رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وأنت في درب الحياة سائر، قد ترى صدفة لقطة لا تعيرها أدنى انتباه، ثم يحدث بعدها بعمر طويل ما يستدعيها، فتسترجعها طازجة بكل ما كان فيها وحولها ومعها! لقطة هذا الصباح لأم بطة، التي كانت تحتل ناصية الشارع بأعز ممتلكاتها (قفص كبير) تنشر فوقه خضراواتها الورقية فجل، خس، جرجير، بصل، لا تظهر إلا ساعة العصاري، بورفؤاد كلها تعرف (أم بطة) التي كانت لها حصانة خاصة، فلا أحد يزيحها من مكانها، ولا حملات البلدية تستطيع بكامل طاقمها أن تهشها من موقعها المميز، أم بطة حالة خاصة يتعاطف معها الرائح والغادي، فهي أم اليتامى التي تسعى على رزقها لإطعامهم وقد تجاوزت الستين، أخاديد الوجه، وهالات العيون المتعبة، والكفَّان المعروقتان، تشي خشونتهما الجارحة بشقاء عمر طويل، الآن أتذكر تقاطيع وجهها الغائب بكل تفاصيله وحالها وهي تتربع أمام قفصها مرتدية جلباباً أسود امتقع لونه من كثرة ما ضربته الشمس، وعلى رأسها طرحة ثقوبها لا تعد، وبصوت مبحوح تنادي (ورور يا فجل) أمامها كنت أقف لأشتري خضار السلطة، فألحظ دائما أن أكلها الذي تضعه في حجرها رغيف أسمر وقطعة جبن قريش وأعواد من السريس، كانت إذا أكلت تساقطت فتافيت الخبز في حجرها حتى إذا ما انتهت دست يدها في حجرها وجمعت فتافيت الخبز في كفها لترفعها إلى فمها، تمضغها وتكرر لم الواقع منها ولا تكاد تترك فتفوتة واحدة، وإذا ما استعجلها أحد الواقفين استمهلته وهي تبتسم (يا حبيبي صبرك شويه اللي يلم النعمة تلمه) نضحك على فمها الخالي من أسنانه إلا قليلاً، ثم نأخذ من حزم الخضار ما نأخذ بينما تضع باقي النقود في أكف الصغار وتوصيهم بالقبض عليها جيداً حتى لا تقع، نشتري ونمضي، وصوتها يسري وقد غابت الشمس (ورور يا فجل) ساعة من الليل تمضي وبعدها تقف (أم بطة) لتنفض جلبابها، وتحمل قفصها الفارغ فوق رأسها بعد أن باعت ما جاءت به، تمضي أم بطة ومعها حكاية من شقاء الشيخوخة التي تضرب في طرقات الدنيا بضعفها، ومرضها من أجل لقمة تضعها في فم الصغار، الآن تحضر صورة (الجدة) الحاضنة للأيتام التي تقول لمن يستعجلها (اللي يلم النعمة تلمه) ليكون كلامها مدهشاً وذا قيمة قد لا نلقي له بالاً، عادت أم بطة لتحتل كادر الصورة في ذاكرتي وأنا أرى خادمة صديقتي تُخرج مع كيس القمامة أكياساً من خبز لم يمس، بعضه ضربه العفن، والآخر يابس، أشكال وألوان توست، وبواقي سندويتشات المدرسة، وقطع من الكيك الناشف، أقسم أن الخبز الخارج إلى حاوية القمامة يأكله فوق كوكبنا بشر كثيرون! رمي الخبز نهج متكرر في بيوت كثيرة، نرمي دون أن نفكر! السؤال هل فكرنا أن نضع أمامنا ما نتصور أننا سنأكله؟ هل فكرنا بتقطيع الرغيف الواحد إلى أربعة أجزاء لنأخذ فقط حاجتنا دون أن نرمي ما تبقى لأن أحدا لا يأكل بواقي أحد؟ هل فكرنا في تحويل بواقي الخبز إلى (بقسماط) بطحنه وحفظه؟ هل فكرنا كم طن خبز نلقي بها إلى الحاويات كل عام؟ وهل نحن إلى هذا الحد عاجزون عن حماية (النعمة) من الهدر والعمل بنصيحة أم بطة الماسية (اللي يلم النعمة تلمه)؟!
طبقات فوق الهمس
* كنت أفر القنوات، استوقفني الشيخ الدكتور محمد العوضي وهو يحكي حكاية شاب بالمملكة كان غاطساً حتى أذنيه في المعاصي، حيث سحبته الصحبة الفاشلة ليغرق فيما كان فيه، ثم استفاق الشاب فجأة برحمة من الله وتاب وآب معتذراً لربه، في صباح يوم طيب ذهب وحجز في أحد الباصات التي تذهب أسبوعياً للعمرة، ودع أهله، وأدى عمرته على أجمل ما يكون ثم توجه بنفس الباص إلى المدينة، قبل المدينة بعشرين كيلو انقلب الباص، واحترق من راكبيه من احترق، ومن قلب الهلع خرج الشاب وهو مذهول من الحريق، أخذ يصرخ ويصيح (وين القبلة) أراد أحدهم أن يسقيه ماء، لم يأبه بالماء ظل يصرخ (وين القبلة) أشار له من يحمل الماء القبلة أمامك، أراد الشاب أن يسجد لله شكراً على نجاته، خر ساجداً، ولم يرفع رأسه من سجدته! مات التائب وسط ذهول الواقفين! أهذا ما يسمونه حسن الخاتمة؟
* للعدل مفهوم غاية في السمو خلده الشعراء في نهج الفاروق عمر، وقال فيه حافظ إبراهيم:
أمنت لما أقمت العدل بينهم
فنمت قرير العين هانيها
هذا البيت ليس خاصا بالفاروق فحسب إنما يصلح لكل من ساس مجموعة، أو ترأس مؤسسة، أو إدارة، أو موقع عمل، فكان من الجميع على مسافة واحدة دون أدنى تمييز.
مغازل الغيب !
يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد
159
| 19 مايو 2026
الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية
انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد
93
| 19 مايو 2026
المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري
في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد
228
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5994
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5775
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1773
| 13 مايو 2026