رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا تُسمع صفارات إنذار. يحدث ما هو أبسط وأشد قلقاً: تختفي الإشارات. الهواتف تبحث عبثاً عن شبكة، الإنترنت يتلاشى فجأة، أنظمة الملاحة تفقد اتجاهها، والبث يتوقف دون تفسير. يتسلل الصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية كأنه خلل عابر، قبل أن يتحول إلى إدراك ثقيل: البنية التي كانت تحمل العالم لم تعد تعمل. لا أحد يعرف ما الذي حدث، ولا من يقف خلفه، لكن الحقيقة الوحيدة الواضحة أن الاعتماد الكامل على شبكة غير مرئية يمكن أن ينقلب في لحظة إلى هشاشة مطلقة.
قد يبدو المشهد سينمائياً، لكنه أقرب إلينا مما نتصور. تخيّل أنك تستيقظ في صباحٍ عادي من صباحات القرن الحادي والعشرين. تمتد يدك إلى الهاتف كالمعتاد… لا إشعار يصل. تفتح التطبيق، فلا يستجيب. تحاول الاتصال، فتظهر عبارة "لا توجد شبكة". في البداية يبدو الأمر عطلاً عابراً. تمرّ ثوانٍ ثقيلة، ثم دقائق. تتجمد التطبيقات، تتأخر الرسائل، يتباطأ النظام، ويتسلل قلق غير مفهوم إلى داخلك.
هنا، يكفي أن يتعطل الاتصال لثوانٍ حتى نشعر باضطراب لا نستطيع تفسيره. فنكتشف، ولو للحظة، أننا لا نستخدم الشبكة فحسب، بل نعيش داخلها. غير أن السؤال الأكثر إزعاجاً ليس ماذا لو تعطّل التطبيق، بل ماذا لو صمتت الشبكة نفسها؟ ماذا لو انقطع الإنترنت عن العالم انقطاعاً واسع النطاق لأيام أو أسابيع؟
عندها لن يكون الحدث تقنياً، بل بنيوياً؛ لن يكون خللاً في الخدمة، بل اختباراً للنظام الدولي الذي أعاد الاتصال الرقمي تشكيله جذرياً.
تُقدَّر المعطيات عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا بنحو 6 مليارات شخص، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان الأرض. هذا يعني أن الاتصال لم يعد امتيازاً، بل أصبح شرطاً هيكلياً للحياة المعاصرة. والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعي تجاوزت عتبة 5.24 إلى 5.66 مليار مستخدم نشط، وهو ما يمثل أكثر من ثلثي البشرية تقريباً.
هذه الأرقام لا تعكس انتشارًا تقنيًا فحسب، بل تشير إلى تحول حضاري عميق؛ فالمجال العام، والاقتصاد، وأنماط العمل، والتعليم، وحتى الهوية الاجتماعية، باتت متشابكة مع بنية رقمية تعمل بلا توقف. وبالتالي فإن انقطاعاً واسع النطاق لا يعني اختفاء منصات التواصل فحسب، بل اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فالمعاملات المالية العابرة للحدود، التي تمر يوميًا بتريليونات الدولارات، تعتمد على الاتصال الفوري. أنظمة الحجز والنقل البحري والجوي مرتبطة بسيرفرات موزعة عالمياً. حتى إدارة شبكات الطاقة والمياه أصبحت مؤتمتة عبر أنظمة رقمية. وعندما تتوقف البيانات، تتوقف معها القدرة على التحقق، والمصادقة، وإدارة المخاطر.
المعروف أن الإنترنت صُمِّم في بداياته بوصفه شبكة لامركزية قادرة على الصمود أمام الأعطال والاضطرابات، بحيث لا يؤدي سقوط جزء منها إلى انهيارها بالكامل. غير أن هذه المرونة التقنية تخفي مفارقة بنيوية واضحة: فالبنية المادية التي يحملها الفضاء الرقمي ليست موزعة بالقدر نفسه من التوازن. إذ تمرّ أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية عبر كابلات بحرية تمتد في قاع المحيطات لمسافات تتجاوز مليون كيلومتر، تملكها أو تشارك في تمويلها وتشغيلها شركات تكنولوجية كبرى وتحالفات تجارية عابرة للحدود. كما يدير نظام أسماء النطاقات عددٌ محدود من خوادم الجذر التي تمثل نقطة ارتكاز حيوية في توجيه حركة الإنترنت عالمياً، في حين تتركز مراكز البيانات العملاقة في مناطق جغرافية بعينها، غالباً داخل نطاقات نفوذ اقتصادي وتقني محددة.
هذه الحقائق تعني أن "الفضاء السيبراني" ليس كياناً افتراضياً طليقاً في الفراغ، بل منظومة مادية كثيفة ومتموضعة، يمكن — نظرياً — أن تتعرض لتعطيل متزامن بفعل هجوم سيبراني منسق، أو تخريب مادي يستهدف نقاط الاختناق الحيوية، أو حتى حدث طبيعي استثنائي كعاصفة شمسية فائقة. وهنا تنكشف المفارقة: شبكة وُلدت لتقاوم الضربات، لكنها تقوم على بنية مادية مركّزة تجعلها، في لحظات معينة، أكثر هشاشة مما تبدو عليه.
عند وقوع انقطاع واسع، ستظهر فجأة الفوارق بين الدول. الدول التي استثمرت في مراكز بيانات وطنية وبنى تحتية سيادية قد تتمكن من تشغيل شبكات داخلية محدودة. أما الدول التي اعتمدت بالكامل على الخدمات السحابية العابرة للحدود، فستجد نفسها أمام فراغ إداري وتشغيلي. هنا يتحول مفهوم "السيادة الرقمية" من شعار سياسي إلى متغير حاسم في إدارة الاستقرار الداخلي.
الأخطر من الانقطاع ذاته هو ما قد يعقبه. فالصدمة قد تدفع الدول إلى تقليص اعتمادها على الشبكة العالمية وتعزيز شبكات وطنية أو إقليمية مغلقة نسبياً. قد تتوسع مشاريع "وطننة الإنترنت"، ويتعزز منطق الأمننة على حساب الانفتاح. وهنا يصبح احتمال تجزئة الإنترنت العالمي أكثر واقعية، لا بوصفه خياراً أيديولوجياً، بل استجابة استراتيجية لمخاطر كشفتها الأزمة.
إنّ مجرد إدراك أن ستة مليارات إنسان قد يجدون أنفسهم خارج الشبكة في لحظة ما يكفي لفهم حجم التحول الذي نعيشه. انقطاع الإنترنت اليوم يعادل، من حيث الأثر البنيوي، تعطّل شبكات الكهرباء في القرن العشرين أو إغلاق الممرات البحرية في القرون السابقة. إنه ليس توقف خدمة، بل اختبار لصلابة النظام الدولي الرقمي.
ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق لا يتوقف عند احتمال انقطاع الشبكة، ولا عند حجم الخسائر التي قد تترتب عليه. فربما يكون الانقطاع — مهما بدا كارثياً — مجرد لحظة كاشفة لطبقات أعمق من الواقع الرقمي. إذ إن التركيز على هشاشة الاتصال يقودنا، بالضرورة، إلى سؤال أكثر جذرية: من يملك هذه الشبكة أصلاً؟ ومن يتحكم في مفاتيحها؟ من يضع قواعدها التقنية، ويدير بنيتها التحتية، ويملك الكابلات، ويشرف على بروتوكولاتها، ويحدد من يدخل إليها ومن يُستبعد منها؟
فالإنترنت الذي نتصوره فضاءً مفتوحاً وعابراً للحدود، يقوم في الحقيقة على توازن دقيق بين دول، وشركات عابرة للقوميات، وهيئات تنظيمية، وتحالفات تقنية. إنه ليس "ملكية عامة" بالمعنى الرومانسي، ولا "أرضاً بلا سيادة"، بل شبكة معقدة من الامتيازات والهيمنات والاحتكارات الناعمة. وإذا كان انقطاعه المحتمل يكشف هشاشته، فإن استمرار عمله اليومي يكشف بدوره بنية السلطة التي تنظمه بصمت. وهنا يبدأ سؤال آخر، يتجاوز سيناريو الانقطاع إلى فلسفة الملكية والهيمنة في العصر الرقمي… وهو سؤال يستحق مقالاً مستقلاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
3315
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3036
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1425
| 13 مايو 2026