رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبحت الأوضاع في العالم العربي ككرة ملتهبة من النار.. تزداد اشتعالاً وتوهجاً شيئاً فشيئاً مع ازدياد حدة الصراع بين الشعوب وحكامها وارتفاع مطالب الناس بدءاً بارتفاع الأجور والرواتب وانتهاءً بسقوط نظام أو رحيل رئيس أو محاكمة الحكومة بأسرها وذلك مع تتابع الثورات في العالم العربي بدءاً من تونس ثم مصر.. والآن في ليبيا واليمن والجزائر والعراق وعمان والبحرين وغيرها التي بدأت فيها المطالب على استحياء تام، هذا التشبيه للوضع العربي الراهن بوصفه كالبركان الثائر كان يقابله في السابق وصف آخر على النقيض.. جبل من الجليد، أو كقطعة ثلج لا يكاد الشارع العربي فيها يتأثر بما يجري من أحداث حوله، حيث أصيب الناس بشيء من الجمود والخمول وتبلد الإحساس وتجمد المشاعر تجاه ما يجري من أحداث جسام على صعيد الأحداث السياسية الساخنة التي حدثت في محيط العالم العربي والإسلامي ولكنه لم يتفاعل معها كما ينبغي له أن يتفاعل كما حدث في حرب أفغانستان أو العراق.. ولعل السبب الجوهري في ذلك هو أن تلك الحروب شنتها الولايات المتحدة الأمريكية.. التي تمثل خطاً أحمراً لدى العديد من الدول العربية والإسلامية بل والدولية التي لا تتجرأ أن تقول " لا " لأمريكا أو حتى أن تترك شعوبها تعبّر عن غضبها ومعارضتها لسياسة أمريكا في المنطقة، فهي التي نراها نادت بشكل سريع بضرورة احترام حق الشعب في تقرير مصيره في تونس بينما نادت بذلك بشكل أبطأ في مصر وبشكل " سلحفائي " في ليبيا وهكذا دواليك، في حين أنها لم تلتفت لحق الشعب في تقرير مصيره في أفغانستان أو العراق إلا بعد أن استنزفتهما واستباحت دم الشعبين فيهما.. ناهيك عن سكوتها المطبق تجاه ما يجري من قتل وتشريد للشعب الفلسطيني على يد حليفتها إسرائيل.
إن الرجوع إلى أمريكا دائماً في الأحداث الكبرى ومعرفة رأيها أو رأي البيت الأبيض تحديداً فيما يجري هنا أو هناك إنما يعكس الهيمنة الأمريكية على كل صغيرة وكبيرة تجري في العالم، فأينما وقعت ثورة أو مظاهرة.. تداعت وسائل الإعلام والصحفيون والمراسلون لنقل المؤتمرات الصحفية أو البيانات والكلمات الخطابية التي تخرج من البيت الأبيض في هذا الشأن أو ذاك، الأمر الذي يُرضي غرور الولايات المتحدة الأمريكية في سيادتها التامة على العالم بأسره في تصديقٍ للعبارة القائلة بأن أمريكا هي بمثابة " شرطي العالم ".
فوجئت كثيراً بذلك الاهتمام الذي أعطته قناة عربية معروفة - كثيراً ما تهم بالمسلسلات والأغاني أكثر من اشتغالها بالأخبار والسياسة - فوجئت بتلك القناة تخصص حلقة من حلقات إحدى برامجها "النسائية" للقاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وذلك وسط حضور مكثف من شيوخ ووزراء وإعلاميين ومفكرين ومثقفين بالإضافة إلى مجموعة المذيعات اللاتي تسابقن إلى سؤالها عن آرائها الشخصية أو الرسمية عما يجري من أحداث ووقائع في عالمنا العربي في تسابق منهن أيّهن تتكلم الإنجليزية بطلاقة أكثر !! في حين أنها – أي وزيرة الخارجية - جلست تجيب عن كل صغيرة وكبيرة وكأن لديها لكل سؤال جواب.. الأمر الذي لم أستغربه لكونها وزيرة خارجية وينبغي لها أن تعرف شيئاً عن كل شيء.. ولكن الغريب أن كل أولئك الجمع لم ينبسوا ببنت شفة ولم يعترضوا على أي من إجاباتها، حيث تكلمت عن عملية السلام وعلّقت على المشروع الاستيطاني في فلسطين ثم تحدث عن الوضع في السودان وأبدت سعادتها عن انقسام الجنوب عن الشمال وأن الناس في الجنوب يجب أن يحصلوا على حريتهم وسيادتهم واستقلال أراضيهم وغيرها الكثير من القضايا التي ينبغي على الحضور أن يصبحوا فيها مناظرين لا مؤيدين لسياسية الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة أو في العالم العربي عموماً، حيث لم يقاطعها أحد أو يناقشها أحد أو حتى يسألها أحد من الجمهور.. لأن الأسئلة لابد أن تمر على الرقابة قطعاً، وأزعم أنها خرجت من تلك القاعة أو من ذلك البرنامج الذي خصصت له القناة مسرحاً ضخماً.. أزعم بأنها خرجت بالكثير من المدح والإطراء على تألقها وطلاقة لسانها وجمال منظرها وأناقة فستانها.. وبالكثير من الأوتوغرافات " التواقيع " والصور التذكارية مع المعجبين والمعجبات، وأزعم في المقابل بأن الوزيرة الأمريكية لو ظهرت على التلفزيون الإسرائيلي في برنامج جماهيري مشابة لهذا البرنامج.. أزعم بأنها ستواجه بالعديد من الأسئلة العشوائية وبالمداخلات والمقاطعات أو ربما بالاعتراضات والاستهجانات.. مع الأخذ بعين الاعتبار أن مواقف الضيفة ودولتها غير مرحب بها لدى الجمهور الأول.. بينما مواقف ذات الضيفة ودولتها مرحب بها لدى الجمهور الثاني.
إن الولايات المتحدة الأمريكية لاتزال تتعامل مع العالم العربي بقطيعة تامة مع الشعوب وبحميمية نادرة مع الحكام، فهي منبوذة عند الشعوب محبوبة عند الحكام، وعلى الرغم من معرفتها لكره الشعوب العربية لها فإنها لا تقلق كثيراً من ذلك لأنها تضمن أن الحكام يقفون بالمرصاد تجاه من يعلن تأففه أو اعتراضه على سياساتها، أو الخروج في مظاهرات معادية لها، تماماً كما حدث في حربها على أفغانستان والعراق، بينما هي الآن تتخلص من بعض قدامى أصدقائها من الحكام العرب لترحّب بآخرين جدد، أو ترحّب بمطالب الشعوب طالما أنها خرجت في وجه حكامها لا في وجهها هي.
إن السياسة وكما يقال ليس بها " صديق دائم أو عدو دائم " وهكذا الأيام تدور والأحداث تتغير، المهم أن ندير تلك الأحداث والوقائع فيما يتوافق مع مصالحنا وأهدافنا.. هذا ما تفعله أمريكا وغيرها من الدول الكبرى بينما يغفل عنه الكثير من الحكام العرب الذين ارتبطوا بعلاقة وطيدة مع أمريكا أو غيرها من الدول الأوروبية واتخذوهم أولياء من دون الله فأطاعوها وخضعوا لها بل وأعطوها من أموالهم وأرواح أبنائهم وشعوبهم الشيء الكثير، بينما لم تعطهم أمريكا في المقابل غير المزيد من الإهانات والتنازلات وما جرى في عملية السلام خير مثال على ذلك.
ويشاء الله أن تكون نهاية أولئك الذين لم يعرفوا فن السياسة ولم يدرسوا التاريخ ولم يفهموا الواقع.. أن تكون نهايتهم على يد شعوبهم التي تكرههم بقدر كرهها لأعداء أمتها، ويشاء الله كذلك أن تكون الدول التي خضعوا لها طيلة مدة حكمهم واستعمرت عقولهم وأفكارهم.. هي أولى الدول التي تخلّت وتنازلت عنهم، ففرنسا أول من طردت زين العابدين ولم تحبذ بقاؤه فيها وهي التي عبدها من دون الله، والولايات المتحدة الأمريكية لم تحبذ لجوء حسني مبارك لها وأيدت سقوطه وهي التي سخّر لها كل إمكانياته وطاقات بلده تماماً كما فعلت بشاه إيران عندما نبذته فعاش طريداً حتى مات شر ميتة، وهاهي إيطاليا تعلن تبرأها من معمر القذافي وتؤيد مطالب الشعب الليبي وتناديه بالتنحي عن منصبه وهو الذي عاش صديقاً وخاضعاً لها وهو الذي يدّعي معاداتها ومعاداة الاستعمار كاذباً، وهكذا هم الأغبياء دائماً الذين لا يريدون أن يفهموا الدرس جيداً فيكون مصيرهم الطرد من مدرسة الحياة.. وقبل ذلك.. يحظون بصفعة أخيرة "لاتُنسى" من أعدائهم أو.. أصدقاءهم السابقين.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
72
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
69
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
51
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2427
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1983
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026