رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تاريخياً وتقليدياً تبقى الشؤون والأزمات الداخلية العامل والمحرك الرئيسي للناخب الأمريكي في انتخابات الكونغرس والرئاسة الأمريكية-لأهميته ولدورها في اهتمامات وأولويات الناخب الأمريكي بشكل عام. خاصة بغياب حروب تشارك بها القوات الأمريكية في الخارج. كما كان عليه الحال منذ شن إدارة بوش الابن الحرب على الإرهاب والحروب الاستباقية التي قادت لغزو واحتلال أفغانستان والعراق قبل أكثر من عشرين عاماً.
لكن نشهد في انتخابات الرئاسة الأمريكية اليوم تداعيات وتأثير حرب إبادة إسرائيل على غزة منذ 7 أكتوبر الماضي وباتت تفرض نفسها على النقاش كإحدى القضايا المؤثرة في انتخابات الرئاسة الأمريكية، بسبب موقف الرئيس بايدن وقيادات إدارته- وخاصة وزيري الخارجية والدفاع والناطقين باسم الوزارتين والبيت الأبيض المتواطئين، وحتى الإعلام التقليدي الذي من الواضح انحيازه للسردية الإسرائيلية والتغطية التي تتبنى بشكل واضح السردية الإسرائيلية. ولولا تغطية ومقاطع الفيديو التي تعرض في وسائط التواصل الاجتماعي لحجم الكارثة والدمار والإبادة وسلاح التجويع الذي ترتكبه القوات الإسرائيلية المحتلة والغازية-لما أدرك العالم حجم الكارثة!
سجلت في زاويتي في الشرق عدة مقالات عن الموقف والدور الأمريكي في حرب غزة منذ شن إسرائيل حربها في أكتوبر الماضي. وقدمت في مقالاتي انتقادا موثقا لموقف إدارة بايدن الداعمة عسكرياً وسياسياً بلا سقف وحدود، وتوفير الغطاء باستخدام الفيتو 4 مرات في مجلس الأمن برفض وقف الحرب. وتطور وتقدم الموقف الأمريكي من رفض وقف الحرب إلى الدفع كما يكرر الرئيس بايدن مؤخراً لوقف فوري للقتال لستة أسابيع في شهر رمضان لإدخال مزيد من المساعدات الإنسانية والتوصل إلى صفقة تبادل الأسرى والرهائن.
وبرغم بدء التباين بين الرئيس بايدن ونتنياهو لرفضه خفض التصعيد واستمرار استهداف المدنيين وعجزه عن تحقيق أي من أهدافه المعلنة منذ اليوم الأول لحرب الإبادة التي دخلت شهرها السادس ولم ينجح بالقضاء على حماس ولا بتحرير أي من الرهائن ولا في تحييد غزة لمنع تكرار 7 أكتوبر-مع استمرار بقاء المستوطنين أكثر من نصف مليون مستوطن خارج منازلهم في مستوطنات غلاف غزة ومستوطنات الشمال على حدود لبنان في أكبر عملية إجلاء للمستوطنين.
إلا أن حدة الخلافات تصاعدت في الشهرين الماضيين بانتقادات علنية لنتنياهو. وصف بايدن القصف الإسرائيلي على غزة «بالعشوائي» ولاحقاً «تجاوز الحدود»-ورفض شن اجتياح على رفح ما لم يتوفر خطة لإجلاء النازحين المتكدسين في رفح على حدود مصر، وتكرار بايدن ووزرائه الحاجة لإدخال المزيد من المساعدات ووقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع. وحتى المطالبة بفتح معبر رفح بالضغط على نتنياهو والرئيس السيسي. واستقبال نائبة بايدن في واشنطن وزير مجلس الحرب غانتس رغم معارضة نتنياهو!
ووصل الأمر بإسقاط إدارة بايدن من الجو مساعدات انسانية فوق قطاع غزة، ولكن ذلك ليس حلاً، خاصة مع سقوط بعض صناديق المساعدات في البحر وفوق مستوطنات وحتى فوق رؤوس المدنيين الجياع المنتظرين للمساعدات. ناهيك عن ارتكاب إسرائيل مجازر بإطلاق النار على الحشود الجائعة وقتل أكثر من 100 مدني واصابة 1000 آخرين.
وما يعكس حالة الإحباط التي يعيشها الرئيس بايدن من عناد ورفض نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة التي تدفع أنصاره لانتقاد موقفه وخاصة الناخبين العرب والمسلمين وخاصة في الولايات المتأرجحة التي فاز بها على ترامب بفارق بسيط أدت لهزيمة ترامب وفوز بايدن في انتخابات رئاسة 2020، تتقدمها ولاية ميشيغان-التي صوت أكثر من 100 ألف يعادل 13.8% من الأصوات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي قبل أسبوعين «غير ملتزم»-رافضين التصويت لبايدن احتجاجا على موقفه الرافض لوقف الحرب في غزة. كما رفضت قيادات الجالية العربية والمسلمة الاجتماع مع مستشاري بايدن، قبل دعم وإعلان بايدن وقف حرب إبادة إسرائيل على غزة!
وللتدليل على الإحراج وانزعاج بايدن بسبب عناد ورفض نتنياهو السماح بفتح معبر رفح وإدخال مزيد من المساعدات براً عبر معبر رفح برغم تضور نصف سكان غزة من الجوع خاصة في شمالي القطاع، ووفاة 23 طفلاً من سوء التغذية والجفاف.
ووصل الأمر ببايدن في محادثة مع أحد أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بعد نهاية خطاب «حالة الاتحاد» سُمع بايدن يقول مساء الخميس الماضي في ميكرفون مفتوح «علينا الاجتماع مع نتنياهو مع سيدنا عيسى»! رداً على سؤال ماذا عنى بذلك علّق على إسرائيل السماح بإدخال المزيد من المساعدات إلى غزة. بعد فقدان جميع المواد الضرورية للحياة من غذاء ودواء ومواد طبية، كما يرافق تلك المأساة فشل ضغوط بايدن وتوقعاته بالتوصل لوقف القتال!
ما اضطر الرئيس بايدن إصدار تعليماته للجيش الأمريكي بإنشاء رصيف مؤقت في مرفأ غزة لاستقبال المساعدات الإنسانية وتوفير مليوني وجبة يوميا! لكن الجميع يعلم أن ذلك ليس حلاً!
واعترف بايدن بصعوبة التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار قبل بدء شهر رمضان كما كان يروج! والتوصل لصفقة تبادل المحتجزين وإدخال المساعدات. ورفض حماس صفقة تبادل للأسرى والمحتجزين ما لم يتم وقف كامل لإطلاق النار والانسحاب العسكري من قطاع غزة. وعلّق أبو عبيدة الجمعة:» نستقبل رمضان بالجهاد والرباط في زمن عز فيه الرجال».
للأسف لا يبدو البعد الأخلاقي حرك ضمير بايدن ليغير موقفه وبدء ضغطه على نتنياهو. بل لتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، وخاصة لدى الناخبين العرب والمسلمين الأمريكيين وشباب الجامعات والناشطين الذين دأبوا على مقاطعة بايدن في المهرجانات الانتخابية. واليوم بعد خطاب حالة الاتحاد صار بايدن الرئيس والمرشح للرئاسة. وسيطوف ونائبته ووزراء وقيادات حزبه الولايات المتأرجحة للترويج لحملته الانتخابية لضمان فوزه في رئاسة ثانية لكن انحيازه وعجزه وفشله وقف حرب غزة سيبقى يلاحقه!
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد
324
| 17 مارس 2026
وداعاً أيها الراقي المتميز
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد
411
| 17 مارس 2026
رمضان ليس موسماً للتسول
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد
129
| 17 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1512
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في كل أزمة إقليمية تتجدد ظاهرة فكرية وسياسية لافتة في الفضاء العربي، وهي سرعة تشكّل موجات واسعة من الخطاب العاطفي في وسائل التواصل الاجتماعي، تتجاوز أحياناً الحقائق الميدانية والتوازنات الواقعية. وقد ظهرت هذه الظاهرة بوضوح في النقاشات التي رافقت التوترات بين إيران ودول الخليج، حيث امتلأت منصات التواصل بآراء تدافع عن أي عمل عسكري إيراني محتمل ضد دول الخليج بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية فيها. هذا الخطاب، رغم اتساعه، يكشف إشكالية عميقة في طريقة تفكير جزء من العقل العربي المعاصر، إذ يختزل تعقيدات الجغرافيا السياسية في ثنائية تبسيطية تقوم على قاعدة: “كل ما يواجه الولايات المتحدة أو إسرائيل هو بالضرورة موقف مشروع.” وبهذا المنطق يتم تجاهل حقائق تتعلق بسلوك إيران، أو بطبيعة العلاقات الدفاعية بين دول الخليج والولايات المتحدة، المشكلة هنا ليست في انتقاد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية، فهذا حق سياسي وفكري مشروع، بل في تحول هذا الانتقاد إلى عدسة وحيدة يُنظر من خلالها إلى كل أحداث المنطقة، بحيث يصبح أي صراع إقليمي مجرد انعكاس للصراع مع واشنطن وتل أبيب، بينما يتم تجاهل مصالح الدول العربية نفسها وحقها في حماية أمنها. ثانياً: حقيقة الموقف الخليجي من الحرب في المنطقة خلافاً للصورة التي يروج لها فإن دول الخليج تبنت موقفاً ثابتاً يدعو إلى خفض التصعيد في المنطقة. وظهر هذا بوضوح في عدة محطات دبلوماسية، منها وساطات سلطنة عُمان في الملف النووي الإيراني، والجهود القطرية والكويتية لتخفيف التوتر الإقليمي، كما أن دول الخليج كانت من أكثر الأطراف إدراكاً لخطورة أي حرب واسعة في المنطقة، لأن الخليج هو أول من سيدفع ثمنها اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً. ثالثاً: طبيعة الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة من القضايا التي يتم تداولها بكثرة في النقاشات الرقمية فكرة أن وجود قواعد أمريكية في الخليج يبرر استهداف دول الخليج. وهذه الفكرة تتجاهل جملة من الحقائق القانونية والاستراتيجية. أولاً: إن الاتفاقيات الأمنية بين دول الخليج والولايات المتحدة هي اتفاقيات دفاعية، تقوم على مبدأ التعاون العسكري والتدريب المشترك وحماية الملاحة والطاقة، وهي اتفاقيات معلنة وشرعية في القانون الدولي. ثانياً: إن إقامة قواعد أو تسهيلات عسكرية مع دولة كبرى ليس أمراً استثنائياً، بل هو سلوك شائع في النظام الدولي. فإيران نفسها ترتبط بعلاقات عسكرية واستراتيجية وثيقة مع روسيا والصين، وتشمل هذه العلاقات التعاون في مجالات التسليح والتدريب والتكنولوجيا العسكرية. وبالتالي فإن حق بناء التحالفات الاستراتيجية هو حق سيادي لكل دولة في العالم. ثالثاً: الواقع العسكري خلال الأزمات الأخيرة يشير إلى أن الهجمات التي استهدفت إيران – عندما حدثت – لم تنطلق من قواعد خليجية، بل اعتمدت أساساً على: - الطائرات بعيدة المدى. - حاملات الطائرات البحرية. - الغواصات. - القواعد العسكرية الأمريكية خارج الخليج. وهو ما يجعل الادعاء بأن القواعد الموجودة في الخليج استخدمت لشن عمليات عسكرية ضد إيران ادعاءً يفتقر إلى الأدلة الميدانية. رابعاً: إيران وسجل التدخل في المنطقة العربية النقاش الموضوعي حول التوترات الإقليمية لا يمكن أن يتجاهل حقيقة أن إيران لعبت خلال العقود الأخيرة دوراً واسعاً في عدد من الساحات العربية. فقد ارتبط اسم إيران بملفات عديدة في المنطقة، من بينها: - دعم جماعات مسلحة في بعض الدول العربية. - التدخل في الصراعات الداخلية في العراق وسوريا واليمن ولبنان. - التوترات الأمنية في الخليج خلال الثمانينيات. - الهجمات التي طالت منشآت نفطية ومدنية في بعض الدول الخليجية. وهذا السجل لا يعني بالضرورة أن إيران هي المسؤول الوحيد عن أزمات المنطقة، لكنه يعني أن الصورة أكثر تعقيداً من السردية التي تصور إيران كقوة مقاومة فقط، بينما يتم تجاهل تأثير سياساتها الإقليمية على الأمن العربي. خامساً: عقدة التدخل الأمريكي في الوعي العربي لفهم المواقف العاطفية التي ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي، يجب العودة إلى الخلفية الفكرية التي تشكلت في العقل العربي خلال العقود الماضية. لقد تركت سياسات الولايات المتحدة في المنطقة – خصوصاً دعمها لإسرائيل أو تدخلها العسكري في العراق – أثراً عميقاً من عدم الثقة والغضب لدى كثير من الشعوب العربية. وهذا الغضب مفهوم من الناحية التاريخية، لكنه تحول لدى بعض التيارات الفكرية إلى عقدة تفسيرية شاملة، بحيث أصبحت كل أحداث المنطقة تُفسَّر من زاوية واحدة هي "المؤامرة الأمريكية أو الإسرائيلية". وبسبب هذه العدسة الأحادية أصبح من السهل لدى بعض الخطابات تبرير أي فعل يقوم به طرف آخر، طالما أنه يُقدَّم باعتباره خصماً لواشنطن أو تل أبيب. سادساً: المقارنة التاريخية مع غزو الكويت هذه الظاهرة ليست جديدة في الفكر السياسي العربي، بل ظهرت بوضوح خلال أزمة غزو العراق للكويت عام 1990. ففي تلك الفترة انقسم الرأي العام العربي بين من اعتبر الغزو عدواناً واضحاً على دولة عربية مستقلة، وبين من برره أو تعاطف معه بدعوى مواجهة النفوذ الأمريكي أو إعادة توزيع الثروة النفطية. وقد أدى هذا الانقسام إلى خلل أخلاقي وسياسي في تقييم الحدث، لأن مسألة سيادة الدول وحرمة الحدود الدولية تم تهميشها لصالح شعارات أيديولوجية. اليوم تتكرر بعض ملامح هذا المشهد في النقاشات حول التوترات الخليجية – الإيرانية، حيث يتم أحياناً تجاهل حق دول الخليج في الأمن والاستقرار لمجرد أنها ترتبط بعلاقات دفاعية مع الولايات المتحدة. سابعاً: مسؤولية المثقفين والنخب الفكرية المشكلة لا تقتصر على الجمهور العام، بل تمتد أحياناً إلى بعض النخب الفكرية والإعلامية التي تتبنى خطاباً تبسيطياً في تحليل الصراعات. فالمثقف – بحكم دوره المعرفي – يفترض أن يقدم قراءة متوازنة للأحداث، تقوم على: - احترام سيادة الدول. - تحليل الوقائع الميدانية. - التمييز بين الصراع مع إسرائيل أو الولايات المتحدة وبين الصراعات داخل المنطقة. لكن حين يتحول المثقف نفسه إلى جزء من خطاب تعبوي عاطفي، فإن ذلك يساهم في تعميق الانقسام الفكري وتشويش الوعي العام. خاتمة: نحو عقل عربي أكثر توازناً إن نقد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية أمر مشروع، بل هو جزء من النقاش السياسي الطبيعي في المنطقة. لكن هذا النقد لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير تلقائي لأي طرف آخر أو إلى تجاهل حقوق الدول العربية في الأمن والسيادة. فدول الخليج - مثلها مثل أي دولة في العالم – من حقها أن تبني تحالفات دفاعية لحماية مصالحها، كما أن من حقها أن تسعى لتجنيب منطقتها الحروب والصراعات. والتحدي الحقيقي أمام العقل العربي اليوم هو الانتقال من التفكير الأيديولوجي الانفعالي إلى التفكير الاستراتيجي الواقعي، الذي يوازن بين المبادئ والوقائع، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار العربي ومصالح شعوبه. فمن دون هذا التحول سيظل النقاش العام أسيراً للانفعالات والشعارات، بينما تبقى حقائق الجغرافيا السياسية أكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.
1095
| 11 مارس 2026