رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سعدت بسماع تعليق الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي هذا الأسبوع على محاولات بعض اللوبيات تعكير العلاقات الأخوية القوية بين تونس والجزائر وهو صوت حزم من رجل دولة واع بالخزعبلات الإقليمية والعالمية التي تستهدف إقليمنا بأسره بدق إسفين الفتنة.
فرغم أن محاولة توحيد شعوب المغرب العربي الخمسة (ليبيا وتونس والجزائر والمملكة المغربية وموريتانيا) فشلت سنة 1989 منذ ولادة الاتحاد المغاربي على أيدي زعماء ذلك الزمن ورغم أن العواصف الهوجاء زلزلت شعوبه وأضعفت دوله أو أربكتها منذ ما سمي بالربيع العربي منذ 2011 فإن هذا الإقليم يقع جغرافياً وتاريخياً في قلب ثلاث قارات جاورتها الأيام والمحن وهي أوروبا وإفريقيا وأسيا مما يضع الإقليم المغاربي أيضاً في قلب التحولات الكبرى على مستوى السياسة والحضارة ومما يجعله كذلك هدفا لكل المطامع الأجنبية والتدخلات الاستعمارية والمخاطر الإقليمية في لعبة الأمم الجديدة. فالمغرب العربي بسبب منزلته الإستراتيجية الحاسمة وثرواته الباطنة والظاهرة سيبقى محور الصراعات المعلنة والخفية بين العمالقة والمتعملقين لأنه البوابة الرئيسية لمناطق الأزمات والثروات معا إلى جانب حدوده البحرية مع الغرب وحدوده الصحراوية مع القارة الإفريقية التي تشكل حسب اتفاق الخبراء مستقبل الإنسانية في الطاقة والمعادن والغذاء والمياه.
وحين نقرأ كتب التاريخ من ثلاثة آلاف عام ندرك أن قدر هذه الشعوب هو أن تتوحد وتتفاعل فقد كانت بالفعل أمة مغاربية واحدة منذ العصر الفينيقي وأبطاله الذين قهروا روما وسادوا البحر الأبيض المتوسط وهم أبطال مغاربيون أمثال حنبعل وأميلكار ومنذ العهد الروماني بعده وعاصمته قرطاج سيدة البحر كما اشترك المغاربيون في كتابة تاريخ البربر الأوائل من عهد الكاهنة إلى عهد ماسينيسا إلى أن جاء الفتح الإسلامي المبارك وأسس مدينة القيروان عاصمة مملكة إفريقية التي أعطت اسمها إلى كل القارة الإفريقية وانطلقت فتوحات القيروان الإسلامية المغاربية إلى الأندلس وإلى جنوب أوروبا وإلى القارة السمراء فأنشأت حضارة تدين بالإسلام وتنشره بالحكمة والموعظة الحسنة وإشاعة السلام والعلم وتأسست بيت الحكمة في القيروان منارة للطب والصيدلة والفلك والجغرافيا والرياضيات والقضاء وفقه الإمام مالك. هذا هو الأساس العتيد الذي أقيم عليه الإقليم المغاربي متماسكاً متيناً صلباً يجمع شعوبه في وحدة صماء اشتركت في مقاومة الغزاة والصليبيين والمستعمرين من الهمجية القادمة آنذاك من بلاد الفرنجة كما اشتركت في تحرير الأرض المغاربية من مطامع الهيمنة والابتلاع ومحق الهوية تحت شعارات "تمديننا وإلحاقنا بقشور الغرب"!.
اليوم تتعرض شعوب الإقليم المغاربي إلى عملية مدبرة من الاختراق الاستعماري التوسعي أداتها بذر الفتنة وزرع التفرقة بين شعوبنا والتمهيد إلى الاستيلاء الناعم على خيارات دولنا تحت شعارات زائفة تجدد الفكر الأيديولوجي الصليبي والصهيوني المزدوج الذي يخطط له "خبراء اليمين العنصري المتطرف" والسياسيون المحترفون لدى الغرب والخدم الأوفياء للوبيات حاقدة وذات مطامع ونهم. وأخر هذه الأسافين التي حاول أن يدقها بين أبناء الإقليم المغاربي ما صدر عن الرئيس السابق لفرنسا (نيكولا ساركوزي) من تصريح خارج عن كل السياقات الدبلوماسية والأعراف السياسية حينما زار تونس وقال في تصريح صحفي ما معناه أن تونس تعاني من قدر جوارها لأنها تقع حسب رأيه بين الجزائر وليبيا وظهر الرجل بمظهر المتأسف على جوار تونس والمشفق على الشعب التونسي ليصل إلى الاستنتاج الذي هندسه له مستشاروه وهو قوله بأن كل الأزمات التونسية والمغاربية سوف تحل وتنفرج في إطار اتحاد البحر الأبيض المتوسط! وهنا مربط (كدت أقول الفرس.. بل مربط الحمار في هذا السياق) وتحليلي المتواضع كراصد ميداني للسياسات الأوروبية والفرنسية تحديدا هو أن ساركوزي صاحب الطموحات المتجددة في العودة لقصر الإليزيه وصديق إسرائيل والليبرالي الذي كان أول مرشح لرئاسة الجمهورية الفرنسية يستعمل نفس أساليب اليمين المتطرف والجبهة الوطنية العنصرية لكسب أصوات الناخب الفرنسي محدود الثقافة حين أثار في الرأي العام الفرنسي خوفا من الشباب الفرنسي ذي الأصول العربية المسلمة وطالب بكنسهم بالة ضخ الماء بقوة (الكارشير) مثلما تكنس النفايات ومن موقعه كرئيس أيضاً لم يكف عن اتخاذ الإجراءات لتوسيع ظاهرة الإسلاموفوبيا وتعكير مناخ اجتماعي فرنسي سليم تعايشت صلبه كافة الأعراق والأديان وهو من منظور موضوعي لم يقدم عليه أي مرشح قبله لا من اليمين ولا من اليسار بل تمسك جميع السياسيين الجادين بما يسمونه روح الجمهورية أي التعلق الكامل بدستور فرنسا وتقاليدها وقيمها الجمهورية الشهيرة من حرية ومساواة وأخوة. ونذكر أن ساركوزي في نهاية عهدته الرئاسية أطلق مبادرته بإنشاء اتحاد البحر الأبيض المتوسط يجمع بين كل الدول المطلة على هذا البحر وبالطبع بما فيها دولة إسرائيل بل الغاية الأولى كانت كسر عزلة الدولة العبرية رغم احتلالها للأراضي العربية وهي مدانة من مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة بأكثر من خمسين قراراً لم يطبق منها بند واحد! ولم تحظ هذه المبادرة بأي قبول أو تفهم لذلك السبب ولأن الجزائر طالبت عديد المرات رؤساء الجمهورية الفرنسية بمجرد الاعتذار عن 130 سنة من الاحتلال الرهيب والإبادة الممنهجة التي فاقت المليون ونصف المليون شهيدا منذ إحراق قرى كاملة وقبائل مدنية بأسرها إلى تعذيب المقاومين وقتلهم تحت التعذيب باعتراف موثق من الجنرالات (ماسو) و(أوساريس) و(بوجو) و(سالان) ثم صدر قانون 31 يونيو 1968 ليمنح هؤلاء الجلادين عفواً تشريعياً عاماً شاملاً عما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية في الجزائر ثم لا تنس أيها القارئ الكريم تجارب فرنسا لقنبلتها النووية في قلب الصحراء الجزائرية منذ 1958 واستعمال المواطنين الجزائريين كفئران مخابر لدراسة الإشعاعات الذرية وما خلفته هذه الجريمة من ضحايا مشوهين إلى اليوم! الخلاصة والعبرة كما قال الرئيس الباجي هي أن وحدة التاريخ ووحدة المصير في المغرب العرب العربي أقوى من مؤامرات اللوبيات المشبوهة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1188
| 01 أكتوبر 2026