رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

582

د. هلا السعيد

عندما تتحول الكلمة إلى فتنة

10 مارس 2026 , 02:01ص

في أوقات الأزمات تظهر معادن الناس الحقيقية؛ فهناك من يقف موقف المسؤولية والوعي، ويسعى إلى التهدئة وبث الطمأنينة، وهناك – للأسف – من يختار طريقًا آخر، طريق نقل الأخبار المغلوطة أو تضخيم الأحداث، دون إدراك حجم الضرر الذي قد تسببه الكلمة عندما تُقال في غير موضعها، خاصة إذا أصبحت ترند على حساب دولة وشعب كامل. هذه الظاهرة ليست مجرد خطأ فردي، بل قد تتحول في لحظات إلى حالة من الفوضى النفسية والاجتماعية، تؤثر في استقرار المجتمع وتقلل من ثقته بمصادر المعلومات الرسمية.

إثارة الفتن في أوقات الأزمات من أخطر السلوكيات التي تهدد تماسك المجتمع، خصوصًا عندما يقوم بعض الأشخاص بتداول أخبار غير دقيقة أو معلومات غير موثقة حول ما يجري من أحداث. فهذه الأخبار لا تهدف غالبًا إلى نقل الحقيقة بقدر ما تسعى إلى إثارة القلق والبلبلة بين الناس، وزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، وكأن البعض لا يدرك أن الكلمة أحيانًا قد تكون أخطر من الفعل نفسه.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الشائعة تنتشر بسرعة هائلة، خاصة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي. بضغطة زر قد تنتقل معلومة غير صحيحة إلى مئات أو آلاف الأشخاص، لتتحول في لحظات إلى حديث الناس، رغم أن مصدرها قد يكون مجهولًا أو غير موثوق. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فليس كل ما يُقال أو يُكتب حقيقة، وليس كل ما نسمعه يستحق إعادة النشر.

إن تداول المعلومات دون التحقق من صحتها قد يؤدي إلى تضخيم الأحداث وإشاعة الخوف بين الناس، وهو ما يخلق حالة من التوتر الاجتماعي غير المبرر. فالمجتمع الذي يعيش حالة من القلق الدائم بسبب الأخبار المتناقضة، يفقد جزءًا من استقراره النفسي والاجتماعي، بينما الحقيقة قد تكون أبسط بكثير مما يتم تداوله.

ولهذا فإن الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة مثل هذه الظواهر. فالمجتمع الواعي لا ينجرف خلف كل خبر، ولا يسمح للشائعات أن تقوده إلى القلق أو التوتر. بل يبحث عن الحقيقة من مصادرها الرسمية والموثوقة، ويتعامل مع الأخبار بعقلانية واتزان، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع في الحكم.

كما أن التكاتف بين المواطنين والمقيمين، والالتزام بالتعليمات الرسمية، يعكس صورة المجتمع المتماسك الذي يدرك أن قوته الحقيقية تكمن في وحدته. فالأزمات مهما كانت صعبة تمر وتزول، لكن ما يبقى هو وعي الناس وطريقة تعاملهم مع تلك اللحظات الحساسة، ومدى قدرتهم على التمسك بروح المسؤولية الجماعية.

إن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بمدى وعي أبنائها وقدرتهم على حماية وحدتهم الوطنية من محاولات بث الفرقة أو زرع الشكوك بين الناس. فالكلمة أمانة، والمسؤولية لا تقف عند حدود ما نقول، بل تمتد إلى ما ننشره وما نعيد تداوله. فكم من كلمة أشعلت خلافًا، وكم من شائعة أربكت مجتمعًا كاملًا، بينما الحقيقة كانت تنتظر قليلًا من التروي والتحقق.

ولعل ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو أن نتعلم ثقافة التثبت قبل النقل، وأن ندرك أن الكلمة قد تبني ثقة وقد تهدمها، وقد تطمئن الناس وقد تقلقهم. لذلك فإن مسؤوليتنا الفردية في التعامل مع الأخبار لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات في نشر الحقيقة.

فلنكن جميعًا على قدر هذه المسؤولية، ولنجعل من وعينا درعًا يحمي مجتمعنا من الشائعات والقلق غير المبرر، حتى تبقى روح التضامن أقوى من أي محاولة لزعزعة الثقة بين الناس. فالمجتمعات الواعية لا تهزمها الشائعات، لأنها تعرف أن الحقيقة أقوى من الضجيج، وأن تماسك الناس هو الحصن الحقيقي الذي يحفظ استقرار المجتمع وطمأنينته. وعندما نحافظ على هذا الوعي ونتحقق قبل النشر، نضمن ألا تتحول الكلمات البريئة إلى أداة فتنة تؤثر في وحدة مجتمعنا.

اقرأ المزيد

alsharq دور الثقافة في الجيوبوليتيك العربي

لا تُعدّ الثقافة في الجيوبوليتيك العربي عاملاً ثانوياً أو هامشياً، بل تمثل مورداً استراتيجياً أساسياً لفهم تفاعلات المنطقة... اقرأ المزيد

105

| 21 يونيو 2026

alsharq في الصراحة راحة

كم يُصاب الإنسان بخيبة الأمل ويحزن كثيراً عندما يرى أشياء قد تَعب من أجلها وصرف عليها الكثير وبنى... اقرأ المزيد

108

| 21 يونيو 2026

alsharq جيل ربّته الكتب وآخر ربّته الخوارزميات

يستحق الفرق بين جيلٍ ربّته الكتب وجيلٍ ربّته الخوارزميات أن يُقرأ بهدوء، بعيدًا عن الحنين الذي يُجمّل الماضي... اقرأ المزيد

105

| 21 يونيو 2026

مساحة إعلانية