطهير بالثورة، مهمة الأمن مواجهة العنف، ومهمة المجتمع المواجهة السياسية، يقول البعض المواجهة بالعقل والقانون وليس بالعضلات، ولكن اللحظة تحتاج إرادة الثورة ووضوحها سواء كانت بالعقل أو العضلات.
هكذا يقع الشعب الذي هو صانع الثورة وهو الذي استخلص إرادته وهو الذي قدم الشهداء وصبر حتى اللحظة، وهو مصدر السلطات، يقع الآن في كمين مزدوج أو بالأحرى ثلاثي الأبعاد، التطهير والإرهاب وأمريكا، وهو مطالب أن يذهب من جديد إلى صناديق الانتخابات ليختاروا، والمعروض عليهم بالأساس مرفوض.
وكأن مصر مازالت دون الوجود، أن يخرج من بين شبابها من يرى نفسه رمزا للثورة، وتكرر الحديث عن رموز للثورة، والثورة عندما تنتج رموزها، تجدهم شهداء أو فاقدي البصر، أو مصابين بلا مقابل، أو تجدهم يحملون مشروع الثورة للشعب بمهام يشاركهم فيها، ويسمح هؤلاء لأنفسهم باسم أنهم الثورة أن يعرضوا لمهام الوطن بشكل من الرعونة والتسيب دون إدراك لحقيقة اللحظة التي يمر بها الوطن.
إن المتحدثين عن كونهم رموزا للثورة، أو الذين جاءت بهم الظروف إلى مناصب في الرئاسة والوزارة، يجب أن يدركوا جميعهم أن الشعوب لا تستخلص إرادتها المرة تلو الأخرى ليفرطوا هم فيها أو يصنعوا بها أمجادا شخصية.
الفضائيات لا تصنع رموز الثورة، وختم الحصانة الذي يحمله أي شخص شارك في أحداث الثورة، ومهما كانت تضحياته، ليس مبررا له أن يخادع نفسه ويشيح بوجهه عن مسؤوليات المرحلة لمجرد أن ينال وجودا له مقابل أو بدون مقابل.
أيقونة الثورة هو الشعب والشهداء وأبناؤهم وأهلهم، ورمز الثورة هو الشعب، ومستقبل الثورة بيد الشعب.
ما يجري فوق الأرض المصرية سوف تتكشف أوراقه كاملة، من يتحمل التضحية حتى بلقمة العيش كما الدم، ومن يتعايش على آلام الشعب ودماء أبنائه، وعندها لا يلومن أحد غير نفسه.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
646
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
543
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3297
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026