رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أثارني تقرير نشرته صحيفة " فايننشال تايمز" البريطانية حول تجربة غريبة حدثت بمدينة هوبارت في أستراليا بطلها رئيس شركة استشارات مالية، شرع في العمل بدوام جزئي بعد أن بدأت زوجته رحلة علاج مع السرطان. حيث وجد رئيس الشركة أن باستطاعته إنجاز الكثير من العمل خلال (خمس ساعات) كما كان يفعل خلال ساعات العمل الثماني السابقة، المعتادة في العالم كله اليوم، وهذا ما جعله يفكر في تعميم التجربة بشركته، وأنه بإمكان أي موظف عنده أن يفعل نفس الشيء.
بدأ بتطبيق تجربة العمل لخمس ساعات في اليوم فقط بدون أي تخفيض لرواتب الموظفين، وكان عليهم بدء العمل بين الساعة الثامنة والتاسعة صباحا على أن ينجزوه بحلول الساعة الواحدة أو الثانية بعد الظهر، وبعد ذلك كان معظمهم أحرار في قضاء أوقاتهم كيفما شاؤوا، وبقي مكتب الاستقبال مفتوحاً طوال اليوم لتلبية احتياجات العملاء العاجلة.
التجربة أثبتت نجاحها ولم تنهر الشركة، بل إن مديرة العمليات بالشركة وصفت التجربة بأنها تجربة مغيرة للحياة، فقد انخفضت أيام الإجازات المرضية وتم توظيف موظفين جدد موهوبين، وسجل بعض المستشارين مستويات قياسية من الأعمال الجيدة.
وأبدت كاتبة التقرير بالصحيفة إعجابها بفكرة ساعات العمل الخمس اليومية لعدة أسباب، منها أنها وضعت حداً لبعض أغلى أوقات العمر التي يقضيها الموظف في العمل المكتبي، مثل الاجتماعات الطويلة أو العبثية التي تحولت بعد تطبيق التجربة الجديدة إلى اجتماعات خفيفة على مستوى المكتب لا تزيد على عشر دقائق أسبوعياً.. ومن المتوقع — كما تقول محررة التقرير — أن تضع ساعات العمل الخمس حداً أيضاً لحماقة مكتبية أخرى ألا وهي البقاء في العمل حتى الساعة الخامسة مساء عندما يكون الموظف قد أنجز كل عمله، لكن عليه الانتظار حتى نهاية الدوام أو لأن المدير لا يزال في مكتبه.. وتضيف كاتبة التقرير فائدة أخرى لنظام الساعات هذا، هو أنه يعترف بالحقيقة الخفية عن بيئة العمل، وهي أن بعض الناس ينجزون عملاً أكثر في ثلاث ساعات مما ينجزه الآخرون في عشر ساعات، ومع ذلك لا يكافأون أبداً على ذلك.. وختمت الكاتبة بأن فكرة العمل اليومي لثماني ساعات تعود لأكثر من قرن من الزمان، وأن هناك شيئاً غريباً بشأن تعلقنا بها، ومع أن فكرة الساعات الخمس قد لا تكون الحل الأمثل للجميع إلا أنها يمكن أن تنجح في العديد من الأماكن أكثر مما نتخيل.
تاريخ الثماني ساعات
يرجع نظام العمل لثماني ساعات باليوم إلى القرن الثامن عشر مع اشتداد الثورة الصناعية في أوروبا، وخروج الجميع للانخراط في المصانع، رجالاً ونساء وحتى الأطفال، ورغبة الجميع في العمل، عمالاً أو أصحاب مصانع، ما جعل الأمر يصل بالناس للعمل حتى 18 ساعة باليوم، إلى أن جاء أحد النشطاء الاشتراكيين في بريطانيا وكان صاحب مصنع، وهو " روبرت أوين " فبدأ محاولاته لوقف هذا الاستغلال البغيض من أصحاب المصانع للعمال، ورفع شعار تقسيم ساعات اليوم إلى ثلاثة أقسام. ثماني ساعات عمل، ثماني للراحة، وثمان أخرى لبقية مشاغل الإنسان والاهتمام بحياته..
وهكذا ما بين شد وجذب، ولسنوات عديدة، وبعد مطالبات عمالية واحتجاجات، استقر الأمر على ثماني ساعات عمل باليوم بمعدل أربعين ساعة أسبوعياً، مع إمكانية رفع السقف واعتبار ذلك عملاً إضافياً يتطلب أجراً..
قد يتفهم المرء هذا النظام سواء كان ثماني ساعات أو أكثر باليوم، باعتبار أن العمل قبل قرنين كان يعتمد بشكل كبير على المجهود العضلي، كالعمل في المصانع والمزارع وأعمال التجارة الأخرى، لكن مع تطور الزمن والتقنيات وصولاً الى عصر المعلومات والاتصالات والانترنت، وتطور مفاهيم وأساليب العمل في كافة القطاعات، لم يعد مقبولاً الاستمرار على نظام ظهر في ظروف معينة، دون محاولة تطويره وبما يتناسب مع ظروف هذا العصر الذي نعيشه.
هذا المطلب صار عالمياً وبدأت جهات عديدة تطرح مثل هذا التساؤل وتبحث في سلبيات وإيجابيات النظام، والتفكير في بدائل أو أنظمة أخرى وايجابياتها. والنموذج الذي بدأنا به المقال هو تجربة عملية أثبتت إمكانية التخلص والتحرر من قيد نظام الثماني ساعات، وبطريقة عملية.
ساعات أطول لا تعني إنجازاً أكثر
طرحت مسألة العمل لثماني ساعات أو أقل على جمهور المتابعين في تويتر وطلبت المشاركة في استبيان بسيط، يختار كل شخص الوقت المثالي للعمل وبحسب تخصصه وعمله، ووضعت ثلاثة اختيارات، هي خمس أو ست أو ثماني ساعات. شارك حوالي 730 شخصاً في الاستبيان، فاختار 54 % ست ساعات فيما قال 38 % من المشاركين بخمس ساعات، وظل 8 % على النظام الحالي وهو ثماني ساعات في اليوم. وأبدى كثيرون آراءهم وتعليقاتهم، وكانت غالبيتها تدعو إلى ضرورة إعادة النظر في هذا النظام، فالزمن قد تغير وظروفنا البيئة والاجتماعية وكذلك الدينية في قطر تدعونا جميعها لإعادة النظر في عدد ساعات العمل اليومية.
اليوم مع التطور التقني وسيطرة الرقمية على أغلب مجالات العمل، لم يعد من الممكن القول بأنه كلما زاد مكثك بالعمل كلما أنجزت، فهذا القول يمكن الاستمرار في ترديده في مجالات عمل معينة كخطوط الإنتاج في المصانع على سبيل المثال، لكن لا يمكنك تطبيق المقولة تلك في مجالات عمل جديدة تعتمد الرقمية أساساً في العمل والإنتاج. بمعنى آخر، تعددت مجالات العمل وتنوعت وصارت أغلبها أعمالاً ذهنية. وحين نقول بأنها ذهنية، فالأمر يختلف عن الأعمال العضلية التي تعتمد الجهد البدني في الإنتاج أكثر من الجهد الذهني. وعلمياً بحسب دراسات عديدة، تبين أن قدرة الموظف في الأعمال الذهنية لا يمكن أن تتعدى أربع ساعات، ففي تلك الفترة يكون الإنجاز، وبعدها سيتحول عمل الموظف إلى أشبه ما يكون بتمضية وقت في روتينيات يومية. أي أن 50 % من وقت الموظف غالباً يكون مهدراً ما بين أحاديث شخصية مع زملاء العمل أو تصفح مواقع على الانترنت أو انهماك مع وسائل التواصل، إلى جانب أوقات أخرى للأكل والشرب والتدخين وقراءة الصحف وغيرها من أنشطة لا علاقة لها بالعمل..
التقنية وتقليص ساعات العمل
توقع بعض المحللين الاقتصاديين في ثلاثينيات القرن الماضي، أنه بعد قرن من الزمان ومع التقدم التكنولوجي أن تنخفض ساعات العمل اليومية لتصل إلى 15 ساعة أسبوعياً، بمعدل ثلاث ساعات يومياً بحلول عام 2030.. نعم، لم لا تنخفض وقد تطورت التقنية اليوم عن مائة عام مضت بشكل مذهل، وتطورت أساليب أداء الأعمال. وهذا يؤكد مرة أخرى أن الأمر بحاجة لنوع من التوافق ومواكبة التطور الحاصل في أدوات ومجالات العمل، ويدعو إلى أهمية وضرورة مراجعة أنظمة العمل باستمرار ومنها ساعات العمل، وعدم اعتبار الثماني ساعات أو الأربعين ساعة أسبوعياً، أرقاماً سحرية ومقدسة لا يجوز تغييرها أو مجرد التفكير في تغييرها.
تقليل ساعات العمل اليوم مع التقدم التقني الحاصل وتنوع أساليب أداء الأعمال، صار مطلباً ضرورياً، وخاصة إذا أردنا أن يكون التركيز في العمل على إنتاجية الموظف وليست على فترة مكثه بالعمل، وإذا أردنا أيضاً منع الهدر الحاصل في أوقات الموظفين أولاً، والنتائج المترتبة على ذلك ثانياً مثل استهلاك موارد المؤسسة أو الشركة، بالإضافة إلى تأثير طول فترة الدوام على العلاقات الأسرية والواجبات المنزلية والاجتماعية، والآثار السلبية على الصحة بشكل عام.
المدارس لها نصيب أيضاً
هذه المسألة لا تقتصر على الموظفين، بل أيضاً تشمل طلاب المدارس، الذين تحولت لديهم المدرسة إلى دار مملة، يقضي الطالب بين ثناياها ساعات طويلة، فيها هدر كبير لجهودهم وللعاملين من إداريين ومعلمين.. فإن كانت الاقتراحات بتقليل عدد ساعات العمل إلى ست ساعات للموظفين، فإن خمس ساعات ونصف الساعة ستكون كافية جداً للمدارس، وعلى ذلك نقترح أن يتم دراسة إعادة جدولة الحصص الدراسية وتوقيتاتها، والتركيز على نوعية التعليم وليس كمية ما يتم حشو الأذهان بها.
إن ست أو خمس حصص دراسية في اليوم كافية، يتم توزيع الساعات الخمس على تلك الحصص، سواء كانت ست أو خمس حصص، وبهذا سيخف الضغط على الطلاب والمدرسين، وسيجد الطالب وقته ليجتمع بأهله، وسيجد كذلك متنفساً للراحة وأن يعيش حياته، بالإضافة إلى واجباته المدرسية، وليس كما الواقع اليوم، الذي أرجو أن يتم فعلياً تغييره للموظفين والمدارس.
إن الاستثمار الرائع للتقنية في وزارة مثل الداخلية وتقليص الأعمال الورقية إلى رقمية، يدعونا الى التفكير جدياً في مسألة إعادة تقييم نظام عدد ساعات العمل اليومية. وهذا الأمر مرفوع لجهات الاختصاص لبحثه ودراسته، والله سبحانه بكل جميل كفيل، والهادي إلى سواء السبيل.
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
372
| 17 سبتمبر 2026
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
240
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
507
| 03 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026