رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. أحمد أويصال

أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
 

مساحة إعلانية

مقالات

57

أ.د. أحمد أويصال

القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

10 مايو 2026 , 11:03م

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد المتزايد للاحتباس الحراري، عوامل تُهدد مستقبل البشرية وتجعل العالم أقل قابلية للحياة. وقد ساهمت حالة الظلم وعدم التوازن في النظام العالمي منذ سنوات في انتشار الفقر والمعاناة، إلا أن الحروب الحديثة التي تقودها مصالح ضيقة وطموحات جشعة زادت من حجم الأزمات وأثقلت كاهل الإنسانية بمزيد من الفقر والتحديات. وفي ظل تعثر النمو الاقتصادي وظهور مشكلات حادة على المستويين البيئي والاجتماعي، عادت التنمية المستدامة لتتصدر الاهتمام العالمي من جديد. ويسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن تؤديه القيم الإسلامية في تقديم رؤية أخلاقية وإنسانية تُسهم في دعم حلول التنمية المستدامة.

في قمة الأمم المتحدة عام 2015، وقّعت أكثر من 150 دولة على أهداف التنمية المستدامة، والتي عُدّت في الحقيقة أهدافًا طموحة للغاية. فقد هدفت إلى القضاء على الفقر، وتقليص أوجه عدم المساواة داخل المجتمعات وفيما بينها، وتوفير الرعاية الصحية والتعليم الجيد للجميع، وتمكين النساء والأطفال ودمجهم في المجتمع، وبناء اقتصاد قوي وشامل يعزز العدالة والأمن والسلام، إلى جانب حماية البيئة وتشجيع الشراكات الدولية وروح التضامن لتحقيق هذه الأهداف. ومن أبرز مبادئ التنمية المستدامة أيضًا ترك بيئة صالحة للعيش للأجيال القادمة.

رغم أن مفهوم التنمية المستدامة يُعد مفهومًا حديثًا نسبيًا، فإن أهدافه الأساسية تنسجم بدرجة كبيرة مع الرؤية الإسلامية للحياة والكون. فالإسلام، بوصفه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية، ينظر إلى الأرض والبيئة على أنهما أمانة يجب صونها، لا مجرد موارد تُستهلك بلا حدود. ومن هذا المنطلق، يدعو الإسلام الإنسان إلى الانتفاع المعتدل والمتوازن بخيرات الدنيا، إدراكًا لكونه مستخلفًا في الأرض وليس مالكًا مطلقًا لها. وقد حمّل الله الإنسان مسؤولية الحفاظ على النظام والعدل والتوازن في الحياة، سواء في تعامله مع البشر أو مع سائر المخلوقات، بما فيها الحيوانات. كما يقدّم القرآن الكريم والسنة النبوية رؤية شاملة تقوم على الإدارة الرشيدة للموارد، وحماية التوازن البيئي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ القيم الأخلاقية التي تضمن استقرار الإنسان والمجتمع والطبيعة معًا.

يُنظر إلى الإنسان في الإسلام على أنه خليفة الله في الأرض، وقد أوكلت إليه مهمة رعايتها والمحافظة عليها. فمفهوم الخلافة لا يعني الهيمنة أو الاستغلال المطلق، بل يقوم على الأمانة والمسؤولية، مما يفرض على الإنسان استخدام الموارد الطبيعية بحكمة، وتجنب الإسراف، والتعامل مع نعم الخالق بروح من الشكر والاعتدال. وقد أكّد القرآن الكريم أن «أرض الله واسعة» وأن «الرزق بيد الله»، في إشارة إلى أن موارد الأرض كافية للجميع إذا أُحسن استخدامها وتوزيعها بعدل. كما شدّد القرآن والسنة النبوية مرارًا على ضرورة تجنب التبذير والإسراف، وهو ما يُعد اليوم من أبرز المشكلات التي تعوق تحقيق التنمية المستدامة في العالم.

جاء في القرآن الكريم: ﴿فَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9]، وهي دعوة تؤكد ضرورة الحفاظ على التوازن في سلوك الإنسان، وفي الأنظمة البيئية، وفي حياة المجتمعات. فالمسلم يسعى إلى تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي دون الإخلال بالتوازن الدقيق الذي تقوم عليه الحياة. كما أن مفهوم «الاقتصاد» في الإسلام يحمل في جذوره معنى الاعتدال والوعي في الإنتاج والاستهلاك. ولذلك ينهى الإسلام عن الجشع والاستغلال المفرط للطبيعة وتلويثها، لأن ذلك يؤدي إلى اختلال التوازن. وفي المقابل، يشجع الإسلام على كل ما هو حلال وصحي وأخلاقي ونافع للمجتمع في مجالي الإنتاج والاستهلاك، ويحرم كل ما يسبب الضرر للإنسان أو البيئة أو المجتمع.

ويرتبط مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام ارتباطًا مباشرًا بالتنمية المستدامة، إذ يدعو الدين الحنيف إلى التوزيع العادل للموارد، والتخفيف من الفقر، وحماية الفئات الضعيفة والمحتاجة. وتُعد آليات مثل الزكاة والصدقة من الوسائل الأساسية لمواجهة التفاوت الاجتماعي وضمان استفادة جميع فئات المجتمع من ثمار التنمية. كما يعكس نظام الوقف الإسلامي رؤية تراعي مصلحة الحاضر والأجيال القادمة معًا، حيث يمتزج تحقيق المنفعة العامة بالتوجيهات الدينية. ولا تقتصر العدالة في الإسلام على الإنسان وحده، بل تشمل أيضًا الرحمة بالحيوان وحسن معاملته.

أما في مجال حماية البيئة وإحيائها، فيحمل الإسلام رؤية إيجابية ومتقدمة؛ فقد شجّع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، على غرس الأشجار، والمحافظة على المساحات الخضراء، والرفق بالحيوان. كما دعا إلى عدم احتكار الماء، باعتباره نعمة إلهية يجب أن يتشارك فيها الناس بعدل. ومن خلال تبني هذه القيم وتفعيلها عمليًا، تستطيع المجتمعات المسلمة أن تقدم نموذجًا عالميًا في الاستدامة، وأن تسهم بفاعلية في الجهود الدولية لحماية البيئة وتعزيز العدالة الاجتماعية وضمان رفاه الأجيال الحالية والمستقبلية. فالقضية الجوهرية تكمن في إحياء القيم التي فقدناها وإعادة تفعيلها في حياتنا المعاصرة.

مساحة إعلانية